تقف إيمان ثلجي أمام جهاز تجفيف الفاكهة، ترتب بعناية شرائح الفريز فوق “الصواني المعدنية” بعد أن انتهت زميلاتها من غسلها وتنظيفها وتقطيعها. تغلق باب الجهاز، وتضبط درجة الحرارة، ثم تراقب مؤشره لساعات، بانتظار أن تتحول الثمار الطازجة إلى منتج صالح للتخزين والتسويق.
لم تتردد إيمان (30 عامًا)، وهي أم لأربعة أطفال من مدينة كفرنبل جنوبي إدلب، في اختيار مهنة تجفيف الفاكهة عندما فُتح باب التسجيل في برنامج المشاريع الصغيرة، فهذه المهنة راودتها منذ سنوات، قبل أن توقف الحرب والنزوح كل ما كانت تخطط له.
تسهم المشاريع الصغيرة التي تدعمها المنظمات والجمعيات غير الحكومية بتمكين النساء اقتصاديًا، إذ تمنحهن فرصة لاكتساب مهارات مهنية، ودخول سوق العمل، والانتقال من متلقيات للمساعدة إلى منتجات. إذ توفر هذه المشاريع فرصًا لتأسيس أعمال مدرّة للدخل، والاستفادة من التدريب العملي والإشراف المباشر، بما يمهد الطريق أمام مشاريع مستدامة قادرة على تحسين مستوى معيشة الأسر.
في عام 2019، ومع الحملة العسكرية على ريف إدلب الجنوبي، اضطرت إيمان إلى مغادرة منزلها، متنقلة مع عائلتها بين مناطق عدة في ريف حلب، قبل أن تستقر أربع سنوات في مخيم كفرجالس، حيث واجهت ظروفًا معيشية قاسية. وبعد عودتها إلى كفرنبل، وجدت الفرصة التي انتظرتها طويلًا عندما أعلنت إحدى المنظمات عن برنامج لتدريب النساء على المشاريع الصغيرة، فسارعت إلى التسجيل، وتم قبولها.
تقول إيمان: “هدفي الأول هو تحسين الوضع المعيشي وإعالة أسرتي، لكنني أريد أيضًا أن أثبت أن المرأة قادرة على الإنتاج، وأن تمتلك مشروعها الخاص وتنجح فيه. اخترت هذه المهنة عن حب ورغبة، وأتمنى أن تتحول إلى مصدر دخل دائم”.
تعتمد عملية التجفيف الحراري على تعريض الفاكهة لهواء تصل حرارته إلى نحو 60 درجة مئوية داخل جهاز مزود برفوف متعددة، وتستغرق بين ثماني إلى عشرة ساعات. أما التجفيف بالتجميد فيمر بمراحل أطول، تبدأ بتجميد الثمار عند درجات حرارة منخفضة جدًا، ثم إزالة الرطوبة تدريجيًا، ما يحافظ بدرجة أكبر على قيمتها الغذائية ويمنحها قوامًا “مقرمشًا”.
لم تكن صناعة الفاكهة المجففة معروفة على نطاق واسع في المنطقة قبل سنوات، إذ كانت الأسواق تعتمد في الغالب على المنتجات المستوردة. أما اليوم، فقد ازداد الإقبال عليها بوصفها وجبة صحية للأطفال، وخيارًا مناسبًا للرياضيين ومرضى السكري، لما تحتويه من ألياف وعناصر غذائية، فضلًا عن إمكانية حفظها لفترات طويلة.
تصف إيمان العمل في هذه المهنة بأنه ممتع، لكنه يحتاج إلى الصبر والدقة في كل مرحلة من مراحل الإنتاج، لأن أي خطأ في التجفيف أو التخزين قد يؤثر في جودة المنتج. وتضيف: “التدريب الذي تلقيناه عن طرق التجفيف الصحيحة وحفظ المنتجات منحني الثقة والخبرة الكافيتين للبدء بمشروع مع سيدات في مجموعتنا”.
وخلال التدريب، تعلمت المشاركات تشغيل أجهزة التجفيف، وفرز الفاكهة وغسلها وتقطيعها، ومراقبة مراحل التجفيف، ثم تعبئة المنتجات وتخزينها بطريقة تضمن صلاحيتها لمدة قد تصل إلى عامين. كما وزعن المهام بينهن، واتفقن على أن النظافة وجودة المواد الخام ستكونان أساس نجاح المشروع وكسب ثقة الزبائن.
ومع اقتراب موسم التين، الذي تشتهر به كفرنبل، تخطط إيمان لإنتاج أصناف جديدة، من بينها التين المجفف المحشو بالجوز والمغمور بزيت الزيتون، مع إضافة السمسم وحبة البركة، إلى جانب التمر والموز المحشو بالمكسرات، لتقديم منتجات ذات قيمة غذائية أعلى.
ولا ترى إيمان أن نجاح المشروع يتوقف على جودة المنتج وحدها، بل يبدأ أيضًا من التسويق. لذلك، تضع مع زميلاتها خطة للتعريف بمنتجاتهن في المتاجر والنوادي الرياضية والمقاهي، إلى جانب تجهيز عبوات صغيرة بتغليف جذاب تصلح كهدايا. كما أنها تؤمن أن دعم المجتمع المحلي سيكون العامل الأهم في تحويل هذا المشروع من تجربة تدريبية إلى مصدر رزق مستدام.
خلال الفترة الأخيرة، ازدادت المشاريع المهنية المخصصة للنساء جنوبي إدلب، وقد شملت مجالات مختلفة تساعدهن على اكتساب مهارات جديدة والدخول إلى سوق العمل. قبل بدء التدريب تعلن المؤسسات المحلية عن هذه البرامج، لتتمكن النساء الراغبات من التسجيل في المهن التي يفضلن تعلمها، وتحويلها لاحقًا إلى مشاريع توفر لهن مصدر دخل.
رهام ملحم، أربعينية من بلدة إحسم جنوبي إدلب، تستعد مع ست نساء من صديقاتها، لبدء مشروع زراعة الفطر، بعد أن خضعن لتدريب عملي مدته ثلاثة أشهر، يتبعه دعم مالي من إحدى منظمات المجتمع المدني لتوفير المعدات والمستلزمات اللازمة. تحاول رهام من خلال المشروع بناء مصدر دخل يساعدها في إعالة طفلتيها البالغتين 12 و13 عامًا.
تأمل رهام أن يتحول مشروع زراعة الفطر لمصدر دخل مستدام يساعدها على ترميم بيتها الذي وجدته مهدمًا بعد عودتها من النزوح، دون اضطرارها للعمل في محال الألبسة ولفترات طويلة تبقى فيها خارج المنزل، أو ببيع أدوات التجميل ضمن بيتها، فهما الخياران الوحيدان اللذان أتيحا لها.
في قبو المنزل، تنحني رهام ووالدتها لقطف حبات الفطر الأبيض التي نمت داخل الصناديق البلاستيكية. تتأمل رهام القبعات البيضاء المتفتحة، وتقول بابتسامة: “كانت التجربة ناجحة. زراعة الفطر لا تحتاج إلى جهد بدني كبير، بقدر ما تحتاج إلى عناية، ودقة، والالتزام بالشروط المناسبة للنمو”.
بدأت رهام ووالدتها تجربتهما بكميات محدودة، مستخدمتين نحو ربع كيلوغرام من أبواغ الفطر، زرعتاه بعناية فوق حبوب قمح معقمة داخل صناديق بلاستيكية مملوءة بالتبن، ثم وضعتاه في مكان رطب داخل القبو. وخلال مراحل الزراعة، طبقتا الإرشادات التي تلقتاها في ورشة تدريبية نظمتها منظمة سلام الإنسانية، ما ساعدهما على تجاوز أخطاء البدايات وتحقيق أول إنتاج ناجح.
يستغرق إنتاج الفطر نحو شهرين، ويتطلب بيئة مناسبة من ناحية درجة الحرارة والرطوبة، باستخدام أجهزة للتبخير والتبريد ومقياس لمراقبة الظروف المناسبة للنمو. وتختلف أشكال الفطر وأحجامه بحسب نوع الأبواغ المستخدمة، ويعد من المكونات الأساسية في العديد من الأطباق، لا سيما التي تعتمد على اللحوم والدجاج، كما يمكن تجفيفه أو حفظه بطرق مختلفة ليبقى صالحًا للاستهلاك خلال فصل الشتاء.
بعيدًا عن مشاريع الأغذية والزراعة، اختارت صفاء مرسال، من مدينة كفرنبل، طريقًا مختلفًا. فقد التحقت بمشروع صناعة الفخار، وهي مهنة ما تزال تُصنف في نظر كثيرين على أنها حكر على الرجال. إلا أن صفاء ترى الأمر من زاوية أخرى، فالمرأة، كما تقول، تمتلك حسًا فنيًا وصبرًا يجعلها قادرة على إتقان هذه الحرفة، لا سيما أنها ترتبط بالمطبخ السوري، من تنور الفخار الذي يُخبز فيه الخبز، إلى الأواني والأطباق التي تمنح الطعام نكهته المميزة.
لم يكن اختيار صفاء للمشروع مجرد رغبة في تعلم مهنة جديدة، بل امتدادًا لمسيرة طويلة من الكفاح لإعالة أسرتها. فمنذ سنوات ما قبل الحرب، كانت تشارك زوجها في تأمين مصروف المنزل، قبل أن تقلب الحرب حياتها رأسًا على عقب.
تستعيد صفاء تلك السنوات قائلة: “كنت أعمل في إعداد المعجنات داخل منزلي، وكان أولادي يساعدوني في بيعها. وبعد فترة افتتحت محلًا صغيرًا للمعجنات، لكن في لحظة واحدة تغير كل شيء. تعرض الحي الذي نسكنه لقصف جوي، واستشهد ابني، وكان عمره عشر سنوات، عندما خرج ليشتري الحليب. بعد ذلك فقدت الرغبة في العمل، ولم أعد قادرة على ممارسة أي شيء”.
لم تتوقف المأساة عند فقدان طفلها، فقد أصيب زوجها بجلطة دماغية متأثرًا بالصدمة، وأصبح غير قادر على العمل بسبب تدهور حالته الصحية. ومع سيطرة النظام على كفرنبل، نزحت العائلة إلى شمال غربي سوريا، وبعد عام واحد اضطرت إلى الهجرة نحو تركيا، حيث بدأت صفاء رحلة جديدة للبحث عن مصدر رزق. تقول: “أنا امرأة منتجة، ولا أستطيع أن أبقى مكتوفة اليدين. لا أحب أن أعتمد على أحد، وكنت دائمًا أساعد زوجي في مصروف البيت حتى لا نحتاج إلى الناس. في تركيا التحقت بدورة لتعلم فنون الطهي، وعملت شيف لمدة خمس سنوات”.
بعد عودتها إلى كفرنبل، لم تتردد صفاء في خوض تجربة جديدة، فالتحقت بدورة لصناعة الفخار. وتضيف: “شدتني هذه المهنة لأنها جديدة بالنسبة لي، وأتقنتها بسرعة. وبحكم خبرتي في الطبخ، أعشق الطهي بالأواني الفخارية، مثل الطاجن والصواني والأطباق الفخارية، لأنها تمنح الطعام نكهة لا يمكن الحصول عليها في أوانٍ أخرى”.
تبدأ صناعة الفخار بخلط أنواع مختلفة من الطين، تشمل الطين الألماني والفرنسي، إلى جانب الطين المحلي المستخرج من مناطق سورية مثل مسكنة وحمص ودمشق. وبعد خلطها بنسب محددة، تُعجن جيدًا للتخلص من فقاعات الهواء التي قد تتسبب بتشقق القطع أو انفجارها عند تعريضها لدرجات الحرارة العالية أثناء الحرق.
اليوم، تقود صفاء فريقًا من النساء ضمن المشروع، وتتولى توزيع المهام والإشراف على مراحل الإنتاج. وتطمح إلى تصنيع أفران التنور الفخارية محليًا، في ظل اعتماد كثير من العائلات في القرى على خبز التنور بشكل يومي، وترى في ذلك فرصة لتلبية حاجة السوق المحلي وخلق مصدر دخل مستدام. تختم حديثها قائلة: “نعمل بروح الفريق الواحد، ونؤمن بأن نجاحنا سيشجع نساء أخريات على دخول سوق العمل، وخوض المشاريع التشاركية التي تثبت أن المرأة قادرة على الإنتاج والقيادة، مهما كانت طبيعة المهنة”.
ورغم اختلاف المشاريع بين زراعة الفطر وتجفيف الفاكهة وصناعة الفخار، إلا أن ما يجمع رهام وإيمان وصفاء هو سعيهن إلى الاعتماد على أنفسهن بعد سنوات من الحرب والنزوح. فهذه المشاريع لا توفر مصدر دخل فحسب، بل تمنح النساء فرصة لإعادة بناء حياتهن، وترميم ما خلفته الحرب من خسائر، وإثبات أن الدعم المقترن بالتدريب يمكن أن يتحول إلى بداية لمشاريع مستدامة تقودها النساء بأيديهن.
