تلبس ريما مصطفى كمامة على أنفها، وتثبت لوحًا خشبيًّا على طاولة القص قبل أن تدفعه ببطئ نحو شفرة المنشار الكهربائي. تتناثر نشارة الخشب على الأرض وتفوح رائحتها في المكان، بينما تتوزع في الورشة أصوات آلات القص وأحاديث السيدات العاملات. في شارع ضيق داخل حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، أطلقت ريما مع 13 سيدة مشروعًا للصناعات الخشبية حمل اسم “أكاجور” (نسبة إلى أحد أجود أنواع الخشب).
تخبرنا ريما، وهي موظفة في الشركة العامة للكهرباء وأم لأربعة أطفال، أن المشروع بدأ في شهر أيار عام 2025 بعد تدريب مهني استمر أربعة أشهر في مجال الصناعات الخشبية، دعمت التدريب منظمة مهتمة بالتمكين الاقتصادي للسيدات وقدمت لهنّ المعدات اللازمة للتشغيل مع نهاية التدريب. تقول: “لم يكن لدى معظمنا أي خبرة سابقة في النجارة. تعلمنا تشغيل الآلات والتعامل معها وأسس السلامة وطرق القياس والقص والتجميع، والتشكيل ثم استأجرنا هذا المحل وبدأنا العمل”.
على أحد الجدران تتكئ ألواح خشبية بأحجام مختلفة، بينما تصطف نماذج من الطاولات والإطارات والرفوف والخزانات التي أنتجتها الورشة في أماكن مخصصة. وفي زاوية أخرى تعمل سيدات على تجهيز طلبيات جديدة، تنتقل القطعة الواحدة بين أكثر من سيدة قبل أن تصبح جاهزة للتسليم.
“لم تكن البداية سهلة” تتذكر ريما الأيام الأولى بعد افتتاح الورشة وتضيف أن فكرة عمل نساء في مهنة النجارة أثارت استغراب بعض السكان خاصة مع ارتباط المهنة في نظر كثيرين بالرجال. تستعيد موقفًا واجهنه في بداية المشروع قائلة: “بعدما استأجرنا المحل ومددنا الكهرباء والماء على حسابنا الخاص، جاء رجل من الحي وقال لنا باستغراب: فتحتوا محل نجارة تقوده نساء؟ نحنا لا نتقبل هذا الشيء”.
لكن تلك المواقف لم تستمر طويلاً. تواصلت السيدات مع مختار الحي الذي قدم لهن الدعم، ومع استمرار العمل وفتح أبواب الورشة يومياً، بدأت نظرة المحيطين بهن تتغير تدريجياً. وتقول ريما: “الجيران صاروا يتقبلوننا ويشجعوننا، وحتى الأطفال صاروا يزورون الورشة ويطلبون ألعاباً خشبية نصنعها لهم”.
ومع تراجع التحفظات الاجتماعية، برزت تحديات أخرى فرضتها طبيعة العمل نفسه. فالآلات التي تستخدمها السيدات يومياً لم تَخلُ من الأعطال المتكررة، كما احتاج تأمين الأخشاب والمواد الأولية إلى جهد إضافي في بعض الفترات. وتوضح ريما أن أعضاء الفريق تعلمن مع الوقت التعامل مع هذه المشكلات، بما في ذلك إجراء بعض أعمال الصيانة الأساسية للمعدات ومتابعة احتياجات الإنتاج.
ولا تقتصر مسؤولية السيدات على تشغيل الآلات وتنفيذ الطلبيات، بل يشاركن أيضاً في إدارة شؤون الورشة. توضح ريما أن الفريق يعتمد نظاماً داخلياً ينظم العمل بين أعضائه، فيما تُوزَّع بعض المسؤوليات الإدارية من خلال انتخابات دورية تجري بين السيدات أنفسهن. وتشمل هذه المهام متابعة الإنتاج والطلبيات والتسويق والإشراف على سير العمل اليومي.
تتولى موانا كيخيا، حالياً رئاسة الفريق. تراجع سجل الطلبيات وتتابع توزيع المهام بين العاملات. موانا، أم لثلاثة أطفال وموظفة في الشركة العامة لاستصلاح الأراضي بحلب، تقول: “في بداية التدريب لم نكن نعرف بعضنا البعض، لكن العمل اليومي جعلنا فريقاً واحداً. البعض منا تتابع التسويق، وأخريات يعملن على الآلات أو يتولين متابعة الطلبيات والتواصل مع الزبائن”.
بحسب كيخيا، تتراوح أعمار السيدات بين 26 عامًا و 61 عاماً، منهنّ الأميات اللواتي لا يعرفن القراءة والكتابة، ومنهّن الخريجات الجامعيات والموظفات، وجميعهن ربات منازل. ولا تقتصر الأعمال داخل الورشة على التصنيع الخشبي فقط. فبعض المنتجات تخرج مزينة بتفاصيل يدوية تنفذها العاملات وفق مهارات اكتسبنها قبل المشروع.
تستخدم ثناء واعظ، وهي مدرسة متقاعدة، خبرتها في التطريز بالأشرطة لتزيين بعض القطع الخشبية. توضح ثناء كيف أدخلن لمسات “الهاند ميد” من الكروشيه والتريكو والرسم والحفر على الزجاج إلى القطع الخشبية المصنوعة بأيديهنّ، فأضفن عليها، كما تقول “لمسات خاصة”. تتحدث وتشير إلى صندوق خشبي مزيّن بزخارف يدوية قبل أن يوضع ضمن المنتجات الجاهزة للبيع. وتقول: “تعلمت العمل على الآلات خلال التدريب، وأصبحت أشارك في مختلف مراحل التصنيع، كما أضيف بعض الأعمال اليدوية التي أجيدها”.
في الجهة المقابلة تتابع ناهد عثمان حالة المعدات الكهربائية المستخدمة وماكينات القطع والصقل واللصق يومياً داخل الورشة. مهمتها الأساسية التأكد من سلامة الآلات وجاهزيتها للعمل.
ومع نهاية ساعات الدوام، تكون مجموعة جديدة من القطع الخشبية قد أصبحت جاهزة للخروج من الورشة. تحمل كل قطعة أثراً واضحاً لعمل جماعي بدأ بدورة تدريبية وانتهى بمشروع تديره 14 سيدة يتقاسمن المسؤوليات والطلبيات وأدوات المهنة داخل مساحة واحدة.
ورغم انتظام العمل داخل الورشة، ما تزال التجربة في مراحلها الأولى من الناحية الاقتصادية. توضح عضوات الفريق أن حجم الإنتاج ما يزال محدوداً، إذ تتلقى الورشة طلباً أو طلبين شهرياً في المتوسط، فيما تقدّر قيمة كل قطعة بحسب طبيعتها التي تنفذ على ذوق الزبائن.
وتشير السيدات إلى أن الإيرادات الحالية لا تكفي لتأمين دخل ثابت لأعضاء الفريق، في ظل النفقات المترتبة على استئجار المحل وفواتير الكهرباء وصيانة المعدات عند تعرضها للأعطال. ولتغطية هذه الالتزامات، أنشأت عضوات المشروع صندوق ادخار منذ مرحلة التدريب، تساهم فيه كل سيدة بمبلغ 50 ألف ليرة شهرياً (أقل من 5 دولارات)، مع إمكانية زيادة المساهمة عند الحاجة. ويستخدم الصندوق في تغطية المصاريف التشغيلية وتأمين استمرارية العمل داخل الورشة.
وتلفت العاملات إلى أن المواد الخشبية والآلات الأساسية قُدمت لهن ضمن برنامج الدعم الذي سبق إطلاق المشروع، بينما تتولى الورشة تأمين بعض المستلزمات الإضافية المرتبطة بالطلبات، مثل الدهانات والإكسسوارات وبعض مواد التشطيب.
لم يعد صوت المناشير يثير استغراب أهالي الحي كما في البداية، بل أصبح جزءاً من المشهد اليومي في الشارع. وخلف ذلك الصوت، تواصل السيدات عملهن بين القص والتجميع والتشطيب، فيما تغادر طلبيات جديدة الورشة إلى أصحابها.
