اتجهت نساء معيلات لأسرهن في مدينة حلب نحو مشاريع صغيرة منها المنزلية ومنها أعمال خارج المنزل في ورش عمل محدودة لتأمين مصدر دخل وسط ظروف معيشية سيئة، وتنوعت المشاريع المنزلية بين الطهي وتحضير المونة و التطريز اليدوي والعمل برش الخرز وصنع إكسسورات زينة للألبسة وديكورات منزلية، وشملت أيضاً الخياطة وإعادة التدوير وغيرها من المهن التي تلجأ إليها النساء في منازلهن.
الشابة العشرينية زهرة، واحدة منهن، تعرف في حي سيف الدولة بحلب بالشيف زهرة، أكملت مشروعها المنزلي بالطهي وإعداد وجبات الطعام بعد عودتها من تركيا إلى حلب منذ أشهر. هناك، حاولت خلال فترة لجوئها إشغال نفسها وملء وقت فراغها بتعلم وإتقان الطبخ الحلبي، وفيما بعد حولت هوايتها إلى مهنة ومشروع منزلي تصفه اليوم بـ “المشروع الناجح”.
تقول زهرة بعد تجربتها إن المشاريع المنزلية تحتاج صبراً وجهداً مضاعفاً والاعتماد على أنشطة غير ربحية في البداية بهدف التعريف بالمشروع وكسب ثقة الزبائن. فيما يتجه أصحاب مشاريع مماثلة إلى وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لمنتجاتهن وتسويق عملهن عبر استخدام صور ومقاطع فيديو بحرفية عالية لجذب الانتباه وتوسيع دائرة الانتشار.
اعتمدت زهرة في تسويق مشروعها على توسيع شبكة معارفها، من خلال تنظيم رحلات نسائية إلى المزارع والبحر، إضافة إلى المشاركة في حفلات أعياد الميلاد، وهي أنشطة لا تحقق ربحاً مباشراً بقدر ما تتيح فرصة للتعريف بمشروعها.
في حلب، لم تحقق زهرة نسبة الربح التي حصلت عليها في تركيا، تقول “هامش الربح هنا أقل بكثير، ومع ذلك مستمرة في العمل فهدفي الأساسي هو الانتشار مع هامش ربح بسيط”.
بعيداً عن التوابل والطهي، حولت غدير الخلف، البالغة من العمر 33 عاماً، ركناً صغيراً من منزلها في حي الأشرفية إلى ورشة عمل متواضعة، قوامها الخيط والإبرة وأقمشة الريبان، لصنع الورد وخصصت جزءاً من عملها اليدوي لصناعة الشمع المعطر.
تقول إن قسوة الظروف المعيشية دفعها للبحث عن مصدر دخل يعين أسرتها، وقبل عامين بدأت بمشروع صناعة الورد بهامش ربح قليل، لكنه وفق قولها “أفضل من البقاء بلا عمل”، ويتراوح ربحها من الوردة الواحدة بين 1200 إلى 2200 ليرة سورية، يستغرق صنعها نحو ربع ساعة، ما يتيح لها إنتاج ما يقارب 300 وردة أسبوعياً. تعرضها على محلات السوق بسعر الجملة، فيما تباع بسعر يتراوح من 5 آلاف إلى 12 ألف.
تلجأ النساء لمثل هذه الأعمال رغم قلة الربح مقابل الجهد المبذول بسبب ضعف الدعم الكافي من قبل الجهات المعنية أو مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في حلب، والتي بررت ذلك بأنها تقوم بجمع بيانات عن النساء المعيلات وأرباب الأسر من ذوي الإعاقة بهدف ربطهم بفرص عمل ومشاريع صغيرة مستدامة، وتقديم إحالات للمنظمات المعنية بشؤون المرأة.
وأضافت إنها تعمل على التشبيك مع المنظمات غير الحكومية عبر دائرتي الخدمات الاجتماعية والمشاريع، لدعم النساء ولا سيما المعيلات، من خلال مشاريع صغيرة تتيح لهن العمل من داخل المنزل أو خارجه، إلى جانب برامج تدريب مهني وحرفي تشمل الخياطة والتطريز والأعمال اليدوية والصناعات الغذائية المنزلية، وصولًا إلى مشاريع زراعية بسيطة في الريف مثل تربية الأغنام.
لم تكن هذه المشاريع من نصيب أم بلال، وهي سيدة في الثلاثينات من عمرها، تقيم في حي القاطرجي بمدينة حلب، والتي اختارت العمل اليدوي كوسيلة لإعالة نفسها وابنها في ظل محدودية فرص العمل المتاحة. تقول إن هدفها هو تأمين لقمة عيشها بتعب يديها، مشيرةً إلى أن خبرتها تتركز في الطبخ وتحضير أصناف المونة وتنظيف المنزل.
ومنذ نحو عام تعمل أم بلال في تجهيز وجبات الطعام مثل لف ورق العنب وتحضير أقراص الكبة و حفر الكوسا، مقابل أجرة تتراوح بين 25 و40 ألف ليرة سورية يومياً، وقد ترتفع حسب الكمية المطلوبة ومع مرور الوقت اتجهت أيضاً نحو العمل في تنظيف المنازل. توضح أنها بدأت بمساعدة جاراتها ومعارفها مقابل أجور بسيطة، قبل أن يتوسع نطاق عملها وتصبح معروفة بين النساء في الحي اللواتي بدأن يطلبن خدماتها بشكل متكرر.
لا تتقاضَ أم بلال أجراً ثابتاً لقاء عملها في التنظيف، وغالباً ما تحصل على 100 ألف ليرة سورية لأعمال التنظيف البسيطة، و150 ألف ليرة عند تنظيف الجدران والأرضيات. ورغم اعتمادها على هذه الأعمال لتأمين مصدر دخلها تعترف أن هذه الأعمال تتعب جسدها وتتطلب جهداً كبيراً، ولا تدري إن كانت قادرة على الاستمرار فيه لسنوات طويلة.
كذلك دفعت الظروف المعيشية القاسية، سارة البالغة من العمر 33 عاماً، إلى امتهان أعمالٍ يدوية متعبة، إذ وجدت نفسها مضطرة للعمل في منزلها كحل وحيد لإعالة أطفالها بعد عودتها من تركيا إلى حلب.
تعمل سارة في رش حبات الخرز وتركيب إكسسوارات الزينة على قطع الملابس، مقابل أجرة 300 ليرة للقطعة الصغيرة وضعف المبلغ للقطعة الأكبر حجماً. وتوضح أنها تحتاج إلى نحو ثماني ساعات من العمل المتواصل لإنجاز 50 قطعة، لتحصل في النهاية على 15 ألف ليرة للقطع الصغيرة و30 ألف للكبيرة، وهي مبالغ تقول إنها بالكاد تكفي شراء ربطتي خبز واثنين كيلو غرام من البطاطا.
بحثت سارة بعد عودتها من تركيا عن فرصة عمل مختلفة، مؤكدة أنها المعيلة الوحيدة لأطفالها ولا تملك خيار البقاء دون عمل، وتشير إلى أنها عملت لفترة قصيرة في الترجمة من اللغة التركية مقابل 20 دولاراً في الساعة إلا أن هذا العمل بقي محدوداً جداً، ولم يتجاوز في بعض الأشهر ساعة واحدة فقط، وأمام هذه الخيارات تجد نفسها مجبرة على العمل بتزيين الملابس كحل مؤقت إلى أن تعثر على فرصة عمل أفضل تؤمّن احتياجات أسرتها.
عشرات النساء في مدينة حلب مثل حال سارة، يعملن في تزيين الألبسة بحبات الخرز واللؤلؤ والألماس الصناعي، يقول أبو صطيف، صاحب ورشة ألبسة في حي المواصلات، إن ورشته تعتمد بشكل أساسي على جهود النساء، وتوفر لهن فرص عمل داخل منازلهن، موضحاً أن الورشة ترسل يومياً ما يقارب ألف قطعة إلى 15 عاملة، تختلف أجورهن حسب حجم القطعة وتعقيدها، وتبدأ من 200 ليرة سورية وقد تصل إلى ألف ليرة للقطعة الواحدة.
رغم أن القانون السوري يؤكد مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة بين العمال أو العاملات، ويحظر أي شكل من أشكال التمييز بينهما على أساس الجنس أو الحالة الاجتماعية أو غيرها من الاعتبارات، ويشمل ذلك عمال الخدمة المنزلية ومن في حكمهم، إلا أن النساء اللواتي قابلناهن أكدن أن معظم المهن المنزلية التي يعملن بها لا تخلُ من استغلالهن من ناحية الأجور والوقت والجهد المبذول، إذ تصبح القوانين بحالتهن خارج التفعيل.
مثل سارة وأم بلال، تجد أم محمد، من سكان حي الأشرفية، نفسها مضطرة لتشارك زوجها في إعالة أسرتها شتاءً بسبب توقف عمله في أحد معامل صنع المثلجات، تقول”أتولى مهمة تفسيخ الفستق واللوز من داخل منزلي مقابل أجر يقدمه صاحب المعمل”. تتقاضى أم محمد 15 ألف ليرة عن كل كيلوغرام من الفستق والذي يستغرق “فسخه” نحو ثلاث ساعات، بينما يحتاج اللوز وقتاً أطول بعد نقعه وتجفيفه ليصبح طريًا وأسهل في العمل.
لاتعرف أم محمد وكثير من النساء العاملات في منازلهن يوم عطلة، إذ تواصل العمل حتى في يوم الجمعة لإنهاء الكمية المخصصة لها في الأسبوع والتي تصل إلى نحو 15 كيلوغراماً من الفستق واللوز أسبوعياً. تقول إن هذا الدخل يتيح لها تلبية بعض الاحتياجات الأساسية لأطفالها، مثل شراء معطف أو كنزة، مؤكدة أنها تقبل بأي عمل إضافي يتوفر لها من المنزل أو بالقرب منه.
رغم كبر سنها، تعتمد الحاجة الستينية أم زكور، من سكان حي الميدان في حلب، على عملها في تحضير أصناف المونة لتأمين مصدر رزق لها وثمن أدويتها الشهرية، فمنذ عامين تستقبل طلبات منزلية مثل حفر الكوسا والباذنجان وتقطيع الفاصولياء، مقابل أجر يصل إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية عن كل كيلوغرام، موضحة أن إنهاء تحضير كيلوغرام من الخضار يستغرق نحو ربع ساعة، مع حاجة الباذنجان لوقت أطول قليلاً.
تقول إنها تستقبل فقط طلبات منزلية، ولا تتعامل مع المحال التجارية، مشيرةً إلى أن الجيران هم من شجعوها على هذا العمل بعد أن ضاقت بها الظروف المعيشية، خاصة مع حاجتها المستمرة لتأمين ثمن الدواء.
على الجانب الآخر نجحت الشابة يمنى سيد علي، من حي شيخ أبو بكر، في تحويل العمل المنزلي إلى مشروع خاص، بعدما أسست قبل ثلاثة أعوام مشروعاً لصناعة منتجات الإيبوكسي، وتشمل لوحات فنية وساعات وهدايا وأرضيات ثلاثية الأبعاد.
تعلّمت يمنى المهنة خلال إقامتها في مصر، ثم عادت إلى سوريا وبدأت بتسويق أعمالها عبر الإنترنت، إلى جانب عرضها على محال تجارية داخل حلب، قبل أن يتوسع عملها ليشمل مدناً ومحافظات أخرى. تقول إن مشروعها احتاج قرابة عامٍ ليأخذ شكله الحالي، و الدافع الأساسي هو شغفها بالفن.
وتشير إلى أن تكلفة المشروع مرتفعة، بسبب غلاء المواد الأولية مثل الإيبوكسي والخشب والألوان. لكنه يحقق هامش ربح يصل إلى 40 بالمئة، وتحتاج أصغر قطعة إلى ثلاثة أيام لإنجازها صيفاً، وخمسة أيام شتاءً، فيما قد تستغرق القطع الكبيرة نحو عشرة أيام.
تعكس تجارب النساء اللواتي قابلناهن واقعاً معقداً لخلق فرص عمل مستدامة وتحويلها إلى وسيلة للبقاء، منها ما قد ينجح ويستمر، ومنها ما قد يتوقف عند أول خسارةٍ، وفي كل الحالات تواصل النساء المحاولة، مستندات إلى الصبر والعمل اليومي. وهنا، تبقى المشاريع الصغيرة رهينة غياب الدعم الحقيقي، وارتفاع التكاليف، وضعف القدرة الشرائية.
