فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

نساء في حلب يتجهن إلى العمل في قطاع الطاقة الشمسية

محمد ريحاوي

في حلب، لا تقتصر الطاقة الشمسية على تزويد المنازل بالكهرباء.. بل تبدأ معها حكايات جديدة لنساء يتعلمن، ويخطون أولى خطواتهنّ في مهنة لم تكن يومًا ضمن مسارهن، لكنها اليوم تفتح أمامهن طريقًا مختلفًا تمامًا

على سطح أحد المنازل في حلب، تقف ليندا خفة (45 عامًا) ممسكةً بمفك صغير، تتنقل عيناها بين أسلاك متشابكة داخل صندوق التوصيلات ترفع بصرها نحو ألواح الطاقة الشمسية المثبتة على السطح، ثم تعود لتفحص جهاز “الإنفرتر” قبل أن تضغط زر التشغيل.

بعد لحظات، يضيء المؤشر معلنًا بدء عمل المنظومة. هذه اللحظة تختصر مسارًا جديدًا في حياتها لم يكن مخططًا له من قبل، فالأم التي توقفت عن التعليم عند المرحلة الإعدادية وجدت في تركيب الطاقة الشمسية مهنة جديدة تعيل بها أسرتها، بينما تخوض، إلى جانب نساء أخريات، تجربة اقتحام قطاع ظل لسنوات يُنظر إليه على أنه حكر على الرجال. تقول: “أردت أن أتعلم مهنة توفر لي مصدر رزق وتساعدني على إعالة أسرتي”.

مع توسع استخدام أنظمة الطاقة الشمسية في حلب بدأت نساء تلتحقن ببرامج تدريب عملي يؤهلهن لدخول هذا القطاع، متنقلات بين قاعات التدريب وورش العمل ومواقع التركيب. في هذا المكان تتحول المعرفة النظرية إلى مهارات عملية في التعامل مع الألواح الشمسية وأجهزة القياس وأنظمة التشغيل.

داخل القاعات التي أتاحها معهد شرق المتوسط للدراسات والتدريب في مدينة حلب، بدأت السيدات أولى خطواتهن العملية في اكتساب مهارات تركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية. بحسب مشاركات التقيناهنّ، لم يقتصر التدريب على تلقي المحاضرات النظرية، بل ركّز على تحويل المعرفة إلى تطبيق ميداني مباشر، شمل التعامل مع المعدات، وبرمجة الأجهزة مثل “الإنفرتر“، وفهم آليات التشغيل، مما منحهن الثقة والجاهزية الفنية اللازمة لدخول سوق العمل وبدء مسيرتهن المهنية بثبات.

تقف علياء حميد (23 عامًا) طالبة في السنة الرابعة في الهندسة التقنية، أمام لوحة توصيل كهربائية تراجع خطواتها قبل تشغيل النظام، ثم تبدأ المؤشرات بالعمل تدريجيًّا بعد نجاح التجربة. اهتمام علياء بمجال الطاقة الشمسية بدأ من خلال دراستها للمقررات الجامعية المتعلقة بالطاقة، إلا أن الجانب العملي كان محدودًا، ما دفعها إلى الالتحاق بهذا التدريب المتخصص لاكتساب الخبرة الميدانية.

وأضافت أن التدريب مكّنها من تحويل المعرفة النظرية إلى تطبيق عملي، موضحة أن البدايات كانت صعبة، تقول: “في الجامعة تعلّمت الأساسيات، لكن التدريب هو ما جعلني أفهم كيف تعمل المنظومات على أرض الواقع، في البداية كان كل شيء جديدًا وصعبًا لكن مع التكرار بدأت أشعر أنني أكتسب مهارة حقيقية”.

تطمح علياء بعد التخرج إلى التخصص في مجال الطاقة الشمسية والعمل به، لما يوفره من فرص مهنية واعدة وحاجة متزايدة في سوق العمل. وتؤكد على أن المرأة قادرة على إثبات كفاءتها في المهن التقنية متى أتيحت لها فرصة التدريب واكتساب الخبرة العملية، وأن النجاح في هذا المجال يعتمد على المهارة والالتزام أكثر من أي اعتبارات أخرى.

وفي ورشة أخرى تعمل بيان مدراتي، خريجة هندسة الطاقة، على فحص جهاز إنفرتر وإعادة تشغيله بدقة قبل التأكد من استقرار النظام، وتقول: “التخصص الجامعي أعطاني أساسًا علميًّا، لكن التدريب الميداني هو ما ربطني بسوق العمل فعليًّا، والجمع بين الدراسة والخبرة هو ما يمنح الخريج قدرة حقيقية على العمل بثقة”.

ترى بيان أن الفرص متاحة أمام النساء في المهن التقنية، لكنها تصبح أكبر وأسهل لمن يمتلك خلفية علمية في هذا المجال، مثل خريجي هندسة الطاقة أو الاختصاصات ذات الصلة، إذ يسهم ذلك في تسهيل فهم الجوانب الفنية وتسريع اكتساب المهارات العملية.

وأضافت أن التدريب منحها خبرة مهنية مميزة عززت سيرتها الذاتية، وأكسبتها أفضلية مقارنة ببعض الخريجين الذين لم تتح لهم فرصة التدريب العملي، مؤكدة أن الجمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة الميدانية يعد من أهم عوامل النجاح في سوق العمل.

وعلى مسافة غير بعيدة تجلس هدى حلاق أمام حاسوب محمول تراجع تصاميم لمنظومات طاقة شمسية بينما تتابع اتصالات العملاء وتفاصيل التنفيذ الميداني. تقول: “بدأت بدافع الشغف ثم اكتشفت أن المجال يمنح فرصة لبناء عمل خاص، واليوم أشرف على التصميم والتنفيذ والمتابعة الفنية”، إذ تسعى اليوم إلى تأسيس مشروعها الخاص في تصميم وتنفيذ منظومات الطاقة الشمسية، تشرف على مختلف جوانبه، بدءًا من الإدارة ووصولًا إلى المتابعة الفنية.

تقول: “هذا القطاع يشهد طلبًا متزايدًا في سوق العمل، ويتيح تقديم حلول عملية تعتمد على التقنيات النظيفة، الأمر الذي شجعني على الاستمرار والتطور فيه”. وأشارت إلى أن طبيعة عملها تتنوع بين التواصل مع الزبائن، وإجراء الفحوصات الفنية، وبرمجة الأجهزة، والإشراف على عمليات التركيب، إلى جانب تقديم الاستشارات المتعلقة بمنظومات الطاقة الشمسية.

فرصة حضور التدريب المتخصص مكّن هدى من اكتساب المهارات الفنية والإدارية اللازمة، لذلك تعتبره نقطة الانطلاق الحقيقية في مسيرتها المهنية، إذ أسهم في ترسيخ خبرتها وتعزيز قدرتها على إدارة مشروعها. تخبرنا هدى أن عملها في هذا المجال منحها استقلالًا ماديًّا ودخلًا جيدًا، إلى جانب توسيع شبكة علاقاتها الاجتماعية والمهنية.

واستذكرت أول مهمة نفذتها، والتي تمثلت في إعادة برمجة جهاز “الإنفرتر” لصالح أحد الزبائن، ووصفتها بأنها كانت تجربة حملت قدرًا كبيرًا من المسؤولية، وأسهمت في تعزيز ثقتها بنفسها. وترى هدى أن المرأة قادرة على النجاح في قطاع الطاقة الشمسية متى امتلكت الثقة والإرادة، رغم التحديات التي قد تفرضها بعض النظرات المجتمعية التقليدية. وختمت حديثها بالتأكيد على أن أكثر ما يمنحها شعورًا بالإنجاز هو رؤية نتائج ساعات العمل تتحول إلى حل عملي ومستدام يستفيد منه الآخرون، معتبرة أن تجربتها تمثل معنى حقيقيًّا للتمكين على المستويين المهني والشخصي.

يتطلب فحص جهاز “الإنفرتر”، أو تتبع عطل في التمديدات الكهربائية، دخول الفني إلى غرف المنزل أو الصعود إلى سطحه، وهي تفاصيل قد تبدو اعتيادية في أعمال الصيانة، لكنها تحمل حساسية خاصة لدى بعض الأسر، ولا سيما عندما تكون المرأة وحدها في المنزل. في مثل هذه المواقف، لا ترتبط الخدمة بالكفاءة الفنية فحسب، بل أيضًا بالشعور بالراحة والخصوصية.

أم عادل، مطلقة تبلغ من العمر 45 عامًا، تقول: “وجود سيدات متخصصات في تركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية أصبح أمرًا مهمًا لكثير من الأسر. أحيانًا تكون المرأة وحدها في المنزل، أو تكون أرملة أو مطلقة، وتشعر براحة أكبر عندما تتعامل مع فنية عوضاً عن فنيّ أثناء الكشف عن الأعطال أو أعمال التركيب والصيانة”.

وتضيف أن الاعتماد المتزايد على الطاقة الشمسية جعل الحاجة إلى هذه الخدمات أكثر حضورًا في الحياة اليومية، مؤكدة أن وجود كوادر نسائية مؤهلة يسهّل الحصول على الخدمة ويمنح كثيرًا من النساء شعورًا أكبر بالثقة والخصوصية، إلى جانب أنه يفتح أمامهن فرصًا جديدة للعمل والاستقلال الاقتصادي.

مع ازدياد عدد الألواح التي تغطي أسطح المنازل في حلب، لا يتوسع حضور الطاقة الشمسية وحده، بل تتسع أيضًا الحاجة إلى كوادر تمتلك المهارة اللازمة للعمل في هذا القطاع. يقول المهندس محمد نور الزعبي، الخبير في مجال الطاقة الشمسية، إن هذا القطاع لم يعد يقتصر على تركيب الألواح، بل أصبح يعتمد على سلسلة من المهارات تبدأ بتصميم المنظومات وتمرّ بالتركيب والبرمجة، وصولًا إلى الصيانة وتشخيص الأعطال وفق معايير السلامة.

ويضيف: “التوسع الكبير في سوق الطاقة الشمسية خلق حاجة حقيقية إلى كوادر مؤهلة، وأصبح تدريب العاملين ضرورة”. ولا يقتصر هذا الاحتياج، بحسب الزعبي، على الرجال، إذ يرى أن النساء أصبحن جزءًا من معادلة سوق العمل بعد أن أثبتت المتدربات قدرتهنّ على اكتساب المهارات التقنية والعمل بكفاءة في الجانبين النظري والتطبيقي. ويتابع: “وجود المرأة يوسّع قاعدة الكفاءات، ويمنح بعض الأسر خيار الاستعانة بفنيات متخصصات في أعمال التركيب والصيانة داخل المنازل، وهو ما يضيف قيمة حقيقية لهذا القطاع”.

ويؤكد أن الاستثمار في تدريب النساء لا يقتصر على تمكينهن مهنيًّا، بل يسهم أيضًا في بناء سوق عمل أكثر تنوعًا وقدرة على تلبية الطلب المتزايد على أنظمة الطاقة الشمسية. ويختتم بقوله: “كلما ارتبط التدريب العملي باحتياجات السوق، ازدادت فرص المتدربات في الحصول على وظائف أو إطلاق مشاريعهن الخاصة، وهو ما ينعكس إيجابًا على المجتمع والاقتصاد”.

في أحد المنازل تقف مريم صاري (39 عامًا) إلى جانب صاحبة المنزل تفحص نظام الطاقة الشمسية وتشرح طريقة متابعة عمله بعد التشغيل، وتقول: “أردت أن أتمكن من إنجاز العمل بنفسي دون الاعتماد على أحد وأن أقدم خدمة مريحة للنساء داخل منازلهن”.

اختيارها لهذا المجال جاء انطلاقًا من “مسؤولياتها الأسرية ورغبتها في الاعتماد على نفسها حتى تتمكن من إنجاز أعمال الصيانة والتركيب دون الحاجة إلى الاستعانة بآخرين، إلى جانب توفير خدمة للنساء اللواتي قد يفضلن التعامل مع فنية داخل منازلهن”، حسب وصفها.

تعتبر مريم أن فرص النساء في المهن التقنية أصبحت اليوم أكبر من السابق، مع تزايد الحاجة إلى الكفاءات وتنامي حضور المرأة في مختلف القطاعات المهنية. هذه التجربة عززت ثقة مريم بنفسها، وتتمنى أن تكون مصدر إلهام لأبنائها، وأن تثبت أن المرأة قادرة على النجاح في أي مهنة متى امتلكت الإرادة والعزيمة.

ورغم التحديات التي واجهتها السيدات في سوق العمل، إلا أن الدعم الأسري كان القاسم المشترك والركيزة الأساسية لاستمرارهن. وتؤكد علياء وبيان أن أسرتيهما كانتا الداعم الأول لهما منذ البداية، خاصة وأن التدريب يرتبط بتخصصهما الأكاديمي. وفي المقابل، كان تردد بعض العائلات في البداية نابعًا فقط من الخوف عليهنّ من الجهد الفيزيائي للمهنة وحمل المعدات، وسرعان ما تحول إلى تشجيع كبير.

تقول ليندا “أفراد عائلتي سرعان ما تحولوا إلى داعمين لي بعدما لمسوا إصراري ورغبتي على النجاح”، وهو ما أكدته أيضًا هدى التي حظيت بدعم عائلتها كدافع إضافي لتأسيس مشروعها.

أما التحدي الحقيقي، فكان خارج المنزل متمثلًا في النظرة المجتمعية السائدة وسوق العمل. توضح مهندسة الطاقة بيان أن “العمل الميداني لا يزال يُنظر إليه على أنه مهنة رجالية، كما أن بعض العاملين في القطاع اعتبروا دخول النساء منافسة جديدة لهم”. وامتد هذا التحدي إلى صعوبة كسب ثقة المستهلك في البدايات. تشير علياء إلى أن “بعض الزبائن يترددون في تقبّل عمل المرأة بتركيب وصيانة الأنظمة”.

تجاوز هذه العقبات المجتمعية تطلّب من السيدات تركيزًا مضاعفًا على إثبات الكفاءة الفنية على أرض الواقع، إذ تعتبر مريم أن نجاحها في تشغيل أول منظومة طاقة شمسية ركبتها بنفسها كان الخطوة الفاصلة لكسر الصورة النمطية، ملخصة تجربتها بكلمة “القوة”.

وبين هذه التجارب المختلفة تتقاطع الحكايات عند التدريب بوصفه نقطة التحول الأساسية التي تنقل المشاركات من المعرفة إلى الممارسة، ومن التعلم إلى سوق العمل، في سياق يتوسع فيه حضور الطاقة الشمسية في حلب بوصفه مجالًا مهنيًّا متناميًا يفتح فرصًا جديدة أمام من يمتلك القدرة على التعلم والتجربة والاستمرار، ومع تزايد هذا التوسع تتشكل ملامح واقع مهني جديد تتداخل فيه الحاجة الاقتصادية مع التحول التقني، وتجد فيه نساء من خلفيات متعددة مساحة لإعادة بناء مساراتهن المهنية بهدوء وثبات.