فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

النزوح الثقيل على كبار السن في سوريا

فريق التحرير

أعداد كبيرة من كبار السن النازحين يتمنون في كل يوم لو أنهم ما خرجوا من قراهم، يعيدون تلك الكلمات مراراً في كل يوم، وهو ما يخالف النظرة السائدة السابقة بأن المتقدمين في السن يظهرون حرصاً أكبر على الحياة من الشبان

تجلس أم محمد أمام منزلها في جبل الزاوية كعادتها في شتاءات قريتها الباردة، رصفت بعض الحجارة منذ زمن لا تذكره، إلا أنها كانت في “عز صباها” كما تقول لنا، وهيأتها لتكون مقعداً لها ولرفيقاتها اللواتي فقدتهن واحدة تلو أخرى، ما زاد حزن أم محمد نزوح كل البيوت المحيطة بها لتبقى وحيدة تعبث بغصن رمان يابس بين يدها وهي ترسم خطوطاً غير مفهومة وتدير ظهرها للشمس الخجولة التي خففت من البرد الذي ينخر عظامها.

لساعات لم يمر أي شخص من أمامها، تخبرنا أم محمد، إلا أن بعض الشبان ما زالوا في القرية التي خلت من سكانها هرباً من المعارك، ويمرون بها للاطمئنان عن صحتها وتلبية بعض حاجياتها القليلة، يكفي أن تنظر في وجوههم لتعرف عائلاتهم، تقول إن تلك “ميزة لا يوفرها لها النزوح خارج بيتها، فالخيام تخفي ملامح الأشخاص”.

لا تعيب أم محمد على النازحين خروجهم، تقول إن بقية من حياة ما زالت تنتظرهم، أما عن بقائها فتقول إن اقتلاعها من بيتها يشبه الموت، وتحرك يديها في إشارة مفهومة، ما الفرق؟

يمثل الأطفال وكبار السن المأساة الأكبر في التغطيات الإعلامية لواقع الحال في مناطق المعارضة، أملاً بحصد تعاطف أكبر أو تأثير دولي يوقف ما يتعرضون له من انتهاكات، خاصة مع ظروف النزوح وقلة موارد الدعم والمناخ القاسي في المناطق التي نزحوا إليها، يضاف إلى ذلك الارتباط الأكبر بين كبار السن وقراهم وبيوتهم التي لم يغادرها كثر منهم طيلة حياتهم، وامتزجت بذاكرتهم حتى باتت بحق جذورهم التي لا يستطيعون العيش بعيداً عنها، ناهيك عن الحساسية المفرطة للشعور بالعجز الذي يرافقهم خلال كل رحلة، تقول أم محمد معتمدة على دعاء دائم تردده “الله لا يتقل فينا أرض ولا يشمت فينا عبد”.

يترك الإحساس بالعجز هذا أثره السلبي في صفوف أبنائهم، يقولون إن تأمين مكان مقبول لآبائهم وأطفالهم هو كل ما يشغل بالهم، وهو ما يدخل في صلب خياراتهم وقراراتهم، يعيش بعضهم شعوراً كبيراً بالذنب لضيق الحال وانعدام فرص تأمين مأوى مجهز بأدنى الاحتياجات، وهو ما يدفعهم لتجنب النظر في وجوه آبائهم، أو الوقوف في وجه قرارهم بالبقاء الذي آثرته أم محمد، يقول أحد أبنائها الذي يعيش في تركيا إنه حاول تأمين منزل لخروجها من القرية ولكنه ومع غلاء الأسعار فشل في ذلك، تجيبنا والدته حتى لو فعل ما كنت لأخرج.

أعداد كبيرة من كبار السن النازحين يتمنون في كل يوم لو أنهم ما خرجوا من قراهم، يعيدون تلك الكلمات مراراً في كل يوم، وهو ما يخالف النظرة السائدة السابقة بأن المتقدمين في السن يظهرون حرصاً أكبر على الحياة من الشبان، يقول الطبيب النفسي أحمد الخالد إن الحرص على الحياة يقتضي في الوقت نفسه امتلاك القرار، فمعظم الوافدين بظروفهم الحالية يشعرون بـ “الإهانة” من جهة البحث عن لقمة العيش والمأوى حتى لو لم تكن موجودة، وإنما يقرؤونها ويلتقطونها من أحاديث الأبناء وقهرهم وحجم الضغوطات عليهم، يضاف إلى ذلك حالة العجز عن تقديم العون، خاصة وأن مركزية العائلة في الأرياف السورية تكون غالباً متمثلة بكبار السن، ناهيك عن الضياع الذي يشهده السكان بمجملهم عن شكل الأيام القادمة واستباحة الخصوصية في الخيام المتلاصقة والمرافق الجماعية.

لا يمكن مناقشة القرارات بقبول النزوح أو رفضه في مثل هذا الوقت، لكل خيار أسبابه ومبرراته، ففي الوقت الذي شاهدنا فيه عشرات كبار السن وهم يودعون بمشاهد مؤثرة منازلهم، آثر عدد منهم البقاء فيها أياً كانت الاحتمالات، تقول أم محمد إنها لن تغادر مكانها تاركة غصة في قلوب من يعرفها، وفي شعور مركون في العمق فرحاً بأمهات وآباء، ليس مبرراً، يعززون قيم الصمود والكرامة في نفوس أبنائهم.

“ليث” الدفاع المدني في سراقب

 محمود البكور

شكل السادس عشر من تشرين الثاني ٢٠١١ يوماً مفصلياً في حياة ليث “الزوج والأب لخمسة أطفال”، يومها كانت المظلات تتساقط من السماء نحو المدينة، لم يكن السكان قد ألفوا ما يحدث قبل أن يدوي صوت انفجار هائل في سراقب، كانت المرة الأولى التي تستهدف فيها سراقب بالصواريخ المظلية، منازل كثيرة سويت بالأرض، أصوات هائلة وكميات من الردم والشظايا غطت الحي الذي تسكنه عائلته، عند وصوله إلى المكان كانت معالم المنزل المهدم قد تغيرت وتحول إلى حجارة متناثرة، والداه يمشيان فوق الأنقاض طمعاً في النجاة، قبل أن يصرخ قلب أمه باسم شقيقه الوحيد الصغير محمد، ساعات أمضاها ليث وهو ينقل الركام باحثاً عن أخيه يحفر بيديه العاريتين، وعند وصوله إليه وقبل وصوله إلى المشفى كان على ليث أن يشهد موت شقيقه الذي يحتضنه.

نقطة الدفاع المدني التي استحدثت في بنش بريف إدلب كانت المحطة الجديدة التي وفد إليها متطوعو مركز الدفاع المدني في سراقب، حاملين معهم ذكرياتهم عن مدينتهم المحتلة وآلاف الصور المختزنة عن تفاصيل ما عاشوه خلال سنوات الثورة، عن حجارة تهدمت ورفاق فارقوا الحياة، وبين هذا وذاك لحظات من الفرح بإنقاذ شخص، يسترقون السمع لهمس نفسٍ قبل أن تبدأ أيديهم برفع الأنقاض علّهم يهبون الحياة لها من جديد، لتحفر في عقولهم مشاهد لا يمكن نسيانها أطّرت حياتهم اليومية ووسمتها بخوذهم البيضاء.

لم تكن صدفة أن يختار “ليث” مدير مركز سراقب للدفاع المدني تغيير حياته الهادئة بين رفوف الأدوية، التي عمل بها لتسعة عشر عاماً، ليصبح أحد الناشطين والمسعفين ثم المتطوعين في الدفاع المدني منذ بداية الحراك الثوري في مدينته سراقب، هي اللحظات التي يمكن أن تختارك بدل أن تفسح لك المكان لاختيارها، اللحظات التي تجد فيها حياتك محكومة بالجدوى كي تكمل طريقك دون أن تلتفت إلى الخلف، وتشكل ذلك اليقين الذي لا يمكن لأحد أو ظرف أن ينال منه، فالعنوان اليوم أن تكمل ثورتك والمهمة إنقاذ حياة.

بين فريق “الهواة” لكرة القدم وعمله في الصيدلية كان يقسم ليث العبد الله، وهو من مواليد ١٩٧٨، تفاصيل يومه، يتشارك مع عائلته محبة أبناء حيه ومدينته، لتدخل الثورة سراقب من أبوابها، وليصبح بعدها أحد الناشطين المدنيين في ركبها منذ نيسان ٢٠١١، يتظاهر مع الشبان ويوثق ما تقع عليه عينه.

يشكل السادس عشر من تشرين الثاني ٢٠١١ يوماً مفصلياً في حياة ليث “الزوج والأب لخمسة أطفال”، يومها كانت المظلات تتساقط من السماء نحو المدينة، لم يكن السكان قد ألفوا ما يحدث قبل أن يدوي صوت انفجار هائل في سراقب، كانت المرة الأولى التي تستهدف فيها سراقب بالصواريخ المظلية، منازل كثيرة سويت بالأرض، أصوات هائلة وكميات من الردم والشظايا غطت الحي الذي تسكنه عائلته، عند وصوله إلى المكان كانت معالم المنزل المهدم قد تغيرت وتحول إلى حجارة متناثرة، والداه يمشيان فوق الأنقاض طمعاً في النجاة، قبل أن يصرخ قلب أمه باسم شقيقه الوحيد الصغير محمد، ساعات أمضاها ليث وهو ينقل الركام باحثاً عن أخيه يحفر بيديه العاريتين، وعند وصوله إليه وقبل وصوله إلى المشفى كان على ليث أن يشهد موت شقيقه الذي يحتضنه.

قتل محمد وتحول الحي إلى ذاكرة، البيوت وملاعب الطفولة والمدرسة، وعلى بعد أمتار كان ليث ورفاقه يهيئون لإنشاء أول منظومة إسعافية في سراقب، أطلقوا عليها اسم “عماد الوطني”، وعماد الذي قتلته قوات الأسد لاحقاً كان أول المسعفين في سراقب، يصطلح الأهالي إطلاق لقب “شهيد الإنسانية” عليه، إذ وهب نفسه منذ اللحظة الأولى لإسعاف أبناء مدينته في شاحنة “السوزوكي” التي يملكها، يتنقل برغم ظروفه المادية السيئة بين الأحياء ويلاحق المصابين لينقلهم إلى المشافي بحب، في الطريق كان يحث الجميع على المضي قدماً في ثورتهم التي كان دائم التغني بها، هي ثورة ضد الظلم والقتل وهم أصحاب حق بالحياة، رمزية الاسم دفعت ليث ورفاقه للسير على خطاه.

انضم ليث إلى فريق الدفاع المدني منذ تأسيس مركزه الأول في سراقب بتاريخ ١/٩/٢٠١٤، ضمن الفريق الإعلامي، إلا أنه كان دائماً من أوائل المشاركين في عمليات الإنقاذ والإخلاء، سواء في سراقب أو القرى والبلدات المحيطة بها، وتلبية النداءات عند كل استهداف وقصف.

ليست المخاطر اليومية والتي قد تتسبب بالموت وحدها ما يذكره ليث، بل يملك ذاكرة من السرديات والقصص التي عاشها الفريق والسكان ترافقه طيلة حياته، إلا أن أقساها وأجملها ما حدث في بلدة تل مرديخ يوم استهدفت في التاسع من كانون الأول الماضي، كانت الطفلة إسلام حسن الهبرة عالقة تحت الأنقاض، صوت صراخها تطلب المساعدة كان يطغى على المكان، وكانت طائرات الاستطلاع تحوم فوق مكان الاستهداف ما يزيد احتمالية قصف المكان من جديد، لم يكن هنالك وقت للمناقشة، اختار ليث ومن معه البدء باستخراج الطفلة من تحت الأنقاض رغم كل شيء، على بعد أمتار من إسلام كانت والدتها تحت الأنقاض وفرق أخرى تحاول الحديث معها لتحديد مكانها، صوت الأم كان يصل إلى مسامع إسلام وليث الذي استطاع تحرير واحدة من قدميها، قبل أن تنقل الأجهزة اللاسلكية ضرورة الاحتماء من تنفيذ جديد للطيران في المكان ذاته، يتلفت ليث حوله لاتخاذ قرار مصيري بالبقاء، سقط الصاروخ على بعد عشرة أمتار، نجت إسلام ووالدها واثنان من أخوتها، وفقدت صوت أمها التي قتلت رفقة ستة من أبنائها إلى الأبد، يروي ليث أن “إنقاذ شخص على قيد الحياة من تحت الأنقاض، كان الدافع الأهم الذي يحملنا على الاستمرار”.

بقي ليث في سراقب حتى النهاية، يقوم ورفاقه بتأدية عملهم، يقول الأهالي إنه “ليثنا” ومصدر فخر وحياة لأبناء المدينة، كيفما التفتنا كنا نجده وفي أقسى الظروف وأحلكها، بثياب مغبرة ويدين مدميتين، يحاول إنقاذ ما يستطيع إنقاذه دون كلل أو تعب. يكمل ليث اليوم ما اختاره في مدينة أخرى بعد احتلال سراقب، ليبقى ورفاقه من الخوذ البيضاء أنموذجاً مضيئاً في الثورة السورية ورمزاً من رموزها.

محمود البكور

 

وأخيراً حنّ علينا “والي جنديرس”

وبالبحث عن ملكية الأرض التي أقيم عليها مخيم الملا خليل (غرب جنديرس) وجدنا أنها تعود لواحد من رجالات النظام السابقين كان يشغل منصب الأمين القطري المساعد لحزب البعث “زهير مشارقة” وتقدر مساحتها بأربعة عشر هكتاراً، يقول بعض من التقيناهم “لا نعرف فعلياً سبب منعنا من الدخول إلى المخيم، الديموغرافيا أم حماية أملاك مشارقة!”.

في منّة من “والي جنديرس” بمنطقة عفرين ووفقاً لتعليمات صادرة من “سيادته” سُمح للوافدين من أرياف حلب وإدلب بإنشاء مخيمات صغيرة، وتوزيع بعض الخيام عليهم، كخطوة اعتبرها البعض ضرورية إلا أنها متأخرة، لسان حالهم يقول “أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً”.

وباعتبار جنديرس واحدة من الوجهات الرئيسية للوافدين إلى منطقة عفرين، والذين بلغ عددهم ما يزيد عن ثمانين ألفاً حتى العاشر من شباط الحالي بحسب منسقو الاستجابة، مع تضاعف هذه الأعداد خلال الأيام الماضية بحسب سكان المنطقة، تحولت أشجار الزيتون ومحيط جنديرس إلى مأوى تنعدم فيه مقومات الحياة والخدمات والمرافق العامة، بعد قرار منظمة الآفاد التركية منع إنشاء مخيمات في عفرين.

تقول أم محمد وهي وافدة إلى جنديرس من أسبوعين إنها تعيش في خيمة واحدة رفقة خمس عائلات أخرى، وتحصي أعداد المتواجدين في الأمتار القليلة التي تظلهم ولا تحميهم من برودة الطقس بأربع وعشرين شخصاً، ما دفعهم لصناعة خيام من “الحرامات” بعد أن أعجزتهم الحيلة في تأمين مأوى أو خيمة نظراً لارتفاع أسعار الإيجارات والخيام إن وجدت.

وما إن صدرت الأوامر من الوالي حتى توجه رجالات المجلس المحلي ومنظمة آفاد التركية بجولات تفقدية على سكان العراء، وتفقد الأماكن المناسبة لإنشاء تكتلات صغيرة أفرحت من حظي بمباركتهم وتشريفهم، علهم يحظون بشيء من الحياة داخل خيمة.

وما زالت كل طلبات إنشاء المخيمات تواجه بالرفض من قبل الآفاد التي كانت قد أغلقت نهاية الصيف الماضي واحداً من المخيمات العشوائية في دير بلوط، لتبدأ اليوم بخطوات متسارعة إعادة تجهيزه لاستقبال عدد من العائلات، ليتساءل الناشطون من أبناء المنطقة عن سبب رفض السماح للعائلات بالإقامة في مخيم “الملا خليل” القريب من الشريط الحدودي بالرغم من الحملات التي تبناها الناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي والظروف القاسية التي يعيشها السكان.

ويقول فادي شباط (وهو ناشط وصحفي من الذين شاركوا في هذه الحملات) إنهم وجهوا العديد من النداءات لتفعيل المخيم المنشأ سابقاً، والذي يحيط به سور حديدي ويتضمن خزانات للمياه وأرضية مفروشة بالبحص، لاستيعاب الوافدين الذين يحتاجون لما يزيد عن خمسة وعشرين مخيماً لاحتوائهم بحسب تقديره، إلا أن هذه الدعوات قوبلت بالرفض، كذلك فشلت محاولة توجيه الناس للدخول إلى مخيم الملا خليل لعلم الناس بقرار الرفض القاطع من آفاد ومنعها لعدد من العائلات الذين وصلوا إلى المخيم من دخوله.

يبرر بعض من التقيناهم رفض آفاد فتح مخيمات كبيرة في المنطقة باتفاق بين الحكومة التركية والأمم المتحدة يقضي بعدم استقبال النازحين في منطقة عفرين، بحجة الحفاظ على الخريطة الديموغرافية للمدينة كونها منطقة ذات أغلبية كردية، ويقول شباط إننا جميعاً سوريون وفي ظروف كالتي يعيشها الوافدون لا يمكن التفكير بالديموغرافيا قبل أن تصل القوى الفاعلة والأمم المتحدة إلى حل سياسي يضمن عودة النازحين إلى بيوتهم، أو تأمين مكان آمن لهم على الأقل.

وبالبحث عن ملكية الأرض التي أقيم عليها مخيم الملا خليل (غرب جنديرس) وجدنا أنها تعود لواحد من رجالات النظام السابقين كان يشغل منصب الأمين القطري المساعد لحزب البعث “زهير مشارقة” وتقدر مساحتها بأربعة عشر هكتاراً، يقول بعض من التقيناهم “لا نعرف فعلياً سبب منعنا من الدخول إلى المخيم، الديموغرافيا أم حماية أملاك مشارقة!”.

تحاول بعض المنظمات الإنسانية والفعاليات المدنية التخفيف من حدة آثار التهجير على العائلات الوافدة ببذل ما يمكن تقديمه لهم من مساعدات عينية وإغاثية، وتجهيز بعض مراكز الإيواء، إلا أن جميع جهودهم تكاد تكون بلا أثر أمام الأعداد والاحتياجات الكبيرة وضعف استجابة المنظمات الكبرى، وتجاهل العالم لمصير ما يزيد عن مليون ونصف المليون شخص هجروا خلال الحملة العسكرية الأخيرة التي تشنها قوات الأسد وحلفاؤها على إدلب وأرياف حلب منذ نحو تسعة أشهر.

في النهاية علينا أن نوجه الشكر ونرفع أسمى آيات الحب والتقدير لوالي جنديرس على المنة التي شملنا بها عطفه، ومراعاته للديموغرافيا الكردية في المنطقة التي يحكمها أصدقاؤهم من الحكومة التركية.

 

أسئلة الأطفال القاتلة

منيرة بالوش

أصطلح مع طفليَ تسمية “أطفال الثلج” للصور التي نشاهدها عن معاناة الأطفال في المخيمات خلال الظروف المناخية القاسية التي يعيشونها، أحاول التخفيف من حدة المشهد باسم يرتبط في الذاكرة بأشياء جميلة في ذاكرتي، إلا أن ذلك ينهار أمام تساؤلاتهم التي لا تنتهي عن أطفال يموتون من البرد، يسألني صغيري عن إيمان الطفلة التي قضت بين يدي والدها برداً في واحد من المخيمات والتي تسكن صورتها مخيلتي وعقل طفليَ “كيف ماتت؟”، أحاول أن لا أكذب “من البرد”، سؤال آخر “ما عندون صوبة”، مجدداً أقول الحقيقة “لا ما في”، أقطع الطريق عن أسئلة جديدة ستجبرني على قول الحقيقة، أحكي لهم عن السبب وراء كل هذا، أحصرها بشخصية واحدة أبدأ بشتمها ويفعلان مثلي، دون أن أستطيع إيقافهم بالحديث عن “الكلام البذيء”، و “أسس التربية”.

أفرزت مشاهد الحرب السورية أسئلة جديدة للأطفال نقف عاجزين أمامها، نحاول اختيار الأجوبة ونحن نخفي تأثرنا، قبل أن نبدأ أحياناً بالبكاء، ما يزيد الأمر تعقيداً دون التفكير فيما ستتركه ردود أفعالنا وإجاباتنا على نفسية أطفالنا وبنائهم العقلي، تاركين الدفة للزمن علَه يفلح في ترميم شخصياتهم وإصلاح ما عجزنا عن فعله.

أصطلح مع طفليَ تسمية “أطفال الثلج” للصور التي نشاهدها عن معاناة الأطفال في المخيمات خلال الظروف المناخية القاسية التي يعيشونها، أحاول التخفيف من حدة المشهد باسم يرتبط في الذاكرة بأشياء جميلة في ذاكرتي، إلا أن ذلك ينهار أمام تساؤلاتهم التي لا تنتهي عن أطفال يموتون من البرد، يسألني صغيري عن إيمان الطفلة التي قضت بين يدي والدها برداً في واحد من المخيمات والتي تسكن صورتها مخيلتي وعقل طفليَ “كيف ماتت؟”، أحاول أن لا أكذب “من البرد”، سؤال آخر “ما عندون صوبة”، مجدداً أقول الحقيقة “لا ما في”، أقطع الطريق عن أسئلة جديدة ستجبرني على قول الحقيقة، أحكي لهم عن السبب وراء كل هذا، أحصرها بشخصية واحدة أبدأ بشتمها ويفعلان مثلي، دون أن أستطيع إيقافهم بالحديث عن “الكلام البذيء”، و “أسس التربية”.

أرتاح لدقائق أشعر فيها بتوقفهما عن لعبة الصراحة تلك، باتوا يعرفون غريمهم جيداً، لا آبه لما سيحدث بعدها وهل فعلاً ما أقوم به هو الصواب، مطلقاً أشعر بأني أقترف ذنباً بحقهم إلا أن الانفصال عن الواقع في هذه الأيام يحتاج لأشياء لا يمكن تأمينها، بيت دافئ، مدرسة، ملعب أطفال، هدايا تشجيعية، كهرباء، وقبل كل ذلك عدم التعلق بشاشة الهاتف المحمول وغرف الأخبار والقبضة اللاسلكية.

أحاول الابتعاد عن أطفال الثلج بالحديث عن دمشق التي هجرنا منها منذ سنوات، أريهم صوراً لجدهم وجدتهم وأخبرهم عن أطنان من الحب والقبل والحكايا سترافقهما عند رؤيتهم، يسألني طفلي “ليش تركنا الشام وتركناهم”، قبل أن أجيب وكأنه سؤال العارف يعيد علي أسئلة قبل النوم “ليش عم تقصفنا الطيارة؟”، “هل سننزح إلى عفرين؟”، “لايمت المدرسة بدها تضل مسكرة”، وقبل أن يسمح لي بالرد يعيد السؤال المقصلة “ليش ماتت البنت الي بالصورة؟”

يبدو أن الحقيقة لم تعد مطلب الصغار، وفشلت المدارس التربوية التي تحدثت عن وجوب مصارحة الأطفال بما يدور حولهم، ما نفع ما أقوم به إذن؟ أتساءل وأنا أعرف أن إجابتي عن السؤال لن ترضيني أنا الأخرى، أمام الصور التي يراها الأطفال في كل دقيقة، وصوت الطائرات التي اعتادوها مع كثير من الخوف، و “زمور” الإنذار التي ينخر رأسي ويشل حركتي وأنا أرى طفلي يتوجهان نحو زاوية الغرفة التي اصطلحنا أنها “آمنة”، لا أعرف من فعل ذلك ولكنا نمارسه يومياً في محاولة لخلق فسحة أمل واهمة إلا أنها ضرورية، لا يمكن أن نبقى في مكاننا دون رد فعل، حتى وإن كان “لا يقي من عظم ما سيحدث”.

يميز الأطفال اليوم بين صوت الطائرة الحربية والمروحية، ويختلفون حول صوت القذائف، منذ أيام وأنا أركض نحو زاوية الأمان بعد صوت شديد ضحك طفلي على سذاجتي، أخبراني أنه صوت الرعد قبل أن أبدأ بنوبة ضحك وبكاء في آن معاً.

استرق السمع على حوارات تدور بينهما، يبدآن بالحديث عن وصول قوات النظام بالقرب من مدينة إدلب حيث نسكن، يعرجان على نزوح خالهما نحو عفرين، ويحفظان أسماء القرى والبلدات واتجاهاتها، ينقلان ما شاهداه وسمعاه عبر هاتفي الجوال، يحللان الدور التركي والفصائل وروسيا ونظام الأسد وأمريكا، ثم ينظران نحوي علَى أخرجهما من الحيرة أو أرجح كفة رأي أحدهما، دون جدوى، فأنا الغائبة اليوم عن المشهد أبحث عن طريقة لا تجبرني على نزوح عاشر، وأستعير لأجلها كل الدعاء والصلوات والأمنيات.

تتوقف الحياة في المدينة، لا مدارس تشغل عمر الطفولة وتلهيهم عن ما يحدث حولهم، لا زيارات عائلية تخفف من وطأة الأيام الطويلة، يضاف إلى ذلك النزوح وما سببه بابتعاد الأطفال عن أصدقائهم، طفلي الذي ارتاح لفكرة عدم ذهابه للمدرسة بدأ بالتململ ما دفعني لاصطحابه إلى السوق، في الشارع لفت نظري عدد الأطفال الباحثين عن المساعدة، شدني طفلي من يدي يريد أن يفلتها وهو يشير إلى أحد أصدقائه، غيرت طريقي كيلا نمر من أمامه فيشعر بالحرج، وأنا أنتظر سؤالاً مقصلة آخر، “ماما ليش عبيشحد”، كذبت وأنا أخبره أنه لا يفعل، هو فقط يمر في الشارع ليلهو مع أقرانه، صمت طفلي ومسحت دمعتي وأنا أتهيأ لأسئلة كثيرة قادمة لن تفلح معها المواربة.

منيرة بالوش 

 

“الزربة” عتبة حلب الأخيرة

ليست الطريق تلك هدفاً استراتيجياً سيمر من خلاله النهوض الاقتصادي كما يحلل الخبراء والكتاب، هي ليست أيضاً استعادة لطريق الحرير والتجارة، ذلك زمن مضى منذ قرون، بل هي إمعان في تحطيم ما تبقى من ذاكرتنا، لا مكان اليوم للطرق المستقيمة في الوصول إلى وجهتنا، علينا أن نلتف على الحياة نفسها كي ننزح من جديد، كذلك أن ننسى على أعتاب حلب ما حلمنا به يوماً، بعد أن باتت القرى التي لا يذكرها سوى أصحابها وبعض الحالمين ممن فرضت عليهم الحياة وجودهم فيها حديث الأخبار ووسائل الإعلام، لن يطول سوى أيام قبل أن تهمل من جديد.

انتشرت صباح اليوم صوراً لما قيل إنه لعنصر من قوات النجباء العراقية يرفع علماً على مسجد العيس بريف حلب الجنوبي، على المسجد نفسه كانت صورة لقاسم سليماني أيضاً، ومنذ نحو سنتين تحولت مدينة الحاضر إلى مقر للميليشيات الإيرانية، كذلك سد شغيدلة ومعظم قرى الريف الجنوبي، لتخسر المعارضة السورية خلال الأيام الماضية ما تبقى منها، باستثناء جيب صغير يضم ناحية الزربة والبرقوم وإيكاردا.

ارتباطي بـ الزربة بدأ منذ بداية العام ٢٠٠٠، وقتها كانت الناحية التي يصب فيها سكان القرى المجاورة لشراء حاجياتهم وللعلاج أيضاً، كذلك للتوجه إلى مدينة حلب، كانت تضم مستوصفاً وثلاثة أطباء وصيدليتان، وشارع رئيسي تتوزع على طرفيه محلات تجارية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ومطعم يقدم الفول والحمص وبعض أنواع الصندويش، وفي كل يوم سبت “بازار” يعتبره السكان فرصة لهم لشراء حاجياتهم من باعة البسطات الجوالين، كل ذلك كان ينتهي في الساعة الثالثة عصراً، لتنغلق الناحية على نفسها من جديد، بعيداً عن خارطة الحياة والضجة، ويتحول شارعها الرئيسي إلى مكان شبه مهجور يخترق صمته صوت شاحنة أو دراجة نارية هنا أو هناك.

في الطريق بين سوق الناحية وأوتوستراد حلب تحتاج لأحلام يقظة طويلة وما تسعفك به الذاكرة من أغنيات لتمضية الوقت، وتحتاج أيضاً إلى كمامة تضعها على أنفك للتخفيف من رائحة مداجن الدجاج المنتشرة في المكان، الرائحة المؤذية التي ستعتادها بعد أيام من ارتياد المكان.

على الطريق الدولي ينتظر المتأخرون مثلي سيارة عابرة تقلهم إلى حلب، قد يطول الأمر لساعات قبل أن يتوقف أحد السرافيس الذي تخلى عن واحداً من ركابه في الطريق، أو واحداً من البولمانات القادمة من أريحا، غالباً ما يكون “الأمير” والذي فقد جزء من ركابه بعد المنافسة التي شهدتها المدينة بدخول بولمانات “البكري” وسيارات “آمنة”، ومؤخراً سيارات الشبح والتي يطلق عليها “البكري”.

حين يسعفك الحظ بالجلوس بجانب النافذة ترافقك أراض زراعية شاسعة، وأشجار حراجية غالباً ما تكون السرو قد مالت بفعل الرياح لتتناسق بعيداً عن رسم “المنظور” درس الرسم الوحيد الذي يجيد المدرسون تعليمه للطلبة، فالأمر لا يحتاج أكثر من نقطة في الأفق تتسع تدريجياً لتضم في منتصفها شارعاً وعلى طرفيه الأشجار التي يزيد حجمها كلما ابتعدنا عن النقطة الأولى.

كانت الزربة وقبلها الإيكاردا الممتدة على أراض ملونة بين الأحمر والأخضر والأصفر، تبعاً للمواسم التي يجري الباحثون الزراعيون دراساتهم عليها، تعني أن تهيئ نفسك للدخول إلى حلب أو الخروج منها في الاتجاهين، تعني أن تستيقظ من رحلتك الطويلة من دمشق، لتبدأ بـ “لملمة” أشيائك وترتيب شعرك، وتعني بالدرجة نفسها الاستسلام للنوم في رحلة الذهاب.

لم يخطر في بالي يوماً أن أبحث عن تسميتها بالزربة ولن أفعل اليوم، كل ما يدور في ذهني أن أتجاهل مصير الناحية وأبتعد بمخاوفي بعيداً عن سقوطها، الفكرة التي تسيطر علي أن بسقوطها سنخسر حلب مرة أخرى، ومعها سنفقد جزء آخر من ذاكرة المدينة لن نستطيع الوقوف عنده.

تخونني فكرة التسامح أو الأصح عدم الحقد على الذين سيرتادون الطريق من جديد، ويجهزون أنفسهم عند الزربة لدخول حلب أو الخروج منها وكأن شيئاً لم يكن، طرق لم تعرف الدماء والحرب، أشجار لم تقطع وتتحول إلى وقود للمدافئ في ظروف الحياة القاسية، فرح بحرية كانت قد ألقت بظلالها على طول الطريق الممتد حتى خان شيخون، حواجز كثيرة تحررت وأخرى نصبت، لافتات غيبت تفاصيلها الشمس والرصاص، والأهم من ذلك شهداء كثر قضوا لنعبر بحرية على الطريق.

ليست الطريق تلك هدفاً استراتيجياً سيمر من خلاله النهوض الاقتصادي كما يحلل الخبراء والكتاب، هي ليست أيضاً استعادة لطريق الحرير والتجارة، ذلك زمن مضى منذ قرون، بل هي إمعان في تحطيم ما تبقى من ذاكرتنا، لا مكان اليوم للطرق المستقيمة في الوصول إلى وجهتنا، علينا أن نلتف على الحياة نفسها كي ننزح من جديد، كذلك أن ننسى على أعتاب حلب ما حلمنا به يوماً، بعد أن باتت القرى التي لا يذكرها سوى أصحابها وبعض الحالمين ممن فرضت عليهم الحياة وجودهم فيها حديث الأخبار ووسائل الإعلام، لن يطول سوى أيام قبل أن تهمل من جديد.

الفارق الوحيد اليوم أن هذه القرى أخليت من سكانها المرتبطون بها، وهو ما سيحول حتى دون عودة شبه الحياة التي كانت تعيشها سابقاً، وتتحول إلى أراض خاوية سيفتقد المارة منها حتى رائحة المداجن.

 

 

أسوار سراقب بين المستحيل والممكن

 محمود البكور

وكانت الحكومة التركية قد أنشأت أربع نقاط مراقبة لتحيط بمدينة سراقب من كافة الاتجاهات، توزعت هذه النقاط من الجسر الشمالي للمدينة وهي النقطة الأولى، إلى طريق أريحا سراقب عند معمل حميشو وهي النقطة الرابعة التي تم استهدافها، إضافة لنقطة في الحي الشرقي بالقرب من كازية الكناص، وأخرى في صوامع القمح على طريق حلب دمشق في قرية مرديخ.
السيطرة على مرديخ يعني أن النقطة التركية هناك باتت محاصرة، وقللت من التفاؤل برد عسكري تركي يوقف تقدم قوات الأسد وحلفائها، أو التعويل على هذه النقاط في منع سقوط المدينة، وهو ما دفع الكثير من أبناء المدينة للتوجه إلى الجبهات للدفاع عن بيوتهم وأراضيهم.

تكتسب مدينة سراقب أهميتها من كونها عقدة الربط بين الطريقين الدوليين M4 و M5 والتي تسعى قوات الأسد للسيطرة عليهما كهدف معلن منذ بداية الحملة الأخيرة على أرياف إدلب وحلب، وبسيطرة هذه القوات على قرية وتل مرديخ وبلدات جوباس والترنبة والنيرب خلال اليومين الماضيين باتت المدينة محاصرة من الجنوب وحتى الغرب، وسط تواجد لنقاط تركية تحيط بالمدينة من جهاتها الأربع، وصمود أبناء سراقب الذين رفضوا إخلاء المدينة وقرروا الدفاع عنها حتى الرمق الأخير.

سراقب منطقة عسكرية

أعلن المقاتلون المتواجدون في سراقب المدينة منطقة عسكرية يمنع دخول المدنيين إليها منذ يوم الأحد الماضي، حرصاً على سلامتهم وخوفاً من مجازر جديدة ترتكب بحقهم بعد القصف الكثيف الذي تتعرض له أحياؤها بمختلف أنواع الأسلحة.

وكان المجلس المحلي في المدينة قد وثق نزوح معظم السكان البالغ عددهم بحسب آخر إحصائية نحو ٦٥ ألف نسمة من أبناء سراقب و٢٠ ألف شخص من الوافدين إليها، إلى مناطق أكثر أمناً على الشريط الحدودي، ليبقى في المدينة بعض الشبان والمقاتلين الذين قرروا الدفاع عنها.

يقول من تحدثنا إليهم أن ملامح المدينة قد تغيرت، لم تعد تشاهد سوى الدمار والأنقاض الذي خلفته الغارات الجوية والقذائف المدفعية، توقفت الحياة العامة والأسواق والخدمات الطبية، بعضها قصف وخرج عن الخدمة وبعضها الآخر هجره أصحابه بعد نزوح السكان وانعدام القدرة على البقاء، الكهرباء قطعت كذلك الطعام، ولم يبقى في المدينة سوى شبكة انترنيت واحدة يمكن من خلالها التواصل مع المتواجدين في سراقب للاطمئنان عليهم ومعرفة أخبارهم.

الدفاع المدني ضحية للقصف في سراقب

تعرض مركز الدفاع المدني في سراقب لغارة جوية بشكل مباشر من قبل قوات النظام ما أدى لخروجه عن الخدمة، وإصابة سبعة متطوعين فيه بجروح متوسطة وخفيفة، يقول ليث مدير الدفاع المدني في المدينة “خلال تواجدنا في المدينة لتنفيذ خطة الطوارئ التي اتبعناها للاستجابة سمعنا عبر أجهزة اللاسلكي نداء استغاثة، كان صوت عمر أبو صطيف راصدنا الذي يعمل على رصد حركة الطيران لتنبيه المدنيين يطلب منا إنقاذه ومن معه من تحت الأنقاض”.

يكمل ليث إن المسافة بين فرق الإنقاذ والمركز كانت قريبة، إلا أنه شعر بطول المسافة قبل أن يصل ويعمل رفقة زملائه على إنقاذ المتطوعين، ليتوجهوا جميعهم إلى خارج المدينة، يقول إن اللحظات الأخيرة التي عاشوها في سراقب كانت مع رفاقهم الذين أخرجوهم من تحت الأنقاض، قبل أن تفرغ المدينة من خوذها البيضاء.

جغرافيا السيطرة

يظهر خط سير قوات النظام منذ أيام التقدم باتجاه مدينة سراقب مع تجنب الصدام المباشر داخلها وذلك بالالتفاف حولها ومحاصرتها كما حدث سابقاً في خان شيخون ومعرة النعمان، فبعد تقدم قوات النظام وسيطرتها على خان السبل وجوباس توجهت غرباً إلى قرية الترنبة، ومن ثم قطعت الطريق بين أريحا وسراقب بسيطرتها على قرية النيرب، لتفرض بذلك على سراقب طوقاً يمتد من الغرب إلى الجنوب.

ترافق ذلك التقدم البري مع عشرات الغارات الجوية على المدينة لإفراغها من سكانها، قبل سيطرتها يوم أمس على قرية وتل مرديخ، الحصن الدفاعي الأول للأحياء الجنوبية الشرقية من المدينة، وبذلك بات طريق الإمداد من تل الرمان وحتى مرديخ تحت سيطرة قوات الأسد التي لم يبقى أمامها سوى أراض زراعية مكشوفة تفصلها عن سراقب.

نقاط المراقبة التركية تحيط بسراقب

تصاعدت التصريحات التركية وبدا الخلاف عميقاً وواضحاً بين الحكومة التركية وروسيا حول ما يحدث في إدلب، خاصة بعد استهداف قوات النظام لنقطة مراقبة تركية وقتل ستة جنود فيها، إضافة لإصابة ثلاثة عشر عنصراً آخرين، وهو ما دفع القوات التركية المتواجدة في إدلب لقصف قوات النظام ومواقعه منذ يومين، وبالرغم من الإعلان عن قتل عشرات من قوات الأسد واستهداف مواقعه من قبل القوات التركية، إلا أن الأخيرة نفت ذلك، وتابعت حملتها العسكرية، بل زادت من وتيرة المعارك والقصف، فيما يبدو توجهاً روسياً بتحييد الأتراك وإضعاف ثقلهم السياسي والعسكري في المنطقة.

وكانت الحكومة التركية قد أنشأت أربع نقاط مراقبة لتحيط بمدينة سراقب من كافة الاتجاهات، توزعت هذه النقاط من الجسر الشمالي للمدينة وهي النقطة الأولى، إلى طريق أريحا سراقب عند معمل حميشو وهي النقطة الرابعة التي تم استهدافها، إضافة لنقطة في الحي الشرقي بالقرب من كازية الكناص، وأخرى في صوامع القمح على طريق حلب دمشق في قرية مرديخ.

السيطرة على مرديخ يعني أن النقطة التركية هناك باتت محاصرة، وقللت من التفاؤل برد عسكري تركي يوقف تقدم قوات الأسد وحلفائها، أو التعويل على هذه النقاط في منع سقوط المدينة، وهو ما دفع الكثير من أبناء المدينة للتوجه إلى الجبهات للدفاع عن بيوتهم وأراضيهم.

عودة إلى السلاح

معظم المقاتلين في سراقب اليوم هم من أبنائها الذين رفضوا مغادرتها، بعضهم يتبع لفصائل عسكرية وآخرون ممن عادوا لحمل السلاح مرة أخرى بعد سنوات من تركه. يقول أبو محمد (أحد أبناء سراقب المقاتلين) إنه لن يترك المدينة، هو مقاتل عسكري وسيدافع عنها حتى الرمق الأخير، شأنه بذلك شأن عشرات المقاتلين الآخرين.

ويخبرنا أبو محمد أن كثيراً من القادة والمقاتلين القدامى والذين تركوا العمل العسكري منذ زمن عادوا إلى جبهات القتال خلال الأيام الماضية، مؤكداً أنهم سيبذلون ما بوسعهم لصد أي هجوم على سراقب، أمهم التي لن يفارقوها كما يقول.

محمود البكور 

 

 

آفاد التركية في عفرين “لا بترحم ولا بتخلي حدا يرحم”

يقول أبو علي (صاحب محل لصناعة وبيع الخيام) إن عشرات العائلات تتوافد إلى محله في كل يوم بحثاً عن خيمة، وإنه وعماله يعملون في الليل والنهار لتلبية الطلبات المتزايدة لإيواء السكان والتخفيف من معاناتهم، ويبلغ سعر الخيمة الواحدة نحو (١٣٠ دولاراً) وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الوافدين، يخبرنا أبو علي أن كثيراً من الوافدين يعرضون ما استطاعوا حمله من أثاث منازلهم للبيع لشراء خيمة ينصبونها في العراء.

تمنع السلطات التركية المسيطر الفعلي على منطقة عفرين بناء مخيمات جديدة فيها لإيواء الوافدين من أرياف إدلب وحلب، كما تمنع المسؤولين عن المخيمات القديمة من استقبال الوافدين الجدد، ما دفعهم للجوء إلى الأراضي الزراعية وبناء خيام عشوائية فيها، أو السكن تحت أشجار الزيتون، يترافق ذلك مع شبه انعدام الاستجابة من قبل المنظمات والظروف المناخية القاسية.

وتعتبر منطقة عفرين وجهة رئيسية لكثير من السكان الباحثين عن مكان آمن على خلفية الحملة العسكرية لقوات النظام وحلفائها على أرياف إدلب وحلب، بعد أن ضاقت المناطق الحدودية (شمال إدلب) بالنازحين، إذ وثق منسقو استجابة سوريا نزوح ٢٧٠ ألف شخص خلال شهر كانون الثاني الماضي، سبقهم نحو ١١٨٢٧٧٢ شخصاً خلال العام ٢٠١٩.

تحاول مئات العائلات يومياً البحث عن مأوى في جنديرس (واحدة من بوابات العبور باتجاه عفرين)، يقول من التقيناهم إن تلك مهمة مستحيلة فلم يعد هناك بيوت للإيجار، حتى المنازل غير المجهزة تم استئجارها من قبل الوافدين الذين يقدر عددهم بالآلاف، ما دفع الأهالي لبناء الخيم العشوائية والسكن في غرف المزارعين (مع قلتها).

تركز بناء الخيام في محيط مدينتي عفرين وجنديرس على شكل تكتلات يتراوح عددها بين ثلاثة إلى عشرة خيام، يقول من التقيناهم إنه وفي كل يوم تظهر تجمعات جديدة لم تكن في اليوم السابق، خاصة على الطرقات الرئيسية والفرعية، أو داخل معاصر الزيتون والمساحات الفارغة داخل المدن، وغالباً ما تضم الخيمة أكثر من عائلة، وهو ما يؤكده أبو خالد (وافد من بلدة عينجارة بريف حلب الغربي) والذي قال إنه وسبع عائلات أخرى من البلدة يسكنون الآن في غرفتين بأحد البساتين، يصف حياتهم بـ “غير المناسبة والقاسية”، إلا أنه يفضلها عن السكن في خيمة خلال هذا الشتاء القارص.

من جهته يقول أبو علي (صاحب محل لصناعة وبيع الخيام) إن عشرات العائلات تتوافد إلى محله في كل يوم بحثاً عن خيمة، وإنه وعماله يعملون في الليل والنهار لتلبية الطلبات المتزايدة لإيواء السكان والتخفيف من معاناتهم، ويبلغ سعر الخيمة الواحدة نحو (١٣٠ دولاراً) وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الوافدين، يخبرنا أبو علي أن كثيراً من الوافدين يعرضون ما استطاعوا حمله من أثاث منازلهم للبيع لشراء خيمة ينصبونها في العراء.

بالقرب من دكان أبي علي تقف ثلاث شاحنات تضم ست عائلات مع الحاج أبي محمد الذي تظهر عليه علامات الإرهاق من طول الرحلة، يروي الحاج إنه خرج رفقة عائلته وعائلات أبنائه من ريف إدلب الجنوبي ودخلوا إلى منطقة عفرين بحثاً عن مأوى، إلا أنهم لم يوفقوا حتى اللحظة، يقول إنهم مروا بعدة مخيمات في الطريق لكنهم منعوا من دخولها، وهو يبحث الآن عن صاحب بستان يسمح لهم بنصب خيامهم في أرضه كيلا يبيتون في العراء.

تغيب المجالس المحلية عن أي استجابة طارئة، ويربط القائمون عليها موضوع المخيمات بمنظمة “آفاد التركية” التي ترفض إنشاء مخيمات جديدة، لدواع أمنية حسب ما أفادت به بعض المصادر، واقتصر دور الـ “آفاد” على توزيع ربطة من الخبز على بعض العائلات الوافدة والتي استقرت في محيط المدن والبلدات، في الوقت الذي تتفاقم فيه أزمة الوافدين الذين يخشون من إخراجهم من الأراضي الزراعية التي نصبوا فيها خيامهم من قبل أصحاب الأرض أو المجالس المحلية، إضافة للظروف الصحية والمعاشية السيئة التي تسببت بها ظروف النزوح مع تناقص درجات الحرارة وغياب الخدمات الإغاثية عن مكان تواجدهم.

وتشهد المنطقة حملات استجابة شعبية من قبل السكان لمساعدة الوافدين الجدد، إلا أنها خطوات فردية لا يمكن لها استيعاب الأعداد الكبيرة للوافدين وتلبية متطلباتهم، بحسب أبو تيم (أحد الناشطين في هذا المجال) والذي قال “لا يوجد منزل فارغ واحد في عفرين” مطالباً المؤسسات الحكومية والمنظمات بإيجاد حل لهم وبناء مخيمات جديدة لاستيعابهم.

ويكمل أبو تيم إن عدداً من العائلات قامت باستضافة بعض الوافدين في منازلهم لتجاوز صدمة النزوح الأولى، بعضهم استضاف أكثر من عائلة واحدة معتبرين ذلك واجباً أخلاقياً وإنسانياً يجب على الجميع المساهمة في تقديمه، واصفاً ما يحدث بـ “الحل المؤقت”، خاصة مع الظروف الاقتصادية التي يعيشها السكان وندرة المساعدات الإغاثية التي ستفاقم الأعباء على الوافدين والسكان معاً.

أبو بكر (صاحب واحدة من الصيدليات في المنطقة) قال إن الطقس البارد زاد من الأمراض التي يعاني منها الوافدون، خاصة الأطفال الذين يشتكون من نزلات البرد والتهاب القصبات، مؤكداً أن بعض الأشخاص قاموا بالتبرع بثمن أدوية للأطفال لتوزيعه مجاناً في بعض الأماكن، في الوقت الذي لا ينال فيه النازحون زي رعاية صحية في مناطق أخرى.

يجهل من التقيناهم سواء من سكان المنطقة أو الوافدين إليه سبب منع منظمة (آفاد) والسلطات التركية إنشاء مخيمات جديدة تضمهم، والتي من المحتمل في حال إنشائها أن تخدم من قبل بعض المنظمات الإنسانية والإغاثية، لسان حالهم يقول “ما بيرحموا ولا بيخلوا حدا يرحمنا”، ويتساءلون عن دور المجالس المحلية في الاستجابة لشكواهم، وهل بات السكن في المناطق السورية يحتاج لموافقة الحكومة التركية؟

لا “خان للفقراء” يؤوي الوافدين في إدلب

منيرة بالوش

بالقرب من الخان الذي اندثرت معالمه، والذي اكتسب اسمه من مهمته التي بني من أجلها، وهي استضافة الفقراء والوافدين ممن لا يملكون القدرة على دفع إيجار السكن في إدلب لليلة أو ليلتين مجاناً، تسكن أم وليد في منزل قديم له فسحة سماوية يتوسطها بئر قديم مغطى بحجر كبير، وفي صدر المنزل غرفة واسعة بسقف مقعر من الداخل على شكل قباب من الجبص الأبيض، تستخدمها أم وليد كمستودع، فهي على حد قولها كبيرة ومعتمة ولا تصلح للسكن، بينما تسكن السيدة وعائلتها في الغرفة الصغيرة المشمسة، يجاورها درج تآكلت حوافه مع الزمن يوصلك إلى غرفة صغيرة أخرى على السطح وتدعى بـ “العلية”، تقول أم وليد إنها كانت تستخدم كغرفة للأذان منذ زمن قديم، لها قبة حجرية وفي داخلها فتحات وبعض الأحجار الكبيرة التي هدمت مع الزمن

لم تكن أم وليد الوافدة إلى إدلب منذ سنتين تعرف اسم المكان الذي أوت إليه رفقة عائلتها، إلَا أن جاراتها من كبار السن أخبروها أنها تعيش في واحدة من زوايا الوقف بالقرب من خان الشحادين كما يطلق عليه أهالي المدينة أو خان الفقراء الذي بناه محمد باشا الكوبرلي الصدر الأعظم للدولة العثمانية (١٦٥٦-١٦٦١) في القرن السابع عشر، بعد أن نظم المدينة وفق مخطط عمراني اختاره بنفسه لتضم آنذاك الخانات والأسواق لكل صنعة، إضافة للبيوت السكنية.

زاوية الوقف التي تسكنها أم وليد بالقرن من خان الشحادين في إدلب
زاوية الوقف التي تسكنها أم وليد بالقرن من خان الشحادين في إدلب

بالقرب من الخان الذي اندثرت معالمه، والذي اكتسب اسمه من مهمته التي بني من أجلها، وهي استضافة الفقراء والوافدين ممن لا يملكون القدرة على دفع إيجار السكن في إدلب لليلة أو ليلتين مجاناً، تسكن أم وليد في منزل قديم له فسحة سماوية يتوسطها بئر قديم مغطى بحجر كبير. وفي صدر المنزل غرفة واسعة بسقف مقعر من الداخل على شكل قباب من الجبص الأبيض، تستخدمها أم وليد كمستودع، فهي على حد قولها كبيرة ومعتمة ولا تصلح للسكن.

غرفة القناطر في زاوية الوقف
غرفة القناطر في زاوية الوقف

بينما تسكن السيدة وعائلتها في الغرفة الصغيرة المشمسة، يجاورها درج تآكلت حوافه مع الزمن يوصلك إلى غرفة صغيرة أخرى على السطح وتدعى بـ “العلية”، تقول أم وليد إنها كانت تستخدم كغرفة للأذان منذ زمن قديم، لها قبة حجرية وفي داخلها فتحات وبعض الأحجار الكبيرة التي هدمت مع الزمن.

"العلية" التي كانت تستخدم كغرفة أذان في خان الشحادين
“العلية” التي كانت تستخدم كغرفة أذان في خان الشحادين

تخبرنا أم وليد أن جاراتها من كبيرات السن أخبرنها عن خان الشحادين، وكيف كان بيت من لا بيت له في المدينة، يعبره النزلاء والمسافرون قبل أن يهدم ويبنى عوضاً عنه أبنية طابقية، تقول إن الخانات لو وجدت لكانت ملاذاً اليوم لعشرات النازحين والمهجرين الذين يبحثون عن غرفة تؤويهم بدلاً من الخيام والعراء.

زاوية الوقف والجدار والقوس الذي بقي منها في خان الشحادين
زاوية الوقف والجدار والقوس الذي بقي منها في خان الشحادين

أبو أحمد (رجل سبعيني يملك دكاناً صغيراً بالقرن من خان الشحادين) قال إنه لم يشهد وجود الخان، وأنه سمع به من والده، إلا أن آثاره وبقاياه ما زالت حاضرة، وأشار بيده إلى فسحة صغيرة قال إن الأهالي يطلقون عليها “زاوية الوقف”، كان زوار الخان ونزلاؤه يصلون فيها ويستريحون من عناء السفر، لم يسلم من الزاوية سوى بعض الأحجار المتراكمة يعلوها قوس وحيد، فيما تنتشر الأتربة والحشائش وأكياس القمامة في الساحة المقابلة لها.

البناء الطابقي الذي بني مكان خان الشحادين في إدلب
البناء الطابقي الذي بني مكان خان الشحادين في إدلب

يرسم لنا أبو أحمد من “ذاكرته” الشكل الذي كان عليه الحي سابقاً، يقول إن “بناء من خمسة طوابق حلَ مكان الخان” يرشدنا إليه ويخبرنا أن بوابة الخان كانت تطل على حارة ضيقة توصلك إلى “التكية” ذات القنطرة العالية، كل ذلك لا تراه اليوم سوى في ذاكرة كبار السن.

القناطر الثلاث المتبقية من خان الشحادين في إدلب
القناطر الثلاث المتبقية من خان الشحادين في إدلب

في الساحة “التحتانية” شرق جامع الحجاز تنتصب ثلاث قناطر حجرية كانت لخان الشحادين أيضاً، قبل أن يقسم التوسع العمراني الخان إلى نصفين، تقول أم وليد إن هذه القناطر إضافة لجدار مهدم يقابل المكان الذي تسكن فيه في زاوية الوقف هو كل ما تبقى من معالم الخان القديمة.

بقايا بيوت مهدمة بالقرب من خان الشحادين في إدلب
بقايا بيوت مهدمة بالقرب من خان الشحادين في إدلب

في نهاية القناطر آثار مدمرة لواحد من المنازل القديمة ما تزال أحجاره المتراصة فوق بعضها البعض توحي بذلك، إضافة لجدار يضم نوافذ محدبة الشكل يقول أبو أحمد إنها لشخص من بيت “الصادق” وهي من العائلات القديمة التي سكنت الحي أضافة لعائلات البيطار والمزودة والقطيع..

بقايا منزل قديم في أخر خان الشحادين
بقايا منزل قديم في أخر خان الشحادين

يخبرنا أبو أحمد أيضاً أن مدينة إدلب كانت تضم ثلاث خانات، منها ما كان بطابقين كخان الرز الذي كان يضم نحو أربعين غرفة يقصده التجار والمسافرين من ميسوري الحال وخان أبو علي، إضافة لخان الشحادين الذي كان مقصد الفقراء وبعض المشردين من أبناء المدينة.

المنزل المتبقي في زاوية الوقف بالقرب من خان الشحادين
المنزل المتبقي في زاوية الوقف بالقرب من خان الشحادين

تدفع أم وليد إيجاراً رمزياً مقداره خمسة آلاف ليرة للأوقاف في المدينة كبدل لسكنها، إذ لم يعد في المدينة خانات تلملم ضعف الفقراء في المدينة، في الوقت الذي ارتفعت فيه الإيجارات إلى حدود يصعب معها الحصول على منزل، إن وجد، في ظل نزوح مئات الآلاف من أرياف إدلب وحلب إلى المدينة.