فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مخيمات منسيّة

مخيمات منسيّة

في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة جرابلس، وعلى أرض يحيط بها سور لا يتجاوز ارتفاعه “متراً واحداً”، ملأ الغبار الخيام الكبيرة المتناثرة بشكل عشوائي ليزيد مع ارتفاع درجات الحرارة معاناة أكثر من ثلاثين عائلة قادمة من مدينة حلب، بعد أن منعتهم الظروف المعيشية الصعبة وغياب فرص العمل الحصول على مأوى، يقيهم وأطفالهم درجات الحراة المرتفعة والغبار صيفاً وبرودة الطقس شتاء.

بالقرب من مياه المجرور الآسنة التي تغطي جزء كبيراً من أرض المخيم، تاركة أمراضها ورائحتها السيئة، لتملأ أجساد الأطفال بالأمراض وأنوفهم بالرائحة الكريهة، نصبت “أم اليتامى” كما وصفت نفسها، خيمتها التي تعيش فيها مع أطفالها الثمانية، بعد أن قتل زوجها في معارك الثورة ، واستشهد بكرها وطفلتها ذات العشر سنوات أثناء حصار مدينة حلب، لتخرج بمن تبقى من أطفالها الصغار عبر مناطق نظام الأسد إلى مدينة عفرين التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، ثم إلى مدينة اعزاز، ليستقر بها المقام أخيراً في خيمة لا “تقيها برد الشتاء وحرارة الصيف” على حد قولها.

 صورة من داخل أحد المخيمات العشوائية في ريف حلب – تصوير: ابراهيم حسن.

 

المرأة التي حملت السلاح في صفوف الثورة لحماية أطفالها، بعد أن تحول بيتها في حي المرجة إلى خط جبهة مع قرية عزيزة، تجد نفسها الآن وحيدة بعد أن تخلت عنها الفصائل العسكرية، التي كان زوجها يقاتل في صفوفها وقتل برصاص قناص في حي الشيخ سعيد نهاية عام 2012، ليخلف لها إرثاً كبيراً من الأطفال أربعة ذكور وخمس فتيات، أكبرهم في سن الخامسة عشر، لتُنسى كمعظم عائلات الشهداء “مالنا معيل غير الله، وما شفنا حدا جبلنا شي، ولا حدا عطانا راتب، ولادي كبروا وصاروا مع الثوار، واحد استشهد والتاني تصاوب، والباقي صغار” تقول أم اليتامى التي تحدثت عن أيام الحصار في حلب “كنا ننقع المعكرونة لحتى تطرى ونعجنا، ونجيب صاج نحط أكياس نايلون تحتو وأخبز للولاد خبز لياكلوا، لا مي ولا كهربا ولا مساعدات، جينا لهون فكرنا الوضع أفضل، بس يا حيف”.

في نهاية 2016 تركت زوجة الشهيد علي الحمود ذات ال 43 عاماً منزلها في حي المرجة بعد دخول قوات الأسد إلى المنطقة وتوجهت نحو بستان القصر، لتفقد طفلتها “عشر سنوات”، بعد أن استهدف المكان الذي تسكنه برميلاً متفجراً، في فناء أحد المساجد، حفرت أم اليتامى مع بعض الأهالي قبر طفلتها لتتركها هناك، وتبدأ رحلتها للوصول إلى الريف الشمالي ” دخلنا من معابر النظام أنا وولادي الصغار، الكبار طلعوا مع الباصات، والتقينا باعزاز، وبعدين جينا على المخيم لهون”.

يتبع المخيم للمجلس المحلي في مدينة جرابلس، تقول أم اليتامى “عندي شب معاق والتاني مصاب بإيدو، وما في مساعدات، قدمولنا مرة أو مرتين مساعدات بس ما بتكفي أسبوع ،من كم يوم جاوبنا الكهربا، وفيه مي وسكن بالخيمة”، تتركنا أم اليتامى وهي تحمد الله “الحمد لله ولادي ثوار وأبوهون بطل”.

حال أم اليتامى لا يزيد سوء عن حال معظم العائلات المهجرة في المخيم، فأبو محمد “50عاماً” أب لخمسة ذكور استشهد منهم اثنين في معارك حلب، واعتقل أكبر أبنائه في حي المرجة من قبل قوات الأسد، وثلاث فتيات، خرج من مدينة حلب ليصل بعد رحلة معاناة كبيرة إلى المخيم .

 الصورة تعبيرية من مخيمات ريف حلب الشمالي ٢٠١٥ – تصوير: جلال المامو.

 

الرجل الذي كان يعمل حداداً ثم انتقل إلى صفوف الثورة ليقاتل في فصائل كثيرة كان آخرها الفوج الأول، وجد نفسه بعد أن أصيب في المعارك الأخيرة 2016 عاجزاً على كرسي متحرك بعد أن ثقب الرصاص قدميه وأقعده عن الحركة “وحيداً بعد أن تركته الفصائل لقدره دون أي تعويض مالي أو راتب شهري، يستطيع من خلاله إعالة من تبقى من أطفاله” على حد قوله ويكمل أبو محمد” دورنا كتير على كرفانة نسكن فيها أحسن من هالحال، الكرفانة عبتنباع ب300 ألف ليرة، اضطرينا نسكن هون رغم كل شي”.

يقول أبو محمد” استشهد ابني الأول عام 2014 في مجزرة المعادي نتيجة سقوط صواريخ فيل على المنطقة،  أما الثاني فقد استشهد على جبهة عزيزة 2016، وأصبت أنا في نفس المعركة واعتقل الثالث في حي المرجة بعد دخول قوات الأسد إلى المنطقة، وهو يحاول إخراج نساء الحي اما الرابع وعمره 16 سنة فقد أصيب بشظية في رأسه”.

يشكو أبو محمد وضع ابنه الأصغر “حاولنا أن نرسله إلى تركيا للعلاج ولكن المشافي رفضت إخراجه، الشظية التي اصابت رأسه تصيبه دائماً بحالة فقدان توازن، وبنوبات من الألم الشديد، هنا في المخيم لا يوجد أطباء ولا يقدمون لنا حتى مسكنات الألم، الواقع الصحي سيء جداً، وحتى في جرابلس لم يساعدونا لإرسال ابني للعلاج” ليضيف “اذا واحد مو ناقص منو شقفة ما بيبعتو ليتعالج”.

وعن أوضاع المخيم يقول أبو محمد” متل مانك شايف شوب وغبرا ومياه مجارير، حتى اسفنجات عطوني لكل عيلتي تلات سفنجات وتلات حرامات”.

ابنة أبو محمد (10سنوات)  التي تعاني من إعاقة ذهنية وشلل في الأطراف السفلية، تحتاج إلى “علبة حفوضات عجزة” كل يومين، يقول أبو محمد “من وين بدنا نجيب، الكيس ثمنو أكتر من 1500 ليرة، وما في بالحال شي”.

ﻣﺼﻄﻔﻰ أﺑﻮ ﺷﻤﺲ 

 

 

الأيتام “المميزون” يعودون إلى نشاطهم بعد شهور من التهجير

الأيتام “المميزون” يعودون إلى نشاطهم بعد شهور من التهجير

الصورة لأطفال دار المميزون للأيتام ( فيس بوك).

 

عاد أطفال دار الأيتام “المميزون” إلى دروسهم ونشاطاتهم الإبداعية والرياضية، بعد أشهر من المعاناة في رحلة النزوح الأخيرة، بعد تهجيرهم من مدينة حلب ليستقر بهم المقام في مدينة جرابلس.

قال حكمت شيحان أحد القائمين على دار الأيتام التي حملت اسم “المميزون” في مدينة جرابلس، لمراسل فوكس حلب ” بعد التواصل مع العديد من المنظمات قامت منظمة IHH التركية، بتقديم نصف البناء الذي كان يخصها في مدينة جرابلس، وهو عبارة عن مدرسة لإعادة افتتاح دار الأيتام “المميزون”، وقامت مؤسسة أفكار التي ترعى الدار بترميم المبنى وتجهيزه بالمعدات اللازمة، لتعود الدار إلى نشاطها في 18/3/2017”

وأضاف شيحان “أن الدار تضم الآن 36 يتيماً، خرجوا من مدينة حلب بعد حملة التهجير الأخيرة، أعمارهم بين سنة وحتى 14 سنة، وتنقسم الدار إلى فصول دراسية، وغرف منامة وصالة ألعاب ومطبخ وصيدلية”، وتكفل الدار الأطفال فاقدي الأبوين في الدرجة الأولى ،أو الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم، ومصير آبائهم مجهولاً كالمعتقلين، أو فاقدي الأب وأمهاتهم قد تزوجن بحسب النظام الداخلي لدار الأيتام .

يقوم على الدار كادر مؤلف من 24 مدرساً ومربية، جرى اختيارهم بناء على الشهادات التي يمتلكونها، بالإضافة إلى شهادات الخبرة، وتم اختيارهم من قبل لجنة مؤلفة من ثلاثة أخصائيين لمؤسسة أفكار، وينقسم الأطفال في الدار بحسب الفئة العمرية إلى ثلاثة زمر “الصغار- الوسط- الكبار” ويقوم المدرسون بإعداد المناهج الخاصة بكل زمرة، تتضمن المناهج دروساً تعليمية، بالإضافة إلى دروس تنمية المواهب “الرسم – الغناء- المسرح- مسرح الدمى – الراب “، ودروس الرياضة وصالات الألعاب، وصالة معلوماتية بالإضافة إلى الدعم النفسي،  ولا تتبنى الدار الأطفال بل تؤمن لهم السكن والتعليم والعلاج من خلال صيدلية موجودة في الدار، تحتوي على معظم الأدوية التي يحتاجونها،  وتقدم المشافي الدعم الطبي اللازم للأطفال من خلال استقبالهم لجميع الحالات الإسعافية.

وعن فكرة تأسيس هذه الدار قال حكمت شيحان “إن مؤسسة أفكار كانت تقدم الكفالة للأيتام في مدينة حلب من خلال تقديم مبلغ 50دولاراً لكل طفل، وقد كفلت الدار في عام 2014 أكثر من 200طفلاً، إلا أن القائمين على المؤسسة لاحظوا وجود عدد من الأطفال فاقدي الابوين أو أصحاب الحالات الخاصة الذين فقدوا أحد والديهم، فقاموا بتأسيس دار “المميزون” في حي صلاح الدين للعناية بهم في بداية عام 2015 ليصبح عددهم 47 طفلاً قبل التهجير الأخير في نهاية 2016، قام بعض أقاربهم بأخذ 11طفلاً وبقي 36 طفلاً موجودون الآن في مدينة جرابلس”.

وعن رحلة الوصول إلى جرابلس قال حكمت شيحان “حاول الهلال الأحمر السوري وقوات النظام أخذ الأطفال أثناء رحلة الخروج، ولكن إدارة الدار قامت بتوزيعهم على الحافلات، واستطعنا الخروج بهم إلى مدينة كفرنبل في محافظة إدلب، ثم عن طريق باب الهوى قامت وزارة الأسرة التركية بتأمين دخول الأطفال من معبر باب الهوى الحدودي إلى معبر باب السلامة ثم إلى مدينة اعزاز، في اعزاز بقينا لمدة ثلاثة أشهر ريثما يتم تجهيز مكان آخر للأطفال، ووصلنا إلى جرابلس في آذار الماضي لنبدأ نشاطاتنا التي توقفت خلال أشهر النزوح”.

الصورة لأطفال دار المميزون للأيتام خلال إحدى النشاطات (فيس بوك).

 

تملك الدار العديد من الأطفال الموهوبين في مختلف المجالات، وكانوا قد شاركوا في النادي الصيفي الذي أقيم في مدينة حلب، وتمتلك فرقة كورال بالإضافة إلى رسامين وفرقة مسرحية مؤلفة من عشرة أطفال، بالإضافة إلى فرقة راب وأطفال مميزون في مجال الخطابة والشعر على حد قول حكمت الذي أضاف ” يجري الآن العمل على مسرحية ستقدم في الدار خلال الأيام القادمة، كما تم التواصل مع بعض المنظمات لمعرض رسم سيقام في تركيا لتشجيع الأطفال من خلال بيع لوحاتهم، التي تركزت في الغالب على معاناة الحصار ورحلة النزوح الأخيرة، وما تركتها من اثر نفسي عند الأطفال”

ومؤسسة أفكار مؤسسة سورية ترأسها الدكتورة ديما المديرة التنفيذية للمؤسسة وهي مؤسسة (غير حكومية) إغاثية إنسانية غير ربحية، تهدف إلى رفع المعاناة عن المنكوبين والمحتاجين في سوريا، إغاثية لأنها تركز على تقديم الدعم الإغاثي الذي يؤمن الاحتياجات الأساسية للإنسان وتخفيف معاناة النازحين واللاجئين، وإنسانية كون الإنسان هدفها وغايتها.

ﻓﺮﯾﻖ ﻋﻤﻞ ﻓﻮﻛﺲ ﺣﻠﺐ.

 

 

 

غرب الفرات في مرحلة ما بعد الرقة

فريق التحرير

غرب الفرات في مرحلة ما بعد الرقة

في سباق محموم للسيطرة على الرقة ومحيطها تزداد العلاقات توتراً بين قوات النظام السوري، وقوات سوريا الديمقراطية، ففي الوقت الذي سيطرت فيها قوات النظام على مدينة السخنة الاستراتيجية بالكامل، واقترابها من السيطرة على مدينة معدان، تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على ما يقارب 55% من مدينة الرقة، وهذه السيطرة لم تمر دون فاجعة حلت بالمدنيين، فحسب مرصد حرمون وقع في الأسبوع الثاني من آب 330 قتيلاً، 64 % منهم من الضحايا المدنيين الذين سقط معظمهم في معارك داعش مع الطرفين السابقي الذكر، وتتخذ هذه المنافسة مناح أخرى في مناطق التماس بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية.

خريطة توزع القوى المسيطرة في سوريا – المصدر :موقع syria.liveuamap.com

رغم الحديث الذي ساد في بدايات الثورة والذي أكدته الأحداث فيما بعد عن اتفاق سري بين جماعة قنديل (حزب العمال الكردستاني) ونظام الأسد، حول السماح للأول بالسيطرة على المناطق ذات الأغلبية الكردية في سوريا، والعمل على تحييدها وإبعادها عن الثورة، فإن المشروعين لكل من الطرفين لا بد من أن يتناقضا في مرحلة من المراحل، فمشروع النظام هو الحفاظ على السلطة المركزية الاستبدادية، أما مشروع ال ب ك ك أو ال ب ي د “سوياً”، فهو تشكيل إقليم مستقل تماماً وقد يكون مرتبط شكلياً بالدولة السورية، أو بالأحرى مجموعة مناطق تسكنها غالبية كردية في سوريا (كوباني، عفرين، الحسكة) تقوم بالسيطرة عليه بشكل كامل ومقصية حتى الأطراف الكردية الأخرى لتخلق توازناً مع سلطة التيار السياسي التقليدي الكردي في كردستان العراق، وساحة صراع خلفية لمعركتها الرئيسية في تركيا، وكان النظام قد دعم قائد الحزب عبد الله أوجلان المقرب من حافظ الأسد، ومنح الحزب قواعد تدريب في البقاع والنشابية حول دمشق وغيرها، وفي عام 2011 شهدت المناطق الكردية قمعاً لمظاهراتها في الثورة واعتقال نشطاء الكرد على يد قوات الحماية الكردية نيابة عن نظام الأسد.

عند اجتياح قوات النظام قرى الريف الشمالي في عام 2015 وسيطرته على عدة قرى وفك الحصار عن قريتي نبل والزهراء، قامت قوات الحماية الكردية باجتياح قرى محررة جنوب وغرب عفرين بحجة حمايتها من دخول النظام إليها وهي ذات غالبية عربية مثل تل رفعت والشيخ عيسى، كما كان لها دور كبير في إطباق النظام سيطرته على حلب من خلال رصد طريق الكاستيلو، تزامن ذلك مع دعمها من قبل طيران الولايات المتحدة في معاركها ضد داعش والذي سهل لها السيطرة على معبر تل أبيض ضمن خطة سعت من خلالها لوصل كوباني مع الحسكة، إلا أن الأتراك رفضوا ذلك ودعموا بدورهم فصائل من الجيش الحر، وعلى رأسها الفصائل التركمانية للسيطرة على مدينة جرابلس غرب الفرات، وبدأت المقولات حول غرب وشرق الفرات تبدو أكثر تبلوراً على طريق توزيع النفوذ.

الصورة تعبيرية من إحدى جبهات الجيش الحر في الشمال السوري (انترنت).

في غرب الفرات تسيطر الآن قوات الحماية على منبج وعفرين والقرى التابعة لها، وتل رفعت والشيخ عيسى، ولكن تحركاً تركياً جدياً ضدها لم يبدأ إلا بعد أن بدأت قواتها تسيطر بشكل أكبر على مدينة الرقة، وكأن الأمر خاضع لصفقة ما حول الرقة وشرق الفرات، وفي إطار ذلك بدأت العلاقات تتوتر بين النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية، صنيعة قوات الحماية، وأخذ هذا التوتر طابعا دمويا في بعض الأحيان كما حدث منذ شهور مضت في مدينة الحسكة، إلا أن النظام ما زال يدعمها بوسائل مختلفة من خلال الاستمرار في دفع رواتب الموظفين في مناطق “الإدراة الذاتية”، وحتى في عمليات التدريب والإمداد بالسلاح كما بينت وثائق مسربة نشرتها مؤخراً وسائل إعلام، وتشكل عفرين اليوم تحت سيطرة الإدارة الذاتية سداً بين طرفي مناطق سيطرة الثوار في إدلب وريف حلب الغربي وريف حلب الشمالي، حيث تضع عراقيل عديدة في الحركة الإنسانية، فتأخذ ترانزيت عبور يقارب 2000 ل.س للشخص الواحد، ولا تسمح لهم بدخول سياراتهم، وإنما عن طريق سيارات خاصة بالإدارة الذاتية وتأخذ أجوراً مقابل عملية التوصيل تصل لـ 1000 ليرة سورية، وتمنعهم من الدخول لعفرين أو الوقوف فيها حيث ترافق السيارات العابرة سيارات تابعة لقوات الحماية، وتفرض ضرائب على نقل المواد الغذائية بين إدلب واعزاز ما بين 50000 -75000 ل.س، ولا تسمح لمقاتلي الفصائل المعارضة بالمرور نهائياً من عفرين، وبعد التقدم الذي تحقق في الرقة، بدأت القوات التركية بقصف مناطق عفرين بالمدفعية من داخل حدودها، وتحرك الجيش الحر في ما يسمى غرفة أهل الديار في معارك جديدة على جبهات تل رفعت والشيخ عيسى، مع ترافق خروج مظاهرات من قبل أهالي القرى التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية تطالب الفصائل المعارضة بطرد قوات سوريا الديمقراطية منها، وصرحت صحيفة يني شفق المقربة من الحكومة التركية  أن أنقرة رفعت جاهزية 25 ألف مقاتل في مناطق درع الفرات، وأرسلت تعزيزات عسكرية من عربات مصفحة وأسلحة خفيفة وترقب عن كثب مناطق تل رفعت وتل أبيض ومنبج التي سيطرت عليها القوات الكردية بمساعدة الولايات المتحدة في ظل أنباء عن عملية عسكرية مرتقبة في تلك المناطق حسب الصحيفة.

من جهة أخرى تشهد عفرين ظهوراً لحساسية بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية، فالنظام يسعى لأن يكون البديل المسيطر على مناطق غرب الفرات عن الـ ب ي د  بدل الفصائل المعارضة، في حين ترفض القوات الكدرية ذلك، وتأتي هذه الحساسيات نتيجة خلافات بدأت تتوضح في رفض النظام لسيطرة قوات الحماية الكردية على حيي الشيخ مقصود وبني زيد في مدينة حلب، ومن ثم راحت قوات الحماية تقوم ببعض الإجراءات التي تؤكد استقلاليتها في إدراة مناطقها من خلال فرض لوحات جديدة خاصة بالإدراة الذاتية للسيارات التي تريد دخول عفرين أو المرور بها تصل إلى 700 ألف ليرة سورية، مما دفع إلى إغلاق المعابر بين الطرفين، ناهيك عن أن ال ب ي د يشهد رفضاً كردياً له من خلال المجلس الوطني الكردي الذي ينطوي خلافهما الرئيسي على محاولة ال ب ي د التفرد في حكم المناطق الكردية، فجاءت إداناته كلها ضد اعتقال واختطاف وإقصاء الناشطين والأحزاب الكردية التي لا تنضوي تحته، في حين لم يدن المجلس الوطني الكردي أي عملية لتهجير العرب من مناطق في الحسكة وغيرها، والتي تحدثت عنها منظمة العفو الدولية.

بات أمر غرب الفرات داخل عملية الحسم، والصراع الرئيسي هنا بين فصائل المعارضة وقوات النظام على تناهش المناطق التي يسيطر عليها الكرد، ولكن ماذا سيحل بعفرين هذا أمر ما زال غير واضح، وعفرين الآن تحوي مئات الآلاف من أهلها واللاجئين إليها من الكرد والعرب الذين كان معظمهم قبل أن تسيطر قوات الحماية الكردية عليها وتطلب من النازحين إليها ورقة كفيل من مواطن يريد أن يجد مأمنا في منطقة أخرى من مناطق وطنه، هل ستكون عفرين ضمن صفقة التبادل مع الرقة، أم أنها ستبقى تحت وصاية قوات الحماية، وهل ستسيطر القوى المعارضة على مناطق سيطرة ال ب ي د حالياً، أم أنه سيسلمها كما سابقاً لقوات النظام السوري؟.

الجمعيات في المناطق المحررة والعوائق التي تواجهها

الجمعيات في المناطق المحررة والعوائق التي تواجهها

تعمل الجمعيات الخيرية في المناطق المحررة، وخاصة تلك التي تعنى بمهجري حلب، في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها ظروف معقدة وصعبة، وتعاني العديد من المشاكل والمعوقات، يعتبر غياب الدعم المادي هو الأبرز، بينما يضاف إلى العبء المادي صعوبات أخرى منها صعوبة تنفيذ المشاريع، والتدخل في عمل الجمعيات، وعدم توافر البيانات والإحصائيات، وصعوبة التحرك وغياب الأمان وعدم الاستقرار.

وبحسب دراسة أجرتها منظمة “مواطنون لأجل سوريا” بعنوان “منظمات المجتمع المدني السورية الواقع والتحديات”، تبين أن 79% من الدعم المالي الذي يقدم لتلك الجمعيات يأتي من خلال أفراد (31%)، أو على شكل جمع تبرعات (28%)، أو منظمات غير حكومية (23%)، أما باقي النسبة فتتوزع من خلال منظمات كبيرة أو مؤسسات داعمة حكومية، وعلى الرغم من أهمية الجمعيات ودورها في المجتمع المدني، بحيث تعتبر الخط الثاني في عملية التنمية، إلا أن معظم الجمعيات العاملة في المناطق المحررة تخصصت بتوزيع المواد الإغاثية وبعض الخدمات التعليمية والإرشاد النفسي (86% منها)، بحسب الدراسة السابقة، في حين تتوزع باقي النسبة على رعاية الأسرة والأيتام والمسنين.

ومع كل تلك الصعوبات ما زال الكثير من الشباب السوري، يسعى إلى إقامة جمعيات خيرية بشكل تطوعي للمساهمة في بناء المجتمع وتأدية دوره في عملية التنمية، جمعية سحابة خير التي تأسست في 1/5/2017 التي عرفت عن نفسها في نظامها الداخلي، ب “جمعية تعاونية انسانية خيرية تنموية، تتمتع بالشخصية الاعتبارية وذات استقلال مالي واداري، وتندرج ضمن منظمات المجتمع المدني، تهدف إلى التخفيف عن معاناة السوريين عبر تقديم خدمات إغاثية وتنموية، والقيام بمشاريع تنمية مستدامة لرفع المستوى المعيشي للعائلات المستهدفة”.

 

فراس شريفة مدير الجمعية قال لمراسل فوكس حلب “إن عمل الجمعية يقتصر على خدمة المهجرين، وخاصة من مدينة حلب، بعد أن أجرينا مسحاً لأحوال المهجرين في قرى الريف الغربي ووقفنا على الحال السيئة التي يعيشونها، في ظل غياب من يستمع إلى مطالبهم واحتياجاتهم وتوقف الكثير من الجمعيات عن العمل، ناهيك عن التعامل السلبي الذي تعرض له الكثير من النازحين، والوقوف معهم ومساندتهم للتغلب على الظروف السيئة التي يعيشونها” وأضاف شريفة أن “عمل الجمعية لا يقتصر على تقديم المواد الإغاثية، بل يتعدى ذلك إلى تنفيذ مشاريع تنموية للعائلات الفقيرة والأرامل والأيتام”.

من جهته قال ضرغام حمادي، نائب مدير الجمعية “إن الجمعية درست العديد من المشاريع بعد ترخيصها من قبل مجلس المحافظة، وقدمت هذه المشاريع إلى اتحاد الجمعيات للمساعدة في تنفيذها، أهمها المشاريع اليدوية في المخيمات وبناء القرية الطينية في حارم للتغلب على مشكلة السكن، كما تعمل الجمعية على تحسين الواقع التعليمي”.

وأكد ضرغام حمادي أن “كل أفراد الجمعية هم من أصحاب الشهادات العلمية العالية، والخبرة في عمل الجمعيات، وأن عملهم أتى بشكل تطوعي وأن مقر الجمعية ومستودعها الوحيد في قرية إبين قدمه أحد أفراد القرية مجاناً لمدة شهرين”.

وقال ضرغام “إن سحابة خير ككل الجمعيات العاملة في المناطق المحررة، تعاني من نقص في التمويل والدعم اللوجستي والمعدات وآليات الدعم النفسي، والترويج إذ يقتصر على صفحات الفيس بوك وبعض المعارف”.

تعمل الجمعيات الخيرية في المناطق المحررة وتتكيف وفقاً للظروف مع تنامي المسؤوليات وزيادة العبء والعوائق التي تواجهها.

 

 

قراءة تاريخية في بنية نظام عائلة الأسد، وديناميات تكوينه (4)…

قراءة تاريخية في بنية نظام عائلة الأسد، وديناميات تكوينه (4)…

نظام الأسد وهراء التفاوض

حاول الجزء السابق من ملف “قراءة تاريخية في بنية نظام عائلة الأسد، وديناميات تكوينه” أن ينقض التعريفات التي تحصر الأسد بكونه نظاماً شمولياً أو عسكرياً أو طائفياً، وذلك بناء على التعريفات التي يضعها علم السياسة لهكذا أشكال من نظم الحكم والإدارة، على أنه لم ينفِ وجود مشتركات عديدة بين نظام الأسد وبين تلك الأنظمة،  في حين أن نظام الأسد نظام حكم مخترق على المستوى الخارجي، و”كلبيتوقراطي” على المستوى الداخلي، ويخضع للعديد من التوازنات التي أنشأها وارتبط بها والتي تبلور وتؤسس وجوده، لذلك هو وخاصة من بعد موت الأسد الأب عبارة عن كتلة صلبة غير قابلة للتفكك، لأن أي تفكيك في أي جزء منها سيؤدي إلى انهيارها بالكامل، ولذلك يصعب على ذلك النظام التفاوض، لأن التفاوض بطبيعة الحال يتطلب التنازل الذي يعجز عنه النظام كما سيحاول هذا الجزء الأخير من ملفنا أن يبينه.

حافظ الأسد في زيارة لروسيا لتوطيد التحالف في سبعينيات القرن العشرين (انترنت).

حافظ الأسد في زيارة لروسيا لتوطيد التحالف في سبعينيات القرن العشرين (انترنت).

لم تكن سياسة الأسد تجاه اسرائيل والتي سماها بسياسة التوازن الاستراتيجي للقوى، هي حالة حصرية على هذا الجانب بالذات، بل عمد الأسد ليشكل من نفسه نظاماً سياسياً مخترقاً من كل الجهات، حيث لا هو عميل لأحد، وليس ببعيد عن أحد، وأيضاً دمر في سياسته الخارجية سياسة البعث الانتقالي، حيث أعاد رسم العلاقات مع الدول التي عدها بعث صلاح جديد رجعية، فإلى جانب الجزائر ومصر، أعاد العلاقات مع الأردن ودول الخليج والسعودية التي درت عليه أموالا طائلة، وحافظ على علاقته مع الاتحاد السوفييتي، وجمع إلى ذلك العلاقة مع إيران ليحقق تلك الثلاثية الإعجازية (إيران _السعودية _السوفييت)، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، قدم له خصمه الرئيسي صدام حسين حبل النجاة، من خلال قتال قواته بداية التسعينات تحت راية العلم الأمريكي ضد العراق، ومنذ تسلمه بحث الأسد عن نصر يمنحه كاريزما، تبعد عنه لعنة خيانة الأصدقاء، فجاءت حرب تشرين ليشارك فيها ويخسر الكثير من الأراضي، ومن ثم يتم إعادة بعضها بعد معاهدة فك الاشتباك عام 1974، وليتاجر بذلك النصر الوهمي، ولم يكن هناك لعنة على القضية الفلسطينية مثل حافظ الأسد، فدعم فتح بداية ضد دعم صلاح جديد للصاعقة، ولكنه كان يحضّر الحركة لتكون ورقة في يده، إلا أن تصميم عرفات على قرار مستقل للفلسطينيين، دفع الأسد للتفكير في اغتياله بما عرف بقضية يوسف عرابي، ومن بعد ذلك بدأ يضيق عليهم في سوريا، ولم تساند طائراته القوات البرية السورية التي دخلت لتدافع عن الفلسطينيين في أحداث أيلول الأسود، وجاءت ضربته التي أنهت المقاومة الفلسطينية في الأردن تماماً عام ،1971 عندما منع قوات فدائية متمركزة في درعا من الالتحاق بالمعارك الجارية في شمال الأردن، في عجلون وجرش، والتي قتل فيها 700 فلسطيني وبينما تشرد الآخرون ولم يبق للمقاومة الفلسطينية أي تواجد في الأردن، ومن ثم خرجت فتح للبنان، ليتبعها الأسد مصراً على تحويلها ورقة في يده، ودفع لانشقاقات في صفوفها، وجاءت الحرب الأهلية اللبنانية التي كانت كنز الأسد الذي تمكن من القضاء على أشكال المقاومة اللبنانية الوطنية، واغتيال قائدها كمال جنبلاط، وعلى المقاومة الفلسطينية وطردها نهائياً من هناك، ولم يخضع الأسد لأحد في لبنان إلا لإسرائيل، ومن ثم وبعد انسحاب الإسرائيليين، بنى الأسد دولة لبنان الخاصة به وبات له موالين، من أمثال إيلي حبيقة مرتكب مجازر صبرا وشاتيلا، وبنى مقاومة لحسابه تجلت بحزب الله.

حافظ الأسد وياسر عرفات (انترنت).

حافظ الأسد وياسر عرفات (انترنت).

في الثمانينات وبعد القضاء الدموي على الإخوان، استطاع الأسد أن يضع الدولة السورية كلها هذه المرة خلف ظهره، وباتت سوريا بالفعل سوريا الأسد، وتكفي قضية أزمة الخلافة دليلاً على ذلك، فقد ألم بالأسد في أواخر عام 1983 مرض خطير أعاق عمله، وبدت مطامع رفعت أخيه في السلطة، ورغم أن الخلاف كان على قيادة دولة وشعب، فإن الشخص الرئيسي الذي حل الخلاف كانت ناعسة أم الأخوين، أمر أشبه بأفلام المافيا، تم طرد رفعت الأسد من سوريا بطريقة مشرفة، أكسبته ثروة هائلة ما زال يستثمر فيها في فرنسا حتى اليوم، وكرد فعل على ذلك انطلق في المؤتمر القطري الثامن في الشهر الأول من عام 1985 شعار “قائدنا للأبد، الأمين حافظ الأسد”، وبدأ بشكل علني تحضير باسل الأسد للسلطة، وكاد تململ علي حيدر من ذلك الأمر يكلفه حياته، وبعد مقتل باسل الأسد جيء ببشار أخيه لعملية التحضير، دون أن يصدر أدنى اعتراض من أحد، وكأن الجميع قد وقع تحت صدمة طوفان الدم في الثمانينات، الذي أودى بحياة عشرات الآلاف ورمى بأضعافهم في السجون، وكان من باب المهزلة أن النقاش السائد عند موت الأسد بين عموم طبقات الشعب أنه بكل حال يبقى بشار الأسد أفضل من أن يأتي رفعت الأسد للسلطة، كان الأسد يومها شكل نوعاً من السيادة التقليدية بعد أن فشل سعيه للسيادة الكاريزماتية، وبموته كان الأسد قد سلم ابنه نظاماً متكامل البنيان، علته الوحيدة أنه لا يدوم إلا بدوام بنّائه، وقد سلم معه طريقة الخطاب الكاذب لذلك النظام الذي على الابن أن يتبناه، والذي افتتح به الابن حياته السياسية بخطابه الإصلاحي في مجلس الشعب، مذكراً الشعب حينها بكلمات أبيه في عام 1975 في انتقاد حادثة قتل للسجناء في العراق قائلاً “تصوروا أن نقوم نحن بسوريا باغتيال مواطن، لأنه فقط ضدنا سياسياً” واعتبره أمراً شاذاً وغريباً في هذا العصر وكل عصر.

الصورة من دمار حماة 1982 (انترنت).

الصورة من دمار حماة 1982 (انترنت).

مما سبق لا يمكننا أن نعرف نظام الأسد إلا بأنه نظام حكم اللصوص، كليبتوقراطي، شكل العلاقة فيه يقوم على مجموعة من التوازنات والتنازلات والتكاملات التي يضعها رأسه أو زعيم العصابة، وهذا ما فعله حافظ الأسد، حيث وضع أسس نظامه بالكامل كما سلف على مبدأ سياسة توازن القوى، ولم يكن هذا الأمر على مستوى السياسة الخارجية فحسب، وإنما الداخلية،  فهو من دمر سياسة بعث اللجنة العسكرية الراديكالية في تطبيقها للاشتراكية، كما بينا سابقاً، عبر فتح قنوات جديدة مع طبقات الملاك والتجار ورجال الدين، وفي نفس الوقت حافظ على النهج الاشتراكي على أن يبقى مركز ذلك التوازن هو حافظ الأسد نفسه، وأي إخلال به يخل بالنظام السياسي بكامله ويدفعه للانهيار، والمقصود بأنه نظام كليبتوقراطي، أنه لا يقوم على شكل من العلاقات المحددة في الهيكلية التنظيمية أو الإدارية، فعلى الرغم من أن المستوى الأمني هو المستوى الأول من السلطة، ولكن صناعة القرار ومراكز القوى لا ترتبط بشكل معين وثابت، وإنما بأشخاص بعينهم في كافة المستويات، فقد يكون ضابط صغير في لواء عسكري ما، أهم من قائد اللواء وأكثر سلطة وقدرة على صنع القرار، وكل شخص داخل تلك الدائرة مرشح من شخص آخر كان قد تم وضعه من قبل الأسد في بداية تشكيل النظام، وبذلك تشكلت كتل متوازنة وقطاعات ودول داخل الدولة، تفاهماتها مبنية بشكل رئيسي على اقتسام السرقات، وليس السلطة، فالسلطة تبقى لمن يقوم بتلك القسمة والذي هو حافظ الأسد، وفي ظل هكذا نظام فإن غياب رأسه عن السلطة لمدة أسبوع واحد كفيل بانهياره، نتيجة الصراعات البينية التي ستشتعل بين كتله، وما إن بان ضعف بشار الأسد وريث نظام أبيه قليلاً، حتى بدأ ذلك النظام ينهار ويدخل في صراعات بينية منقسماً حاليا كما هو بادٍ بين روسيا وإيران، ومشكلة بشار الأسد أنه ليس نقطة التوازن في ذلك النظام لأنه وضع نفسه هناك، وإنما لأنه جاء في المكان الذي خصصه له أبوه في تلك البنية، وبالتالي هو غير قادر على التحكم بها أو خلق توازنات جديدة من خلالها، وكان كل ما حاول فعل ذلك وقع في فشل يتبعه فشل، وهذا ما بدأ مع إزاحة بعض رجالات النظام القديم حيث بدأت الانهيارات تتالى حتى وصل إلى اغتيال الحريري، ومن ثم استكمل الأمر للثورة  وتابعاً لإيران وذيل كلب لروسيا، لذلك لا يستطيع بشار الأسد التخلي عن أي ركن من أركان نظامه، ولا أي ركن من أركان ذلك النظام قادر على التخلي عن بشار الأسد، وقد وقعت روسيا في تلك الدوامة فتارة تريد طرده وتارة تتمسك به، لأنها لا تملك ذلك الشخص الذي من الممكن أن يكون مكانه دون انهيارات كارثية في النظام، وبالتالي ولأنها جاءت لتحافظ على النظام فلا بد لها من التمسك ببشار الأسد، وأي حديث عن حل تفاوضي يفضي إلى المشروع الوطني هو محض هراء، ويدرك ذلك النظام جيداً، ويأتي للتفاوض ومعه مبادرة واحدة متعلقة بالحكومة الوطنية فحسب، ولن يستطيع حتى لو أراد ذلك أن يتخلى عن أي مركز للقرار في سوريا لصالح المعارضة، وهذا لا يعني أن لا تذهب المعارضة للتفاوض، ولكن عليها أن تذهب لفضح فقط عدم رغبة النظام بأي حل سياسي حقيقي، وعليهم أن يعلموا أن أي حل سياسي يرضى به نظام  الأسد لا بد سيقضي عليهم وعلى الثورة، فعملية الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن تكون لا من أعلى ولا بشكل تفاوضي، ولا بالتدخل العسكري الذي جاء لدعم النظام السد في وجه ذلك المشروع، وبالتالي فإن الحل الوحيد يكمن في الانتقال من أسفل، أي بإسقاط النظام ومن ثم إنجاز عملية الانتقال الديمقراطي.

رعد أطلي.

 

سعر قالب البوظ يتناسب طرداً مع ارتفاع درجات الحرارة

فريق التحرير

سعر قالب البوظ يتناسب طرداً مع ارتفاع درجات الحرارة

الحصول على قالب بوظ في الريف الشمالي والشرقي لمدينة حلب، “انتصاراً ليوم واحد”، يقول أحمد المحمد أحد الواقفين على الدور الطويل من أجل الحصول على “نصف قالب بوظ” لعائلته، فالماء البارد يخفف من وطأة ارتفاع درجات الحرارة الكبير، خاصة مع غياب الكهرباء عن المنطقة، ويتندر الواقفون للحصول عليه بأن “سعر صرف قالب البوظ في المنطقة يتناسب طرداً مع ارتفاع درجات الحرارة” فقد تجاوز سعر القالب الواحد في الأيام الماضية ” 2000 ليرة 4 دولارات” وسط موجة الحر الشديدة التي شهدتها المنطقة والتي تجاوزت درجات الحراة فيها 43 درجة ليتراجع يوم أمس إلى سعر ” 1000 ليرة 2 دولاراً” مع تراجع موجة الحر.

ويطلق الأهالي اسم “الأبيض” على قالب البوظ أسوة بالدولار الذي يطلق عليه “الأخضر” تأكيداً على “تأرجح بورصة الأسعار للمادتين” يومياً.

الصورة من داخل معمل البوظ في مدينة اعزاز.

ويقول حسين نصر الله أحد بائعي البوظ في مدينة اعزاز، لمراسل فوكس حلب “إن سعر قالب البوظ تحدده المعامل، فقد حُدد سعره ب800 ليرة 1.5 دولاراً، من قبل أصحاب المعمل، ونحن نبيعه ب1000 ليرة 2دولاراً، وقد كان أصحاب المعامل أثناء موجة الحر الشديد، يبيعونه ب 1500 ليرة 3دولاراً، فنضطر لبيعه ب 1800 أو 2000 ليرة 4دولاراً، ويزداد سعره من قبل أصحاب المعامل كلما ارتفعت درجات الحرارة”.

ينفي زكريا حجو، القائم على معمل الشمال للبوظ، في مدينة اعزاز، لمراسل فوكس حلب أن يكون قد تجاوز سعر القالب في معمله 800 ليرة وقال: “إن سعر القالب في معمله لا يتجاوز 800 ليرة، وأن البائعين هم من يقومون باحتكار هذه المادة ويبيعونها بأسعار مرتفعة”، ويكمل حجو “إن ارتفاع سعر مادة المازوت هو السبب الرئيس في تأرجح سعر قالب البوظ، فالمولدة التي يستخدمها للتبريد وصناعة القوالب تحتاج إلى 40 لتر من مادة المازوت في كل ساعة، بالإضافة إلى سعر صهريج الماء الذي وصل إلى 4000 ليرة 8دولارات، ومع ذلك فإن المعمل لم يرفع سعر قوالب البوظ”.

الصورة من داخل معمل البوظ في مدينة اعزاز.

ينتج معمل الشمال بحسب حجو “480 قالباً من ألواح البوظ كل 12 ساعة، وهناك إقبال شديد على شرائه، ولا نستطيع تلبية حاجة السوق من المادة، وتبلغ كلفة القالب الواحد ما يقارب 650 ليرة 1.25دولاراً”

واتهم زكريا بعض أصحاب المعامل والمندوبين باحتكار هذه المادة، مع غياب الرقابة من قبل المؤسسات المسؤولة، على الرغم من القرارات التي صدرت بتحديد سعر قالب البوظ ومنع احتكاره.

حصل أحمد المحمد على نصف قالب البوظ، بعد وقوفه على الدور لأكثر من ساعة، ليقول ” ما ضل ناقص هالشعب غير الوقفة على دور البوظ، لا مي ولا كهربا وشوب جهنم والامبير ما بيشغل البراد الله يكون بالعون”.

قراءة تاريخية في بنية نظام عائلة الأسد، وديناميات تكوينه(3)…

قراءة تاريخية في بنية نظام عائلة الأسد، وديناميات تكوينه(3)…

 

حافظ الأسد يبني نظامه على أشلاء الحزب والطائفة والجيش والدولة..

في الجزأين السابقين، تحدث الملف عن وضع الطائفة العلوية مع بداية تشكل الدولة السورية، بما له صلة مع قضية الملف، وعن تشكل حزب البعث، وكيفية تحوله من حزب سياسي مدني، إلى حالة أشبه بالتنظيم العسكري داخل الجيش، ومن ثم استفادة الأسد من حلقات الصراع المتعددة داخل الحزب وخارجه ليصل إلى السلطة، وسيتناول هذا الجزء، السياسات التي اتبعها الأسد لبناء نظامه الخاص، والتعريف الأصح له إن كان شمولياً، أم ديكتاتورياً عسكرياً، أم غير ذلك.

أثناء وصول حافظ الأسد للسلطة، كانت الطائفة العلوية وغيرها من الأقليات، قد قطعت شوطاً كبيراً في الاندماج في المجتمع السوري، ولكن أيضاً، كانت مشكلة الهويات الطائفية قد ظهرت بوضوح، بعد أن تخلصت اللجنة العسكرية، من القيادات الاسماعيلية والدرزية وحتى من الواجهة المسيحية في الحزب، وظل العلويون هم المسيطرون، ومن ناحية أخرى لم يلق بالأساس حزب البعث وغيره من الأحزاب اليسارية والقومية التي نشأت في فترة الانتداب، إقبالاً كبيراً من جهة الأكثرية السنية، وخاصة في المدن الكبرى، فقد فرض الحضور الفرنسي نمطاً ثقافياً واجتماعياً جديداً، بعيداً عن الطبيعة المحافظة لمدن كانت منذ قريب، من أهم مدن السلطنة الإسلامية، ترافق مع ذلك، تراجع دور هذه المدن، وضعف التجارة فيها نتيجة نشوء الحدود، فأحس المدنيون بغربة حقيقية عن ذلك المجتمع وتلك الأحزاب، التي تستورد أفكارها من دول الانتداب، وبدأوا يبحثون عن حل، يعيد لهم ثقافتهم وتجارتهم، فكان أمامهم الإخوان المسلمون، فمنهم من ناصر القوى الوطنية التقليدية (الحزب والوطني وحزب الشعب)، ومنهم من انضم للإخوان، وغالبيتهم عزف عن الحياة السياسية.

في ظل ذلك شعر أبناء الطائفة العلوية، وهم في رأس السلطة بحالة من الندية، وبدأ أبناؤهم يسكنون مدناً كانوا لا يتجرؤون على المشي فيها، وكثر عدد المتعلمين من بينهم، وعادت عليهم بكبير الفائدة سياسة البعث العسكري الراديكالية، واتباع سياسة الإصلاح الزراعي الذي ملكهم الأرض، ناهيك عن فتح الجيش كل أبوابه لاستقبالهم، وبالتالي كانوا مجهزين نفسياً للانخراط في بنية التزام طائفية عزم الأسد على بنائها في حال كان فقدها يهدد بفقد ما حصلوا عليه.

عجّل الأسد بإنتاج نظام سلطوي، شكلُ علاقاته الداخلية والخارجية تضمن فقط استمراريته كشخص في السلطة، ويطلق على هذا النظام في معظم الحالات اليوم نظاماً ديكتاتورياً عسكرياً، أو نظاماً شمولياً، ولم يكن الأسد لا هذا ولا ذاك، رغم وجود العديد من المشتركات مع شكلي هذين النظامين، فالقائد الشمولي عادة ما يحمل “يوتوبيا” خاصة يسعى لتحقيقها في الدولة والمجتمع، ويقمع أي محاولة للوقوف في وجهها، معتمداً على إيديولوجيا وأهدافاً موضوعة أو مندرجة ضمن تنظيم سياسي معين، وتوفر للأسد ذلك لو أراده في حزب البعث، ولكن لم يكن ذلك ديدنه، وإنما الحفاظ على سلطته هو الهدف الرئيس، فقرر سرقة الحزب بالكامل.

في المؤتمر القطري الخامس عام 1971، تخلى حزب البعث نفسه عن مبدئه الرئيسي بقيادة الجماهير والقيادة الجماعية، وما إلى ذلك من شعارات، رددها طيلة أربعة وعشرين عاماً لصالح” قائد المسيرة”، فقد جاء في مقررات المؤتمر أنه “على الرغم من أن التاريخ ليس تاريخ أفراد وإنما شعوب، ولكن الشعب العربي السوري نتيجة ظروفه وتطوره الخاص بحاجة إلى قائد، وأنه بدأ يرى في شخص حافظ الأسد هذا القائد”.

 

الصورة من اليمين حافظ الأسد - غير معروف - قائد المخابرات الجوية اللواء محمد الخولي - قائد المخابرات العسكرية 
علي دوبا - غير معروف - وزير الداخلية عدنان الدباغ

 

كان ذلك تصريحاً واضحاً، بنهاية كل شيء خارج قرار الأسد، وبذلك كان الأسد قد أخفى الحزب عن المجتمع السوري خلف ظهره، ومن ثم قرر إدخال المجتمع والدولة داخل هذا الحزب، بعد أن أقر دستور عام 1973 الذي وضعه الأسد أن الحزبَ قائد للدولة والمجتمع، ومنح الأسد نفسه صلاحيات تؤهله لمنزلة مطلقة في حكم سوريا.

 بعد أن وضع الأسد يده على الحزب بإحكام، وحوّل أعضاءه بكاملهم عبيداً له انتقل إلى الخطوة التالية، وهي ضم أكبر عدد من ممكن من السوريين للحزب، لتخيّم سلطته على كل بيت في سوريا، فقد كان دائماً الدافع الرئيسي للأسد في سياسته مبنياً على الخوف من فقدانها حتى بداية عقد الثمانينيات حين عمّدها بالدم، وقد ارتفع عدد المنتسبين للحزب عند استلامه السلطة من 65398 إلى 1008243 بداية التسعينات، أي ما يعادل 14.5 % من نسبة السكان، في حين أن الحزب الشيوعي السوفييتي في قمة توسعه لم يتخط نسبة 9.5% من عدد السكان، ولم يكن المنضمين للحزب بدافع الولاء، بقدر ما هو بدافع تحصيل مكتسبات اقتصادية، بعد أن بات الحزب بوابة التوظيف والمنح والترقيات والنقابات والاتحادات.. لم يطالب الأسد أعضاء حزبه بالولاء لأهداف الحزب ولا له حتى، بقدر ما طالبهم بالطاعة، على مبدأ “إن لم أحصل على ولائك فسأحصل على طاعتك”، والولاء لنظام الخدمات الخاصة، فمقابل بقاء الحزب وبقاء السلطة كان الفساد مستشرياً في الجهاز البيروقراطي للدولة السورية حتى النخاع، ولا شيء يردع الفاسد ما دام ساهراً على تقديم فروض العبادة للأسد، وساهراً على حماية نظامه بأي طريقة كانت.

هذا على المستوى الداخلي للحزب، أما على مستوى العلاقات الوطنية، فقد أنهى الأسد السياسة الراديكالية للبعث الانتقالي، من خلال انفتاحه على طبقة الملاك والتجار ورجال الدين، وفسح المجال لهم ليس للاستثمار، وإنما للمشاركة في نهب البلاد، على أنه رغم ذلك فقد كان شكل العلاقة معهم يتضمن نوعاً من الشراكة بين التجار ورؤوس الأموال، وبين الضباط الأمنيين والعسكريين، إلى جانب المصاهرة والتزاوج وبالتالي ربط المصير الاقتصادي وحتى الاجتماعي لتلك الطبقة بنظام الأسد، واستشرى الفساد في الدولة السورية، ابتداء بمحمد حيدر وزير الخمسة بالمئة في السبعينات، وليس انتهاء برامي مخلوف صاحب المئة بالمئة قبيل الثورة، ونتيجة هذا الفساد كانت سوريا دائماً تعاني حالة من الركود الاقتصادي والتضخم وأحياناً كثيرة وصلت لحافة الانهيار، لولا صنبور الخليج الذي فتحه الأسد أيضاً، ولم تكن عائلة الأسد أبداً تعير اهتماماً للاقتصاد بقدر ما تعيره للسلطة، ولعل طريقة الاتفاقيات السورية التركية في بداية عهد بشار الأسد ورجب طيب أردوغان وما جلبته من كوارث على المصانع والورشات والعمال السوريين، يبين حجم الإهمال للمصلحة الاقتصادية للبلاد عموماً، مقابل العلاقات الجيدة التي يمكن أن تبقي العائلة في السلطة.

يسعى الديكتاتور العسكري بالشكل الرئيسي لضمان بقائه في السلطة، ويعتمد بالمقام الأول على الجيش الذي أوصله لذلك المكان، ويدعم تلك المؤسسة ويمنح قادتها امتيازات عديدة مقابل ولائهم وشراكتهم في تأمين سلطته على أنها سلطتهم، ولكن الأسد لم يترك أيا من الجنرالات السابقين الذين عملوا معه ليصل إلى السلطة، بل قتل كل شركائه، ولم يكن شيئاً يقلق الأسد مثل الجيش، لذلك عمل على تفريغه بالكامل من قوته، بعد أن استولى على كل قطاعاته، وذلك عن طريق تشكيل ميليشيات موازية للجيش طيلة فترة عهده، وبناها من أبناء الطائفة العلوية ليجعلهم أداته الجرمية في قمع أي تهديد لسلطته طيلة فترة حكمه، فكانت سرايا الدفاع بقيادة أخيه رفعت، وسرايا الصراع بقيادة عدنان الأسد، والحرس الجمهوري بقيادة عدنان مخلوف شقيق زوجته، والقوات الخاصة بقيادة علي حيدر، وكذلك الأمر بالنسبة للفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد لاحقاً، والمغزى من ذلك كله أن تكون تلك الميليشيات في البداية أقوى من الجيش وقادرة على صده وردع اي محاولة انقلابية، ترافق إلى جانبها العديد من الفروع الأمنية التي تناوب على رئاستها باستثناء شعبة المخابرات العامة الضباط العلويون، وامتلأت أقسامها وفروعها بأبناء الطائفة، كل ذلك على حساب الجيش الذي كان ضباطه الأمراء لا يتجرؤون على مواجهة صف ضابط من الميليشيات والفروع الأمنية.

 

الصورة لحافظ ورفعت الأسد

 

اعتمد حافظ الأسد على الطائفة العلوية بالدرجة الأولى باستمرار تعسفه وفساده في السلطة، وكان نظامه طائفياً من حيث النتيجة، ولكنه لم يكن كذلك من حيث الدافع، فلم يسع الأسد لإنتاج سلطة “أوليغارشية” مبنية على أساس انتمائه الطائفي، وإنما على أساس انتمائه الشخصي فحسب، وبذلك سعى لأن يستخلص من الطائفة العلوية بنية التزام طائفية خاصة به _طائفة الأسد_ معتمداً على ترسيخ المظلومية في الذاكرة الجمعية للعلويين، وإظهار نفسه على أنه المخلص المنتظر، ونجح إلى حد بعيد في ذلك وخاصة بعد أحداث الثمانينات التي أعاد فيها الإسلاميون وعلى رأسهم “الطليعة المقاتلة”، إحياء الفتاوى القديمة بوجوب قتل “النصيريين” ومحاربتهم، ومن الذي سهل في الأمر أن البنية الفكرية التي تستند عليها كل الفرق الإسلامية التي خرجت من المذهب الشيعي، ترتكز بشكل أساسي على قاعدة انتظار مخلص ما يأتي لينقذ الفرقة، من ظلم مزمن واقع عليها.

 لذا اعتمد الأسد على قادة علويين ولكن تابعين له بالمطلق أولاً، ومن الذين ينتمون لعائلات لها احترامها في الطائفة، ولكن على مستوى القرية وما دون، ثانياً ليمنع أي فرصة في التجمع حول قيادة جديدة قد تفرزها الطائفة من وجهائها المعروفين، فلا علي حيدر ولا علي دوبا ولا محمد ناصيف ولا محمد الخولي ولا علي أصلان من عائلات كبيرة في الطائفة العلوية، وإنما من الصف الثاني، ومعظمهم أبناء رجال دين في الطائفة، وقد سعى الأسد حثيثاً لإبقاء أبناء الطائفة العلوية علويون، وارتبط العلويون بالهوية السورية والعربية بشكل قوي، ولكن تلك السورية التي تخضع لسلطة الأسد، وعمل الأسد على إبقاء التخلف والجهل والترغيب في دخول الجيش في صفوف العلويين، وحرم العديد من قراهم من الخدمات المعيشية ليدفعهم ليتركوا قراهم ويلتحقوا به بالعاصمة والمدن الكبرى، حيث سلمهم الوزارات والمؤسسات البيروقراطية السيادية، ورغم أن الكثيرين منهم كانوا يسكنون تلك المدن على اعتبار أنها سورية وأنهم سوريون لهم الحق في ذلك، إلا أن نظام الأسد حرص على تعميق الشرخ بينهم وبين سكان المدن، وخاصة الطائفة السنية التي نظرت إليهم نتيجة سياسات النظام في كثير من الأوقات، على أنهم مغتصبون حرموا الكثيرين منهم فرص العمل والحياة في مدينتهم، وأشبه بالمستوطنين منهم بالمواطنين، وخاصة أنه راح يمنحهم تجمعات سكنية خاصة بهم، ولو أن الأمر كان لخلق دورة اجتماعية جديدة في المجتمع السوري، من خلال اندماج البنى الطبيعية للمجتمع السوري مع بعضها لكان الأمر إنجازاً يحسب للأسد، إلا أن غاية النظام كانت على عكس ذلك تماماً، وهذا ما بدت نتائجه واضحة في الثورة السورية.

رعد أطلي.

 

منع التداول بفئة 2000 ليرة موقف سياسي من الحرب النفسية

منع التداول بفئة 2000 ليرة موقف سياسي من الحرب النفسية

 

ارتفعت معدلات التضخم في السوق السورية، منذ بداية الثورة 2011، الأمر الذي دعا حكومة الأسد، إلى اتخاذ إجراءات للحد من هذا التضخم، من خلال إصدار ورقة نقدية من فئة 2000 ليرة في 4/7/2017، ولا تعتبر هذه الخطوة جزء من حل مشكلة التضخم الحاصل، بل تعد مؤشراً عليه، ومعبّراً عن الانهيارات السريعة في العملة السورية أمام سلة العملات الأجنبية، فما عادت العملة من فئة ألف ليرة ذات مفعول اقتصادي، وودعت العملات المعدنية من فئة (1-5-10-25ليرة) الأسواق بشكل شبه نهائي.

وكانت حكومة الأسد، قد طرحت للتداول يوم الأحد الماضي، ورقة نقدية من فئة 2000 ليرة، يظهر عليها صورة بشار الأسد، وقال دريد ضرغام حاكم مصرف سوريا المركزي، في حكومة النظام “إن ورقة النقد فئة 2000 ليرة من بين أوراق نقد جديدة طبعت منذ أعوام، لكن قرار طرحها للتداول تأخر نظراً لظروف الحرب، وتقلبات سعر الصرف، وزيادة اهتراء أوراق النقد الحالية”.

ال 2000 ليرة ليست حلاً للتضخم وإصدارها جاء لأسباب نفسية

قال الخبير الاقتصادي، فادي سعد لفوكس حلب ” إن معدلات التضخم في سوريا، منذ بدء الثورة عام 2011 وهي في حالة تصاعدية، وقد وصلت ذروتها عام 2016 بزيادة 51% عن عام ،2015 بحسب المركز السوري للإحصاء، وبحسب نفس المصدر فان وسطي نسبة التضخم بين 2010-2015، قد ارتفع 510%، ما يشير إلى أن الاقتصاد السوري أصبح بحاجة لمعجزة حتى يعود الى الحياة، لا إلى طباعة فئة نقدية جديدة”.

وتعادل ورقة النقد الجديدة، نحو أربعة دولارات بأسعار الصرف الحالية، في حين سجلت العملة السورية مقابل الدولار 47 ليرة سورية لكل دولار، عام 2011.

ويشرح فادي أسباب إصدار إي دولة لفئة نقدية أكبر تتلخص في  “انخفاض القوة الشرائية للعملات الصغيرة أو انعدامها (سابقا ألغيت الفرنكات ثم الربع والنص رسمياً)، أما غير الملغى رسمياً فقد أصبح ملغى بسبب فقدان قيمته (ليرة- ليرتين)، وخفض المرتجع من التالف من العملة كثيرة التداول، بحسب المستوى العام للأسعار فان هناك فئة أو أكثر من العملة الورقية سريع التلف، بسبب كثرة تداوله، لذلك تسعى  الحكومة، إما إلى اصدار فئة أعلى أو إنتاج نوع ورقي أفضل وأكثر متانة، أو تحويله الى مسكوك (100 ليرة سابقا- 25) وخفض تكاليف الطباعة، لأن تكلفة انتاج الورقي، مساوية لجميع الفئات فإصدار عملة أكبر سيوفر من الطباعة ومساحات التخزين، وقد تصدر الحكومة فئات نقدية كبيرة لغرض التخزين وليس التداول الشعبي، مثل فئة  المليون دولار في أمريكا، وغير المعدة للتداول، وإن كانت تحمل صفة إلزامية بالشراء، و قد تصدر فئات نقدية متموضعة بين فئتين نقديتين (فئة ال20 ريال في السعودية بين ال50 وال10)، وذلك قد يكون لتخفيف العبء عن تداول الفئات الأخرى، ولتسهيل أمور (الفراطة) بين الناس، وأسباب أخرى نفسية كوجود مناسبة، أو ذكرى (الجنيه المصري في قناة السويس) أو ترسيخ صورة أو مشهد معين ليشكل جزء من ذاكرة الشعب”.

أما في الحالة السورية فيقول الخبير الاقتصادي “إن الأسباب النفسية، هي السبب الرئيس لإصدار فئة ال2000 ليرة، وعليها صورة بشار الأسد، في خطوة لزيادة شرعيته من قبل مؤيديه، واستفزاز المناطق التي لا تخضع لسيطرته”.

بيانات لمقاطعة الفئة النقدية الجديدة وعقوبات تصل إلى السجن في حال تداولها:

أصدرت الحكومة السورية المؤقتة، يوم أمس الجمعة، بياناً قالت فيه “بناء على النظام الأساسي للحكومة، وعلى مقتضيات المصلحة العامة يمنع تداول العملة الورقية الجديدة” وكانت بعض المجالس المحلية في ريف حلب (أخترين – دابق- تركمان بارح) قد  سبقت الحكومة المؤقتة، بإصدار بيانات وزعتها على الدكاكين ومحلات الصرافة، تمنع تداول العملة من فئة 2000 ليرة في المناطق الخاضعة لها، وإتلافها في حال وجدت، مع تعرض صاحبها لعقوبة السجن بعد إحالته إلى القضاء.

 

 

وقال خالد الديبو، رئيس المجلس المحلي في أخترين لمراسل فوكس حلب “إن البيان صدر بعد التواصل مع بعض الاقتصاديين في المنطقة، الذين أكدوا لنا أن قبول هذه الفئة، سيؤدي إلى تأكيد سيطرة العصابة الحاكمة، وبسط نفوذها على كامل المناطق المحررة، من خلال التحكم بالاقتصاد، و سحب القطع الأجنبي من المناطق المحررة، وتمويل حربها على الشعب الثائر، كما أن طرح ورقة كلفتها صغيرة بالقياس إلى قوتها الشرائية سيوفر فائضاً مالياً، وبناء عليه تم منع تداولها في المناطق المحررة، وبالاتفاق مع المجلس العسكري بمنطقتنا” وكانت هيئة الاقتصاديين الأحرار، قد أصدرت بياناً، حول موضوع إصدار النظام لفئة جديدة من العملة موضحة مخاطر تداولها.

 

 

وقال محمد أحمد بركات، رئيس المجلس المحلي في تركمان بارح، لمراسل فوكس حلب” إن وجود صورة بشار الأسد على العملة النقدية، وفي ظل هذه الظروف، وتداولها، يعتبر اعترافاً منا بوجوده وشرعيته، وإمعاناً في سياسة الإذلال التي ينتهجها ضد أهالينا في المناطق المحررة”، وأكمل بأنه “سيتم تشكيل لجان لإتلاف هذه الفئة النقدية، مع الأشخاص الذين يتداولونها وتحويلهم إلى القضاء”.

وكان إصدار العملة الجديدة، قد أثار موجة من الخلاف على وسائل التواصل الاجتماعي، بين المؤيدين والمعارضين، ففي حين تفاخر القسم الأول بالصورة على الفئة الجديدة سخر المعارضون منها وألفوا النكات عليها.

هل تؤثر مقاطعة ال2000 على اقتصاد الأسد؟

رأى الخبير الاقتصادي أن “للنقود المصدرة من أي حكومة، قوة إلزامية في الشراء، إذ من غير المنطقي، أن يذهب كل بائع ومشترٍ إلى البنك المركزي، للتأكد من غطاء عملتهم بالدولار، في كل عمليه تجارية، لذلك فإن الدعوة لمقاطعة الفئة الجديدة، هي أحد اشكال التحدي لسلطة الحكومة السورية، ولترسيخ الفصل بين المعارضة والنظام” وأكمل فادي “إن هذا القرار بالمقاطعة، لا يؤثر على الاقتصاد، بل هو موقف سياسي، طالما أن الفئات الأخرى من العملة ما زالت متداولة في هذه المناطق”.