فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

من الغربة إلى سوريا.. عودة أطفال تكشف صعوبات في الكلام والتواصل

رهف ضعيف

بعد سنوات من الإقامة خارج سوريا، بدأت أسر تلاحظ لدى أطفالها تأخراً في الكلام وضعفاً في التواصل والتفاعل وقلة الاستجابة، هذه الصعوبات تربطها أسر بالاستخدام المفرط للشاشات والأجهزة الذكية، ويؤكد مختصون أن أسبابها متعددة، وأن مقارنة الطفل بأقرانه قد تكشف المشكلة أمام الأهل

مهند وآدم وأحمد ثلاثة أطفال تقل أعمارهم عن ثماني سنوات، عادوا إلى سوريا العام الماضي، وبدأت عوائلهم رحلة علاج صعوبات النطق وقلة التفاعل والتواصل الاجتماعي، التي ظهرت أعراضها عليهم بشكل متفاوت، واضطرابات أخرى تواجههم في التعبير عن احتياجاتهم بكلمات واضحة ومفهومة.

تقول والدة مهند، ذو الأربع سنوات، إنه “لم يعد يستجيب لاسمه عندما تناديه، وتراجع تواصله البصري بشكل لافت، ويواجه صعوبة في نطق الكلمات، إضافة إلى أن المفردات التي يلفظها معدودة وهو على هذه الحال منذ كانت العائلة في الإمارات”. شعرت الأم أنها أمام مشكلة لا سيما عندما قارنت أطفالاً في عمر مهند يتحدثون ويتواصلون بكلمات بسيطة ومفهومة، بينما كان ابنها أقل تفاعلاً منهم، ما دفعها للتوجه إلى عيادة متخصصة في صعوبات النطق.

واجه آدم ذو الثماني سنوات، صعوبة في نطق الكلمات مشابهة لمهند، إلا أن مشكلته بدأت من عامه الثاني وتفاقمت بعد سن الرابعة، إذ توقف عن الكلام نهائياً، رغم أنه قبل ذلك كان ينطق كلمات مثل بابا وماما، وبعض المفردات البسيطة.

أمضى آدم ست سنوات من عمره في تركيا، تقول والدته أنه عندما كان في الروضة بعمر الرابعة كوّن صداقات ولعب مع الأطفال وبدت حالته أفضل إلا أنه لم يمضِ عام واحد فيها لظروف خاصة، وهنا واجه آدم صعوبات في نطق الكلمات و تراجعت حالته أكثر.

تقول الأم “لم يعد آدم ينطق، وصار يبكي أو يضحك دون سبب واضح، ولا يستجيب لاسمه، وتراجع تواصله البصري، ولم يعد يستجيب للأوامر البسيطة”، تضيف والدته أنها كانت تلبّي حاجته قبل أن يعبر عنها باللفظ وهو ما تعتقد اليوم أنه ربما أخّر دوافعه للتواصل. وبعد عرضه على عدة أطباء، وسماع آراء وتشخيص مختلف لحالته، تم استبعاد إصابته بطيف التوحد الكامل، مع الإشارة إلى وجود بعض سماته.

أحمد، أربعة أعوام، طفل آخر يعاني إضافة لما يعانيه الطفلين آدم ومهند من انطواء وعصبية وقلة تفاعل مع أفراد العائلة، تقول والدته :”لا أعرف بالضبط ما هي مشكلته فهو لا يتواصل معنا، ولا يتحدث، ويكرر بعض الكلمات الفصحى التي يسمعها من شخصيات أفلام الكرتون”.

عاشت عائلة أحمد في تركيا نحو أربع سنوات ولم يخضع هناك لأي جلسات علاجية، كان يمضي وقتاً طويلاً جداً أمام شاشة الجوال، وبعد عودتهم إلى سوريا، أجرت العائلة فحوصات للطفل، من بينها تقييمات لدى أطباء عصبية و أذنية وطبيب نفسي، واستُبعد إصابته بطيف التوحد الكامل مع بقاء بعض ملامحه، وجاء تقييمه في اللغة الاستقبالية والتعبيرية دون المستوى المتوقع لعمره، ونصحها الأطباء ببدء جلسات تأهيل ودمج مع أطفال آخرين.

تصف والدة أحمد التغيير الذي رأته بعد نحو عشر جلسات في مركز متخصص للنطق واللغة بالـ “مفيد”، إذ بدأ يستجيب لاسمه، وتحّسن تواصله البصري، وأصبح يعبّر بطريقته عن حاجته للطعام أو الشراب أو الذهاب إلى الحمام، بعد أن كان عاجزاً تماماً عن ذلك، تقول : “إن هذا التقدّم ما زال بسيطاً وبطيئاً، لكني أراه بداية جيدة بعد أشهر من الحيرة والقلق”.

يشترك الأطفال الثلاثة بأعراض صعوبات النطق واضطرابات في التواصل والتفاعل الاجتماعي، وفق أخصائية النطق واللغة، ولهان برجس، التي تشرف على حالاتهم في عيادة متخصصة بمدينة الدانا شمالي إدلب.

تقول البرجس، إنها تابعت خلال شهر واحد فقط نحو ست حالات لأطفال قادمين من خارج سوريا، بأعمار متقاربة بين سنتين وست سنوات، جميعهم يشتكون من تأخر في الكلام، وضعف في التواصل.

وتضيف أنه لا يمكن إعادة ذلك لسبب واحد، فبعضهم عاش بعيداً عن أسرته، وآخرون أمضوا ساعات طويلة أمام شاشات الأجهزة الذكية، عوضاً عن اللعب والحديث وممارسة الأنشطة الحركية، إضافة إلى تأخر قسم منهم أصلاً في اكتساب اللغة العربية، فالعودة إلى سوريا لم تكن بالضرورة بداية هذه الصعوبات لكنها جعلتها أكثر وضوحاً أمام بعض الأسر.

وتؤكد البرجس، التي تابعت حالة أحمد عن قرب، أنه تحسّن بشكلٍ واضح في التواصل والاستجابة، فيما يحتاج النطق إلى وقت أطول ومتابعة مستمرة. تقول إنها لاحظت من خلال متابعة حالات أطفال لأسر عادوا إلى سوريا أن استهتارهم بقضاء وقت فعال مع الطفل، إضافة إلى إمضاء أطفالهم ساعات طويلة أمام الشاشات الذكية، ساهم في ضعف التواصل وظهور مشكلات في النطق لدى الأطفال خاصة في سنواتهم الأولى.

تعرّف الجمعية الأمريكية للنطق واللغة والسمع ASHA اضطرابات النطق بأنها صعوبات في إدراك أصوات الكلام أو إنتاجها أو ترتيبها داخل الكلمات. وقد تكون مرتبطة بفقدان السمع أو اضطرابات عصبية وحركية أو تشوهات في الفم والحنك، فيما تبقى بعض الحالات مجهولة السبب. وتوضح الجمعية أن استمرار صعوبة نطق بعض الأصوات بما يتجاوز المتوقع لعمر الطفل، أو صعوبة فهم كلامه، يستدعي تقييماً متخصصاً.

وتضيف الجمعية أن تقييم صعوبات التواصل لا يقتصر على عدد الكلمات التي يقولها الطفل، بل يشمل فهمه للغة وقدرته على استخدامها والتفاعل بها، كما أن الفحص الأولي لا يمثل تشخيصاً بحد ذاته، وإنما يحدد الحاجة إلى تقييم أوسع عند وجود مؤشرات تستدعي ذلك. ويتأثر  التطور اللغوي للطفل بعدة عوامل، من بينها فرص الطفل في الحديث واللعب والتفاعل مع والديه وأقرانه، والسمع والنمو العصبي واللغوي، إلى جانب اختلاف مسار اكتساب اللغة من طفل إلى آخر.

تعتمد آلية العلاج على احتياجات كل طفل، وقد تشمل جلسات علاج النطق واللغة، وتدريبات لتحسين أصوات الكلام والمفردات وتكوين الجمل، إلى جانب أنشطة لتنمية مهارات التواصل الاجتماعي، مثل تبادل الأدوار، وبدء الحوار، وفهم المشاعر والإشارات الاجتماعية. ويعد إشتراك الأسرة في الأنشطة اليومية واللعب والقراءة والتحدث مع الطفل جزءاً مهماً من دعم تطور اللغة والتواصل لديه، بحسب منظمة الصحة العالمية واليونيسف.

و يبدأ التعامل مع حالات صعوبات النطق واضطرابات التواصل لدى الأطفال بتقييم متخصص يحدد طبيعة المشكلة، بما في ذلك فحص السمع وتقييم فهم الطفل للغة وقدرته على التعبير ونطق الأصوات واستخدام اللغة في التفاعل مع الآخرين.

ويفرق الطبيب أحمد عثمان، أخصائي نفسي، بين الاضطراب وطيف التوحد الذي يظهر فيه غياب حقيقي للتواصل البصري وعدم استجابة للنداء وسلوكيات متكررة ويحتفظ الطفل المتأخر في الكلام بابتسامته وتفاعله العاطفي مع من حوله، وبين اضطراب فرط الحركة حيث تكون اللغة متطورة نسبياً، لكن تشتت الانتباه هو ما يمنع الطفل من إكمال الحوار، لا عجزه عن إنتاج اللغة نفسها.

ويوضح أيضاً الفرق بين طفلٍ يتأخر في الكلام وطفلٍ لديه اضطراب أعمق في التواصل، يقول “الطفل المتأخر في الكلام قد يبطئ في نطق الكلمات مقارنة بعمره، لكنه يفهم ما حوله ويتواصل بعينيه ويتفاعل اجتماعياً بشكل طبيعي، بينما يعاني الطفل صاحب اضطراب التواصل من صعوبة أعمق في فهم اللغة أو التعبير عنها أو استخدامها بشكل صحيح مع الآخرين، وهذا ليس واضحاً دائماً للأهل”.

ويؤكد الطبيب عثمان أهمية الحوار الأسري، يقول “حديث الأهل مع طفلهم هو ما يبني مهارات تواصله، وغيابه يحرمه من نموذج حي يتعلم منه. أما الشاشة، فهي نوع من التفاعل باتجاه واحد لا يمنح الطفل فرصة حقيقية لتبادل المشاعر أو الاستجابة”، مشيراً إلى أنه كلما طال عدم استخدام الحوار مبكراً، ارتبط ذلك بتأخر النطق وضعف الانتباه والتواصل الاجتماعي.

ويرى عثمان أن الانتقال بين بيئات وبلدان مختلفة قد يعرّض الطفل لصدمة أو تعدد لغوي مفاجئ، يظهر أحياناً على شكل صمت أو بطء في التكيف، كما حدث مع الطفلين مهند وآدم، ويرى أن هناك إشارات لا يجب تجاهلها من بينها أن الطفل لا يحاول التواصل بالكلام أو حتى بالإشارة وهو في عامه الثاني، أو لا يستجيب لاسمه رغم سلامة سمعه، أو يفقد فجأة كلمات كان قد تعلمها من قبل. محذراً من خطأ شائع يقع فيه كثير من الأهل، وهو الانتظار على أمل أن يتحسن الطفل لوحده  حين يكبر دون تدخل طبي، ما يضيّع وقتاً ثميناً كان يمكن استثماره في التدخل المبكر.

ويشدد عثمان على أن تقييم الطفل العائد إلى سوريا بعد سنوات من الغربة، لا يبدأ من حكم مسبق جاهز بأن الغربة أو قضاء وقت أمام الشاشات الذكية هما السبب، بل من سؤال أبسط وهو متى ظهرت المشكلة فعلاً، قبل الانتقال أم بعده، وكيف كان الحوار داخل البيت، وكم من الوقت يمضي الطفل أمام الشاشة؟.

مهند وآدم وأحمد ضحايا عدم الانتباه إلى العلامات المبكرة  لأسباب تأخر الكلام وضعف التواصل، وربطها تلقائياً بالغربة أو الشاشات أو العودة إلى سوريا التي قد تكون بداية لاكتشاف المشكلة، وفرصة لبدء التدخل الذي تأخر لسنوات، إذ  أظهرت الجلسات المتخصصة تحسناً لدى الأطفال الثلاثة بدرجات متفاوتة، مع أهمية المتابعة والتقييم المتخصص والتفاعل اليومي داخل الأسرة كونها عوامل أساسية في تحديد احتياجات كل طفل ومسار تطوره.