فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

خلف الأبواب المغلقة.. أطفال بين العنف الأسري وثغرات الحماية القانونية

حين يظهر العنف على الشاشة، يغضب الناس وتتحرك السلطات. لكن ماذا يحدث عندما لا يكون هناك هاتف يصوّر، ولا أحد يصرخ في التعليقات؟

تبدأ الحكاية أحياناً من مقطع فيديو قصير لطفل يتعرض للضرب، أو طفلة تُعاقَب بعنف، أو أب يوثّق إساءة ارتكبها بحق ابنته ويرسل التسجيل إلى والدتها للضغط عليها. ينتشر المقطع على وسائل التواصل الاجتماعي، تنهال التعليقات الغاضبة، تتصاعد المطالبات بالمحاسبة، ثم تتحول القصة إلى قضية رأي عام تتدخل فيها السلطات.

في سوريا، خلف كل فيديو يصل إلى الجمهور، قصص أخرى لا تُصوَّر ولا تُنشر، وأطفال يتعرضون للعنف خلف أبواب مغلقة، لا يملك أحد دليلاً مصوراً على تعرضهم للعنف، فهل تكفي القوانين الموجودة لحمايتهم قبل أن يتحول الاعتداء إلى جريمة أو قضية رأي عام؟

أظهرت عدة قضايا تداولها السوريون عبر وسائل التواصل الاجتماعي كيف يمكن لمقطع مصور أن ينقل حادثة عنف من داخل الأسرة إلى المجال العام خلال ساعات. ومع انتشار التسجيلات، يتولى الجمهور أحياناً دوراً غير رسمي في كشف الواقعة، عبر مشاركة المقطع والمطالبة بالتدخل والمحاسبة، قبل أن تتحول القضية إلى ملف تتعامل معه السلطات.

من بين القضايا التي أثارت استنكاراً واسعاً، قضية طفلة سورية في تركيا، بعدما انتشر تسجيل يظهر والدها، وهو يعنف طفلته الصغيرة. وبحسب ما تداولته وسائل إعلام، كان الأب قد سجل المقطع وأرسله إلى والدتها عقب انفصالهما، في محاولة للضغط عليها ودفعها إلى التنازل عن مطالب مرتبطة بالحضانة وحقوقها. وبعد انتشار التسجيل، قدمت الأم المقطع إلى الشرطة، التي أوقفت الأب.

تكشف هذه الواقعة كيف يتحول الطفل من شخص يفترض أن يحظى بالحماية إلى أداة صراع بين البالغين، كما تطرح سؤالاً حول دور المجتمع ووسائل التواصل في كشف الانتهاكات، وحول ما إذا كان الوصول إلى العدالة يتطلب أولاً أن تصبح القصة قضية رأي عام.

“لكن لا تصل كل القصص إلى الإعلام، فكثير من وقائع التعنيف لا يجد ضحاياها من يصورهم” تقول أم لؤي، لقب مستعار لسيدة تعيش في مخيم شمالي سوريا، طلبت إخفاء اسمها الصريح خوفًا من المشاكل التي قد تطالها. ففي المخيم نفسه كثيرًا ما ترى طفلًا اسمه سليم (اسم مستعار أيضًا)، ذو الأعوام الأربعة، واقفًا أمام باب خيمته، يحدق في صفوف الخيام وينادي بصوت مرتفع: “ماما.. ماما”.

تقول إن الطفل لا يدرك أن والدته غادرت المخيم بعد انفصالها عن والده، وانتقلت إلى قرية بعيدة عقب زواجها. يعيش سليم مع شقيقه البالغ من العمر ستة أعوام، إلى جانب والدهما وزوجة أبيهما، التي يتهمها مقربون من الأسرة بتعنيف الطفلين وتعريضهما لأشكال متعددة من الإساءة، بينها الضرب والحرق والحرمان من الطعام، وإجبارهما على الاستحمام بالماء البارد خلال فصل الشتاء.

لم يكن أمام الطفلين سوى الهروب بحثاً عن والدتهما داخل المخيم وخارجه، معرضين نفسيهما لمخاطر جديدة، في وقت يغيب فيه والدهما لفترات طويلة بسبب العمل. قصة سليم وشقيقه لا تحتاج إلى مقطع مصور كي تكشف حجم الخطر. فالطفلان، عوضاً عن أن يجدا الأمان داخل المنزل، يبحثان عنه خارجه.

كما انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي قصصًا لأطفال معنفين وصلت إليهم الحماية بعد فوات الأوان، ففي ريف درعا، أعادت قضية الطفلة، ن. د، النقاش حول حماية الأطفال داخل الأسرة، بعدما توفيت إثر تعرضها لاعتداء جنسي وتعنيف في ظروف غامضة وفق ما تداولته وسائل إعلام.

عاشت “ن” مع والدتها اثني عشر عاماً، قبل أن تنتقل إلى منزل والدها عقب زواج والدتها، بحسب تصريحات الجدة لوسائل إعلام، إلى أن الجدة تقدمت سابقاً بشكاوى بشأن تعرض الطفلة للتعنيف، غير أن تلك الشكاوى لم تؤدِّ إلى إجراءات حالت دون استمرار تعرضها للخطر.

في قصة “ن” لم تسهم ظهور مؤشرات الخطر الأولى بإنقاذها، وعقب انتشار الحادثة ارتفعت أصوات تؤكد أن الحماية الحقيقية للطفل لا تقاس فقط بقدرة السلطات على معاقبة المعتدي بعد وقوع الجريمة، إنما بقدرتها على التدخل عندما تظهر أولى إشارات الخطر، ومنع تحول العنف إلى أذى دائم أو جريمة قاتلة.

تعيد قضية “ن” كذلك النقاش حول المادة 185 من قانون العقوبات السوري، وما تتيحه من استخدام وسائل التأديب ضمن حدود العرف، وما إذا كانت هذه الصياغة تضع حداً واضحاً بين التأديب والعنف الذي يستوجب تدخل السلطات.

على الورق، تبدو حماية الطفل حقاً واضحاً، فقانون حقوق الطفل السوري رقم 21 لعام 2021 ينص على حق الطفل في الحماية من جميع أشكال العنف والإساءة والإهمال، ويلزم الجهات المختصة باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية اللازمة لحمايته، كما يجعل المصلحة الفضلى للطفل أساسًا في الإجراءات والقرارات المتعلقة به.

كما أن سوريا صادقت عام 1993 على اتفاقية حقوق الطفل، التي تلزم الدول بحماية الأطفال من جميع أشكال العنف أو الإساءة أو الإهمال أثناء وجودهم في رعاية الوالدين أو أي شخص يتولى رعايتهم.

وبحسب موقع محاماة نت فإن قانون العقوبات السوري لا يتضمن نصاً مستقلاً يجرّم العنف الأسري بوصفه جريمة قائمة بذاتها، وإنما تعالج الاعتداءات داخل الأسرة وفق النصوص العامة المتعلقة بالإيذاء. وهو ما يفتح نقاشاً قانونياً حول مدى ملاءمة هذه النصوص لخصوصية العنف الأسري، وقدرتها على توفير حماية وقائية وسريعة للأطفال المعرضين للخطر.

تؤكد الملاحظات الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل بشأن تنفيذ الاتفاقية أهمية تعزيز التدابير التشريعية والمؤسسية لحماية الأطفال من جميع أشكال العنف، وتطوير آليات فعالة للإبلاغ والاستجابة، وضمان حصول الأطفال الضحايا على الحماية والدعم في الوقت المناسب.

هذه القصة جزء من واقع اجتماعي وإنساني أكثر اتساعاً فملايين الأطفال في سوريا بحاجة لخدمات متنوعة. فوفق تقرير اليونيسف السنوي عن سوريا لعام 2025، يحتاج نحو 7,5 مليون طفل في البلاد إلى مساعدات إنسانية. وفي العام نفسه، وصلت خدمات حماية الطفل التي قدمتها اليونيسف وشركاؤها إلى 918,484 طفلًا، بينهم 178,965 طفلاً تلقوا خدمات للدعم النفسي والاجتماعي المجتمعي، فيما استفاد 14,768 طفلاً من خدمات إدارة الحالات الفردية.

الأرقام لا تقيس وحدها حجم العنف الأسري، لكنها تكشف اتساع الحاجة إلى خدمات حماية متخصصة في بلد يواجه فيه الأطفال مخاطر متراكمة، تبدأ من الفقر والنزوح وتصل إلى العنف داخل الأسرة وغيرها من التحديات.

وعالمياً، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ما يصل إلى مليار طفل بين عامين و17 عاماً تعرضوا خلال العام السابق للعنف الجسدي أو الجنسي أو العاطفي أو للإهمال. وتوضح المنظمة أن إساءة معاملة الأطفال، بما فيها العقاب العنيف والإهمال، تحدث في كثير من الحالات على يد الوالدين أو مقدمي الرعاية، وغالباً داخل المنزل.

العنف ضد الأطفال لا يرتبط دائماً بالفقر أو الضغط النفسي أو أساليب التربية القائمة على الضرب. ففي بعض النزاعات الأسرية، يتحول الطفل نفسه إلى وسيلة للضغط والانتقام بين الوالدين، ولا سيما بعد الانفصال حين تصبح قضايا الولاية والحضانة والنفقة أكثر من مسائل قانونية تخص البالغين، إذ يمكن أن تنعكس نتائجها مباشرة على أمن الطفل واستقراره.

ويرى مختصون وحقوقيون أن التعامل مع تعنيف الأطفال باعتباره شأناً عائلياً أو وسيلة للتأديب قد يؤدي إلى تقليص فرص الإبلاغ وتأخير تدخل الجهات المختصة، بما يسمح باستمرار العنف وتفاقم آثاره.

يشير المحامي والخبير في حقوق الإنسان، حسين خاروفة، إلى أن المشكلة لا ترتبط بتطبيق القانون وحده، وإنما تمتد أيضاً إلى بعض النصوص القانونية وطريقة تفسيرها، ويرى أن فعالية القانون تقاس بقدرته على ردع من ينتهك حقوق الطفل، مشيراً إلى أن بعض الانتهاكات لا تواجه، برأيه، بعقوبات تتناسب مع خطورتها.

ويؤكد خاروفة أن الإطار القانوني الحاكم لحماية الطفل يتطلب الاستناد المباشر والدقيق إلى التشريعات النافذة بدلًا من الاكتفاء بالإحالة العامة، إذ تضمن المواد 1-12-14 من قانون حماية الطفل لعام  2021 حق الطفل الأصيل في الحماية من العنف بكل صوره، وتلزم الدولة بتوفير أطر الحماية الرادعة الشاملة لضمان أمنه وسلامته.

وإذا كان مقطع فيديو قاد إلى توقيف أب، وإذا كانت قضية أخرى تحولت إلى رأي عام، فماذا عن آلاف الحالات التي لا تصل إلى الكاميرا ولا إلى وسائل التواصل الاجتماعي؟

الأخصائي النفسي، بايرم جمعة، يرى أن غياب الحماية القانونية الفعالة وضعف آليات التدخل والإبلاغ يسهمان في استمرار العنف داخل الأسرة، إذ قد يشعر المعتدي بغياب المساءلة، بينما يفقد الطفل ثقته بالبيئة التي يفترض أن تمنحه الأمان.

ويشير إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للعنف قد يعيشون حالة مستمرة من الخوف والقلق، تنعكس على نموهم النفسي وقدرتهم على التعلم وبناء العلاقات الاجتماعية، وقد تظهر في صورة اضطرابات في النوم أو انسحاب اجتماعي أو سلوك عدواني.

وفي الحالة السورية، تتضاعف هذه الآثار بفعل سنوات الحرب والنزوح والفقر والصدمات المتراكمة، إلى جانب تراجع الخدمات التعليمية والنفسية والاجتماعية، ما يجعل بعض الأطفال أكثر عرضة للخطر وأقل قدرة على الوصول إلى خدمات الحماية والدعم. 

وتوفر اليونيسف في سوريا خريطة محدثة لخدمات حماية الطفل، تتضمن جهات وخدمات يمكن للأسر والأطفال الوصول إليها بحسب المحافظة، إضافة إلى خط للاستفسارات والملاحظات. وتشمل منظومة حماية الطفل التي تدعمها اليونيسف خدمات الاستجابة للعنف والإساءة والإهمال، وإدارة الحالات، والدعم النفسي والاجتماعي والإحالة إلى الخدمات المتخصصة.

وقد ظهرت مبادرات مجتمعية تدفع باتجاه مراجعة بعض التشريعات المرتبطة بالطفل والأسرة، من بينها مبادرة “أولادي من حقي” التي أطلقتها ناشطات وحقوقيات بهدف الدفع نحو تعديلات قانونية تستند إلى مبدأ المصلحة الفضلى للطفل.

تقول يافا نواف، إحدى منسقات المبادرة شارحة: “شملت المبادرة جلسات حوارية مع أمهات متضررات، وحملات توعية، ولقاءات تشاورية مع مختصين وصناع قرار، انتهت إلى توصيات تتعلق بتعزيز دور القضاء في تغليب مصلحة الطفل، والنظر في الولاية المشتركة بين الوالدين، وعدم إسقاط حضانة الأم تلقائياً عند زواجها، وضمان نفقة عادلة للأطفال”.

وقد أعلنت وزارة العدل السورية إعداد مشروع قانون لمكافحة العنف الأسري، يهدف، بحسب ما أعلنته الوزارة، إلى بناء منظومة تقوم على الوقاية والحماية والمحاسبة، ويتضمن استحداث جهات شرطية وقضائية متخصصة بقضايا العنف الأسري وتشديد العقوبات بحق مرتكبيها، مع إيلاء حماية الأطفال أولوية ضمن الإصلاحات المقترحة.

في النهاية، تكشف قصص الأطفال المنتشرة أن المشكلة لا تبدأ عند اللحظة التي ينتشر فيها الفيديو، ولا تنتهي عند توقيف المعتدي. الفيديو قد يكون جرس إنذار، وقد يدفع الجمهور إلى التحرك، وقد يجبر السلطات على الاستجابة عندما تتحول الواقعة إلى قضية رأي عام. لكنه لا يمكن أن يكون نظام حماية بحد ذاته.

فكثير من  الأطفال لا يملكون هاتفاً يصوّر ما يحدث، كذلك قصة الأم أو الجدة التي تبلغ ولا تجد استجابة كافية لتحديد جزء من المشكلة، لذلك طالب ناشطون وحقوقيون بضرورة أن تبدأ الحماية قبل أن تصبح القصة “ترنداً”، من تشريعات واضحة لا تترك مساحة لتبرير العنف باسم التأديب، وآليات إبلاغ آمنة وسهلة، واستجابة سريعة عند ظهور مؤشرات الخطر، ومؤسسات قادرة على التدخل، وخدمات نفسية واجتماعية متاحة، وقضاء يضع المصلحة الفضلى للطفل فوق صراعات الكبار.