داخل إحدى القاعات في مدينة عفرين، توزعت الطاولات المستديرة، بينما انهمكت المشاركات في نقاشات يتبادلن فيها الآراء حول سبل تعزيز التواصل والتماسك المجتمعي في منطقة ما تزال تتعافى من آثار سنوات الصراع والنزوح.
على جدران القاعة، عُلقت عبارات تدعو إلى الحوار والتعاون، فيما افتتح المدرب الجلسة بسؤال “كيف يمكن أن نبني مجتمعاً أكثر تماسكاً؟”. ساد الصمت للحظات، قبل أن تتحول الإجابات إلى قصص وتجارب شخصية، عكست تحديات عاشتها المشاركات ورغبة في فهم الآخر.
لم تكن الجلسة نشاطاً منفرداً، بل جزءاً من برنامج أوسع تتخذ فيه مشاركة النساء أشكالاً متعددة، من تعلم مهارات الحوار والتيسير، إلى تطوير الثقة بالنفس والعمل الجماعي، وصولاً إلى تنفيذ أنشطة مرتبطة باحتياجات المجتمع المحلي.
وتأتي هذه الجهود في وقت تشهد فيه عفرين عودة تدريجية لعدد من أبنائها المهجّرين. ففي 16 تموز، عادت الدفعة الأخيرة من أهالي المنطقة الذين كانوا يقيمون في محافظة الحسكة ومناطق شرق الفرات، وضمت نحو ألف عائلة، ضمن الجهود الرامية إلى إعادة المهجّرين إلى مناطقهم الأصلية. ومع عودة الأسر، لا تتعلق أسئلة الاستقرار بتأمين المسكن والخدمات وسبل العيش فقط، بل تمتد إلى قدرة المجتمع على استعادة علاقاته ومساحات التعاون والثقة بين أفراده.
في هذا السياق، تنفذ منظمة سِكَك، بالشراكة مع فرق محلية، مبادرات تركز على النساء بوصفهن طرفاً فاعلاً في الحياة المجتمعية. ومن بين هذه المبادرات “جسور عفرين –اللعب يجمعنا”، التي ينفذها فريق خطوة، وتتضمن تدريباً حول “مهارات تيسير الحوار المجتمعي” ضمن برنامج “قائدات التغيير”.
ويهدف التدريب إلى بناء كوادر نسائية قادرة على قيادة التغيير، من خلال تزويد المشاركات بأدوات الحوار الفعال والتيسير المجتمعي، بما يساعدهن على العمل مع الأطفال والأسر وقيادة أنشطة تسعى إلى بناء جسور الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة.
يقول فريق خطوة إن مهارات تيسير الحوار لا تقتصر على الجانب التقني، بل تساعد على فتح قنوات للتواصل وتحويل الاختلاف إلى فرصة للتفاهم والتقارب، خصوصاً في المجتمعات التي تحتاج إلى استعادة الثقة وتعزيز الشعور بالانتماء المشترك.
أما اختيار المشاركات في المبادرات، فاعتمد في بعض الأنشطة على معايير تراعي الفئة العمرية والمستوى التعليمي والقدرة على القراءة والكتابة، مع عدم التمييز بين المقيمات والنازحات أو بين مختلف المكونات الاجتماعية. كما جرى اختيار المستفيدات بما يضمن تنوعاً اجتماعياً ومناطقياً، بهدف إتاحة مساحة تجمع نساء من تجارب وخلفيات مختلفة.
ولم تتوقف الأنشطة عند التدريب المباشر، إذ اعتمدت إحدى المبادرات أسلوب “تعلم الأقران”، من خلال اختيار خمس مشاركات أظهرن التزاماً وتفاعلاً خلال التدريب، ليتولين لاحقاً نقل ما تعلمنه إلى مجموعات جديدة. وتستهدف هذه الطريقة توسيع دائرة الاستفادة، بحيث لا تبقى المعرفة محصورة في المجموعة الأولى من المشاركات.
وتأخذ المشاركة النسائية مساراً آخر ضمن مبادرة “المرأة هي الحياة”، التي نفذتها جمعية آذار الشبابي بالتعاون مع منظمة سِكَك ومنظمة (WHH) الألمانية. ركزت المبادرة على تطوير مهارات التواصل الفعال وتعزيز الثقة بالنفس من خلال أنشطة عملية وتمارين تفاعلية أتاحت للمشاركات التعبير عن أفكارهن ومناقشة تجاربهن.
وتناولت الجلسة دور المرأة كشريك في تنمية المجتمع ومشاركتها في صنع القرار، انطلاقاً من فكرة أن تعزيز حضور النساء لا يرتبط فقط بتطوير مهاراتهن الفردية، بل بقدرتهن على استخدام هذه المهارات في المجال العام وفي التعامل مع القضايا التي تمس حياتهن ومجتمعهن.
تقول أم محمد، إحدى المشاركات، إنها تعرفت إلى المبادرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت دوافعها مرتبطة بالرغبة في التعلم المستمر واكتساب خبرات جديدة. وترى أن الجلسات وفرت مساحة للحوار وتبادل الآراء، وأسهمت في تعزيز ثقتها بنفسها وإدراكها لأهمية التعاون والعمل الجماعي.
وتضيف أن عفرين تحتاج إلى مزيد من المبادرات التي تشجع على احترام الآخر والعمل بروح الفريق، بعيداً عن المصالح الفردية، معربة عن رغبتها في المشاركة في مبادرات مماثلة مستقبلاً لما توفره من معرفة وخبرة وفرص للتطوير.
أما ريفان خليل، فقد انضمت إليها بدافع اهتمامها بالعمل التطوعي. تقول إن التدريبات عرّفتها بأساليب الحوار بين مختلف فئات المجتمع، ورسخت لديها أهمية الثقة والعمل الجماعي. وكانت جلسات العمل ضمن مجموعات لإعداد مقترحات لمشاريع صغيرة من أكثر الأنشطة تأثيراً بها، إذ أتاحت لها، بحسب قولها، فرصة للتعاون مع أخريات والتفكير في حلول يمكن تطبيقها على مستوى المجتمع.
وترى خليل أن عفرين بحاجة إلى مزيد من المبادرات والتدريبات التي تعزز التواصل وترفع وعي النساء بحقوقهن ودورهن في المجتمع، معتبرة أن هذه المساحات تمنح المشاركات فرصة لاكتساب مهارات يمكن توظيفها خارج إطار التدريب.
أما انتصار محمد، إحدى المستفيدات من مبادرة “المرأة هي الحياة”، فقد جاءت مشاركتها بهدف تطوير مهاراتها والتعرف إلى تجارب نساء أخريات. وتقول إن الجلسات ساعدتها على تنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي وتعزيز ثقتها بنفسها.
وكانت الأنشطة التي اعتمدت على مناقشة مشكلات اجتماعية واقتراح حلول لها من خلال الحوار والوساطة الأكثر تأثيراً بالنسبة لها، لأنها أتاحت للمشاركات الانتقال من الحديث عن المشكلات إلى التفكير في طرق التعامل معها.
وتعتقد انتصار أن مثل هذه المبادرات يمكن أن تساعد على تجاوز الأحكام المسبقة وتقريب وجهات النظر بين مكونات المجتمع، لأن الحوار المباشر يمنح المشاركين فرصة للاستماع إلى تجارب بعضهم البعض وفهمها.
لكن تجربة مشاركة النساء لم تبقَ محصورة في قاعات التدريب. ففي ريف عفرين، شاركت 20 امرأة على مدى شهر في مبادرة “هي تنظف، والحياة تجري”، التي نفذها فريق القلب الأبيض. ركزت المبادرة على تنظيف عدد من قنوات الري في مناطق كفرشيل وستارو ومعراته وبابليت، وفق نظام “النقد مقابل العمل”، بهدف تحسين تدفق المياه ورفع كفاءة الري في الأراضي الزراعية.
وبينما كان الهدف المباشر مرتبطاً بالمياه والزراعة، اتخذت المبادرة بعداً اجتماعياً أيضاً. فقد أتاحت فترة العمل المشترك للنساء فرصة للتعارف وتبادل الأحاديث حول العادات والتقاليد والقيم المشتركة، وساعدت، وفق الفريق المنفذ، على توثيق الروابط بين المشاركات وتعزيز التعاون بينهن.
وهنا تتسع صورة المشاركة النسائية من جديد، فإلى جانب امرأة تتعلم إدارة الحوار، وأخرى تطور قدرتها على التعبير والمشاركة، هناك مجموعة تعمل في الميدان على قضية مرتبطة مباشرة بحياة الأسر ومصادر رزقها. وتلتقي التجارب الثلاث في تحويل المشاركة من حضور في نشاط إلى دور عملي داخل المجتمع.
من جهته، قال محمود العلي، منسق جمعية خطوة، إن المبادرات تستهدف دعم النساء المقيمات والنازحات في مجال بناء السلام من خلال أنشطة تعزز الحوار والتعايش، مع الحرص على ضمان التنوع العرقي والديني والمناطقي بين المستفيدين.
وأوضح أن البرنامج تضمن ورشات تدريبية وأنشطة تفاعلية ومبادرات مجتمعية ويوماً مفتوحاً للحوار، مشيراً إلى أن إحدى أبرز الصعوبات تمثلت في الوصول إلى بعض الفئات المستهدفة. ويرى العلي أن مشاركة النساء والشباب تشكل ركيزة أساسية في جهود بناء السلام، نظراً إلى دورهم في تعزيز الاستقرار والمشاركة المجتمعية، لافتاً إلى أن إتاحة المجال أمامهم للمشاركة في معالجة القضايا المحلية يمكن أن يوسع دائرة التأثير خارج إطار المبادرات نفسها.
ويقول يوسف حمدوش، ممثل جمعية القلب الأبيض الإنسانية، إن الهدف من المبادرات يتمثل في المساهمة في بناء سلام مستدام داخل المجتمع المحلي من خلال تعزيز الحوار والحد من خطاب الكراهية وترسيخ ثقافة التعايش بين مختلف مكوناته.
وأشار إلى أن الجمعية تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والشباب وذوو الإعاقة، عبر تدريبات وجلسات حوارية وحملات توعوية، موضحاً أن الأنشطة تسعى إلى تعزيز العلاقات الإيجابية ورفع مستوى المشاركة المجتمعية، رغم التحديات التي ترافق تنفيذ بعضها.
لا تبدو المبادرات الثلاث متشابهة في أدواتها، فإحداها تبدأ من الحوار، والثانية من تطوير الثقة والقدرة على التعبير، والثالثة من عمل جماعي يرتبط مباشرة بالزراعة والمياه. لكن اختلاف الأدوات يكشف في الوقت نفسه اتساع مفهوم المشاركة، بحيث لا يعود بناء التماسك مقتصراً على النقاشات والورشات، بل يصبح مرتبطاً بأنشطة تمس الحياة اليومية للسكان.
ومع عودة الأسر المهجّرة إلى عفرين، تبدو عملية التعافي أوسع من مجرد العودة إلى المنازل. فإعادة الاستقرار تتطلب أيضاً استعادة مساحات التفاعل وبناء علاقات جديدة أو ترميم علاقات تضررت بفعل سنوات من النزوح والصراع.
تحاول المبادرات المحلية توفير مساحات تبدأ من التفاصيل الصغيرة، وقد تبدو هذه الخطوات محدودة أمام حجم التحديات، لكنها تمنح النساء مساحة أكبر للحضور والمشاركة، وتضع العمل المشترك في محاولة أوسع لبناء الثقة وتعزيز التماسك داخل المجتمع.
من السؤال الذي افتتح به المدرب الجلسة: “كيف يمكن أن نبني مجتمعاً أكثر تماسكاً؟”، تبدو الإجابات هنا موزعة بين القاعة والميدان، بعضها يبدأ بالكلمة والاستماع، وبعضها بالعمل الجماعي، لكنها تلتقي عند محاولة جعل النساء شريكات في صياغة الإجابة، لا مجرد متلقّيات لها.
