فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مشاريع تخرج كليات الهندسة في جامعة حلب.. التكلفة ترسم حدود الفكرة

فاطمة الحاج أحمد

عندما تحدد تكلفة مشروع التخرج فكرته، يخرح عن كونه اختباراً للمعرفة وحدها. في جامعة حلب، يروي طلاب الهندسة كيف أعادت الأعباء المالية رسم حدود أحلامهم ومشاريعهم

بعد أن أمضت أشهرًا بتصميم الروبوت البشري وتجميع أجزائه، جلست دلع إبراهيم، بمحاذاة رأس الروبوت تراقب ملامحه وتبدأ بمحاكاة تعابير الوجه البشرية، لتختبر أداءه قبل عرضه على لجنة مناقشة مشاريع التخرج. لكن مع كل قطعة جديدة كانت تضيفها إلى المشروع، كانت تضيف رقماً جديداً إلى فاتورة تنفيذه. ومع وصول التكلفة إلى نحو 2200 دولار، بدأت تتخلى تدريجياً عن بعض الأفكار التي كانت تطمح إلى تنفيذها.

تقول دلع، الطالبة في قسم هندسة الميكاترونيكس بجامعة حلب: “إن أصعب ما واجهته لم يكن برمجة الروبوت أو تجميع مكوناته، بل تأمين تكاليف تطويره”. دلع واحدة من طلاب الكليات الهندسية الذين يتوجب عليهم اختيار مشروع تخرج يترجم ما تعلموه خلال سنوات الدراسة، ويقع على عاتقهم تحمّل نفقاته في ظل غياب دعم مالي مباشر وارتفاع تكاليف التجهيزات والمعدات.

تختلف متطلبات مشاريع التخرج للكليات الهندسية باختلاف الاختصاص وطبيعة المشروع، وتُعدّ شرطاً أساسياً لنيل الإجازة الجامعية في مختلف التخصصات، إذ تهدف إلى قياس قدرة الطالب على توظيف معارفه النظرية في تطبيق عملي يعالج مشكلة هندسية أو يقدم حلاً قابلاً للتطوير.

غير أن تنفيذ هذه المشاريع، ولا سيما تلك التي تعتمد على الروبوتات أو الأنظمة الذكية أو النماذج الميكانيكية، يتطلب تجهيزات ومكونات متخصصة قد تتجاوز تكلفة بعضها قدرة الطلاب وأسرهم. ما يفرض عليهم إعادة النظر في أفكارهم أو تقليصها أو التخلي عن مشاريع أكثر طموحاً أو إشراك زملاء لتقاسم النفقات.

تنفرد جامعة حلب بين الجامعات الحكومية  السورية باحتضانها اختصاصات هندسة نوعية، مثل هندسة الطيران في كلية الهندسة الميكانيكية، وهندسة التقانات الحيوية في كلية الهندسة التقنية. وتطرح الكليات الهندسية مطلع كل عام دراسي مجموعة من محاور مشاريع التخرج، ليختار الطلاب منها أو يطوروها بالتنسيق مع المشرفين الأكاديميين.

وتبدو هذه التحديات أكثر وضوحاً في مشاريع تخصص هندسة الميكاترونيكس التي تتطلب تجهيزات وتقنيات متخصصة ترفع من تكلفة تنفيذها، وهو ما واجهته الطالبة دلع أثناء تنفيذ مشروع تخرجها.

اختارت دلع مشروعاً يتمثل في تطوير رأس روبوت بشري يحمل اسم (ADA Limited Head)، قادر على محاكاة التقلصات العضلية في الوجه والتعرف على المشاعر البشرية.

تقول دلع لفوكس حلب إنّ تكلفة المشروع التي بلغت حتى الآن نحو 2200 دولار، معظمها خٌصص لشراء المحركات وقطع الطباعة اللازمة لتنفيذه، مشيرة إلى أن المشروع ما يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير، الأمر الذي يتطلب تمويلاً إضافياً لا يتوفر حالياً.

وتوضح أنّ عائلتها تكفلت بتغطية كامل تكاليف المشروع، إلا أنّ العبء المالي انعكس على إمكانية تطويره بالشكل الذي كانت تطمح إليه، فقد كانت لديها أفكار إضافية لتوسيع قدرات المشروع وتحسين أدائه، لكنها اصطدمت بغياب التمويل اللازم لمتابعة العمل عليه.

وعلى الرغم من أنّها لم تضطر إلى إشراك طلاب آخرين لتقاسم النفقات، ترى دلع بأنّ محدودية الإمكانات المتاحة داخل الجامعة تشكل تحدّياً إضافياً أمام الطلاب، فبعض التجهيزات الضرورية لم تكن متاحة أو كانت خارج الخدمة خلال فترة تنفيذ المشروع، بحسب قولها.

تحتاج مشاريع تخصصات الروبوتات والميكاترونيكس، وفقاً للطالبة دلع، إلى مخابر مجهزة وموارد تقنية متخصصة تساعد الطلاب على تحويل أفكارهم إلى نماذج عملية، معتبرة أن نقص هذه الإمكانات يحول أحياناً دون استكمال المشاريع أو تطويرها.

ولم يختلف الحال كثيراً بالنسبة لمحمد ريحاوي، الطالب في المعهد التقاني الهندسي للكهرباء والميكانيك، الذي وجد أن التحدي الأكبر في مشروع تخرجه لم يكن تصميم لوحة تحكم لتشغيل محرك كهربائي، وإنما تأمين تكلفتها.

يقول محمد إنّ تكلفة المشروع بلغت نحو 400 دولار، وهو مبلغ يصعب على كثير من الطلاب تحمله بمفردهم، ما دفعه إلى تنفيذ المشروع ضمن مجموعة مؤلفة من أربعة طلاب لتقاسم النفقات، فالعامل المادي بالنسبة لمحمد لم يؤثر فقط في آلية تنفيذ المشروع، بل في اختيار فكرته أساساً.

ويكشف محمد أنّ مشروعه الحالي لم يكن خياره الأول، إذ كان يطمح إلى تنفيذ مشروع يعتمد على توليد الكهرباء من النفايات، إلا أنّه اضطر للتخلي عنها بسبب تكلفتها المرتفعة، إذ قد يحتاج تنفيذ نموذج أولي بسيط منها ما بين 1500 و2000 دولار.

ويرى محمد أن ارتفاع تكاليف مشاريع التخرج يدفع طلاب إلى إشراك زملاء إضافيين في المشروع لأسباب مالية أكثر منها أكاديمية، الأمر الذي قد ينعكس على توزيع الجهد بين أعضاء المجموعة، ويشير إلى أن بعض الطلاب يتحملون الجزء الأكبر من العمل والتصميم، بينما يكتفي آخرون بالمشاركة الشكلية مقابل المساهمة في تغطية التكاليف.

وعن دور الجامعة أكد ريحاوي أنها لا تقدم دعماً مالياً مباشراً لمشاريع التخرج، لافتاً إلى أن دور المشرفين الأكاديميين يقتصر غالباً على تقديم المشورة الفنية والأكاديمية، ويقترح إنشاء صندوق دعم أو برنامج تمويل مخصص لمشاريع التخرج لمساعدة الطلاب غير القادرين على تغطية نفقاتها وتمكينهم من تنفيذ أفكارهم دون أن تشكل التكلفة عائقاً أمام تخرجهم، يقول: “هناك الكثير من المشاريع الضخمة والمفيدة للبلد لكن تكلفتها العالية تمنع الطلاب من تنفيذها”.

ولا يقتصر تأثير العامل المادي على طريقة تنفيذ مشاريع التخرج أو تطويرها، بل يمتد في بعض الأحيان إلى طبيعة المشروع نفسه قبل أن يبدأ. فبعض الطلاب يفضلون الاتجاه إلى مشاريع تعتمد على دراسات وأبحاث علمية، ليس لأنها الخيار الأكاديمي الأسهل، وإنما لأنها تتطلب نفقات أقل مقارنة بالمشاريع التطبيقية التي تحتاج إلى أجهزة ومعدات وقطع تقنية مرتفعة الثمن، ورغم أن هذا النوع من المشاريع يفرض تحديات من نوع آخر، أبرزها صعوبة الوصول إلى المراجع العلمية المتخصصة، إلا أنه يكون بالنسبة لكثير من الطلاب خياراً أكثر واقعية في ظل الإمكانات المادية المتاحة.

الطالبة آية نشّاب من قسم التقانات الحيوية، اختارت هذا النوع من المشاريع بإعداد دراسة علمية تناولت “متلازمة أنجلمان”، وهي اضطراب وراثي عصبي نادر، موضحة أن طبيعة المشروع البحثية كانت أحد الأسباب التي دفعتها إلى اختياره.

انخفاض تكلفة المشروع لا يعني غياب التحديات، وفقاً لآية، إذ واجهت صعوبة في العثور على مراجع ودراسات علمية متخصصة تتناول موضوع بحثها، إلى جانب ارتفاع بعض التكاليف المرتبطة بإعداد المشروع، والتأخر في إنجازه نتيجة الحاجة إلى استكمال التعديلات المطلوبة. تقول: “إنّ تكلفة مشاريع التخرج لا ترتبط بالاختصاص وحده، بل تختلف أيضاً بحسب متطلبات كل مشروع سواء من حيث التجهيزات أو أسلوب العرض أو المواد المستخدمة”.

وفي تصريح لفوكس حلب، أقرّ المكتب الإعلامي لجامعة حلب بأن الجامعة لم تتمكن خلال السنوات الأخيرة من المساهمة في تغطية أي جزء من مشاريع التخرج بسبب محدودية الموارد، مؤكداً أنّ اعتماد الطلاب على تمويل مشاريعهم ذاتياً انعكس بشكل مباشر على مستوى الابتكار.

وأوضح أن العديد من الأفكار والمشاريع المتميزة لم ترَ النور لغياب التمويل الكافي، فيما يقتصر الدعم الذي توفره الجامعة في معظم الحالات على إتاحة بعض التجهيزات والمخابر لاختبار المشاريع، وهو دعم لا يلبي احتياجات الطلاب بالشكل الكافي.

وأشار المكتب الإعلامي إلى أن ظاهرة زيادة عدد أعضاء المشروع لتقاسم التكاليف ليست واسعة الانتشار، لكنها لا تؤثر في آلية تقييم المشروع، نظراً لإدراك أعضاء الهيئة التدريسية للظروف التي يواجهها الطلاب أثناء التنفيذ.

ورأى المكتب الإعلامي أن تجاوز هذه التحديات يتطلب إنشاء حاضنة تكنولوجية ترافق المشاريع المبتكرة منذ مرحلة الفكرة وحتى التنفيذ والتسويق، إلى جانب توفير مصادر للرعاية والتمويل تسهم في تحويل مشاريع التخرج الواعدة إلى مشاريع قابلة للتطوير والاستثمار.

وتكشف قصص طلاب الكليات الهندسية في جامعة حلب أنّ مشروع التخرج لم يعد اختباراً للمعرفة والمهارة الهندسية فحسب، بل أصبح في كثير الأحيان اختباراً لقدرة الطالب على تمويل فكرته.

ورغم اختلاف تخصصاتهم وأفكار مشاريعهم، يلتقي كثير منهم عند تحدٍّ واحد يتمثل في تأمين تكلفة تحويل أفكارهم إلى نماذج قابلة للتنفيذ، وبين مشاريع تُختصر وأخرى تُنفذ ضمن مجموعات لتقاسم النفقات، وثالثة تتوقف عند حدود النموذج الأولي، تتراجع بعض الأفكار المبتكرة ليس لغياب الإبداع أو الطموح، وإنما لغياب الإمكانات التي تساعدها على الخروج إلى النور.

وبينما يرى الطلاب أن التمويل بات عاملاً يرسم حدود كثير من مشاريع التخرج، تؤكد جامعة حلب أن توفير بيئة حاضنة ورعاية وتمويل مناسب يمكن أن يمنح هذه المشاريع فرصة حقيقية لتتحول من مطلب أكاديمي إلى مشاريع قابلة للتطوير والاستثمار.