فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

هندسة العمارة في جامعة حلب.. العمل شرط للاستمرار في الدراسة

متطّلبات دراسة هندسة العمارة كثيرة، يضطر كثير من الطلاب للعمل من أجل تأمينها فينعكس ذلك على مستواهم التعليمي، بينما تواجههم مشكلات أخرى، تتعلّق بتوفّر الكوادر وجودتها، لا يستطيعون تغييرها

اختار محمد الأحمد دراسة هندسة العمارة في جامعة حلب، القسم الذي لطالما أحب، آملاً في أن يتخرج مهندساً يترك بصمة في عالم البناء والتصميم. لكن الشغف وحده لم يكن كافياً لمتابعة هذا الطريق.

مع بداية الدراسة، فوجئ الأحمد بحجم المتطلبات التقنية اللازمة، من برامج هندسية متخصصة إلى حاسوب محمول قادر على تشغيلها. متطلبات لم يكن من السهل تأمينها لطالب لا يملك مصدر دخل ثابت.

اضطر محمد للعمل بدوام جزئي إلى جانب دراسته ليتمكن من شراء الحاسوب وتأمين البرامج الضرورية، إضافة إلى مصاريفه اليومية التي يحتاجها أي طالب، من أجور النقل إلى القرطاسية والطعام والشراب.

لكن التحديات لم تتوقف عند هذا الحد. كان الأحمد واحداً من بين نحو 590 طالباً قُبلوا في الدفعة الثانية من كلية العمارة، بعد دفعة أولى قارب عدد طلابها 700. هذا العدد الكبير كشف عن مشكلة أخرى لم تكن بالحسبان، وهي عدم كفاية الكادر التدريسي لمتابعة هذا الكم من الطلبة.

انعكس ذلك مباشرة على العملية التعليمية، إذ تقلص الوقت المخصص لمناقشة مشاريع الطلاب وتصحيحها، ولم يعد كثير من الطلبة يحصلون على الملاحظات الكافية لتطوير أعمالهم.

ومع ازدياد الأعداد تحولت بعض المواد العملية إلى دروس نظرية، بينما تراجعت الأنشطة التطبيقية التي تُعد جزءاً أساسياً من دراسة العمارة. يقول محمد “لم نعد نزور مواقع البناء بسبب صعوبة تأمين حافلات تستوعب كل هذه الأعداد من الطلاب”. ويضيف أن بعض المواد التقنية، مثل برامج الحاسوب الهندسية، تُدرَّس أحياناً من قبل مدرسين غير مختصين مباشرة بالمجال، ما يدفع الطلاب إلى الاعتماد بشكل كبير على التعلم الذاتي.

تجربة محمد ليست وحيدة. فكثير من طلاب الكليات العلمية يضطرون للعمل لتأمين متطلبات الدراسة، وهو ما يضعهم تحت ضغط مستمر بين حضور المحاضرات والعمل والمشاريع.

يقول محمد “في كثير من الأيام أخرج من الجامعة مباشرة إلى العمل، وعند المساء أحاول تصميم بعض المشاريع المطلوبة، لكن التعب يغلبني فأغفو، ثم أستيقظ صباحاً مسرعاً للحاق بالمحاضرات”. تكررت هذه الحالة مرات عديدة، حتى أنه في أحد الأيام عاد مرهقاً إلى المنزل ونام فوراً، ليستيقظ متأخراً ويفوته امتحان إحدى المواد المهمة.

العمل إلى جانب الدراسة لم يؤثر فقط على التحصيل العلمي، بل امتد أيضاً إلى الحياة الاجتماعية. يقول محمد “ضيق الوقت جعلني أبتعد تدريجياً عن محيطي الاجتماعي، فلم أعد أجد وقتاً كافياً للجلوس مع زملائي أو زيارة أقاربي كما كنت أفعل سابقاً. ويضيف “دائماً أشعر أنني أركض خلف الوقت”.

كل هذا الجهد، كما يقول، يذهب في النهاية لتأمين ثمن الحاسوب المحمول الذي أصبح أداة أساسية لا يمكن لطالب العمارة الاستغناء عنها في تصميم وتسليم المشاريع. ويرى أن هذه المشكلة لا تقتصر على طلاب العمارة فقط، بل تشمل معظم طلاب الأفرع العلمية، خاصة أولئك الذين يحتاجون أيضاً إلى التدريب في المخابر.

يقول رئيس جامعة حلب محمد أسامة رعدون لـ فوكس حلب “هناك نقص في بعض التجهيزات المخبرية المتقدمة، خاصة في الكليات التطبيقية والعلمية التي تعتمد على تقنيات حديثة”. ويوضح أن “هذا النقص يعود إلى تراكمات السنوات الماضية وما رافقها من تحديات وظروف استثنائية، إلا أن جزءاً كبيراً من المخابر ما يزال يعمل ويؤدي دوره مع جهود مستمرة للتحديث والتأهيل”.

التدريب العملي عنصر أساسي في بناء الكفاءة الأكاديمية والمهنية للطلاب، كما يقول “رعدون” وأي ضعف في البيئة التطبيقية قد ينعكس على جاهزية الخريجين لسوق العمل”. كما يشير إلى أن “الجامعة تعمل على تعويض النقص عبر بدائل متعددة، مثل التدريب الميداني في المؤسسات الشريكة وتفعيل المخابر البحثية القائمة وتعزيز التعاون مع القطاعين العام والخاص لدعم الجانب العملي في التعليم”.

و يوضح في سياق حديثه أن “أسباب النقص تعود إلى عوامل متعددة، أبرزها الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال السنوات الماضية وصعوبة تأمين بعض الأجهزة المتطورة بسبب تكلفتها العالية أو القيود المرتبطة بالاستيراد، إضافة إلى الضغط الكبير الناتج عن الأعداد الطلابية المرتفعة مقارنة بالإمكانات المتاحة”.

وبحسب رئيس الجامعة فإنهم يعملون على خطة تدريجية لإعادة تأهيل وتحديث المخابر، تركّز على ترميم المخابر المتضررة وصيانتها وتزويد الكليات بأجهزة حديثة وفق أولويات محددة، إضافة إلى توسيع الشراكات مع الجامعات والمؤسسات الصناعية والطبية وإدخال تقنيات المحاكاة والتدريب الافتراضي في بعض الاختصاصات.

ويؤكد أن هذه الخطوات تأتي ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز جودة التعليم وربط مخرجاته باحتياجات المجتمع وسوق العمل. كما أشار إلى أن العمل مستمر أيضاً على تعزيز التدريب الميداني الإلزامي في المؤسسات الإنتاجية والخدمية واستقطاب مشاريع دعم وتجهيز من جهات وطنية ودولية، إلى جانب تشجيع البحث العلمي التطبيقي الذي يساهم في تطوير البنية المخبرية وإشراك الكفاءات الأكاديمية والخبراء في وضع خطط تطوير مستدامة للتعليم الجامعي.