يتشارك سعيد طالب، شابُ من درعا يدرس في كلية الهندسة الكهربائية بجامعة حلب، غرفة في الوحدة 11 بالسكن الجامعي مع أربعة من زملائه، تتوزع فيها خمسة أسرّة حديدية متهالكة، يواجهون تحديات يومية اعتادوا عليها منذ سنوات.
معظم المرافق الصحية في الوحدة 11 لم تعد صالحة للاستخدام، حالها حال بقية الوحدات السكنية، مياه تتسرب من الأسقف، نصف الحمامات خارج الخدمة، فيما يحتاج النصف الآخر إلى صيانة عاجلة.
تدهور واقع الوحدات السكنية في جامعة حلب عامًا بعد عام، وازدادت أوضاعها سوءًا بعد كارثة الزلزال 2023، والتي كشفت هشاشة الأبنية ورداءة الخدمات. ومع توافد الزملاء الجدد إلى الوحدات المكتظة أصلًا، يجد الطلاب أنفسهم أمام تحديات يومية في ظل غياب الخدمات الأساسية والمرافق الصحية الملائمة.
تتوزع في السكن الجامعي على مساحة واسعة عشرون وحدة سكنية تستقبل طلابًا وطالباتٍ قدموا من جميع المحافظات، خُصصت ثلاث منها لطلاب الدراسات العليا والإدارة والوفود، حظيت وحدتان منهما حديثاً بترميم وصيانة من قبل الهيئة العامة للمدينة الجامعية.
يضم السكن الجامعي ثماني وحدات سكنية للطالبات، ومثلها للطلاب، ووحدة خاصة للممرضات، إضافة إلى ثلاث وحدات مخصصة لطلاب وطالبات الدراسات العليا والوفود والإدارة. كما يحوي السكن على حدائق وكافيهات ومرافق صحية وكتل تعليمية ومواقف للسيارات، غير أن معظم البنى التحتية والمرافق الخدمية تحتاج لإصلاح وصيانة وترميم.
يصف سعيد حال سكنه في الوحدة قائلاً: “منذ عامين أعيش مع أربعة طلاب آخرين في هذه الغرفة، اعتدنا على رؤية جدران الحمامات المتشققة، تنبعث منها رائحة العفن، والمياه المتسربة من التمديدات الصحية، والحشرات الصغيرة تتكاثر في الزوايا كأنها جزء من المكان”.

يشير بيده نحو المطبخ قائلاً: “هنا تختلط الروائح وتتعفن الأطباق، وغالبًا لا نطبخ بسبب سوء النظافة وغياب التهوية”. يضيف: “عدد من زملائي غادروا السكن بسبب سوء الأوضاع بحثًا عن قدر من الراحة، أما أنا وغيري مضطرون للبقاء، فلا طاقة لنا على تحمّل تكاليف الإيجار والسكن في الخارج”.
واقعٍ يعيشه ويعرفه معظم طلاب الجامعة، إذ تتجاوز أجور السكن مليونًا ونصف المليون ليرة سورية شهريًا، في حين لا تتعدى رسوم السكن الجامعي السنوية مئة ألف ليرة، وهو ما يجعل خيار المغادرة خارج تفكير كثير الطلاب.
أمضيتُ ليلة كاملة في إحدى غرف السكن الجامعي برفقة أحد أصدقائي، لم أستطع النوم من رائحة الحمامات التي تملأ المكان وتخنق الأنفاس. مساحة الغرفة لا تتجاوز ثلاثة أمتار طولًا ومترين ونصف المتر عرضًا، يقطنها أربعة طلاب إلى جانب صديقي.
الرطوبة أزالت الطلاء القديم عن الجدران، و المروحة الصغيرة المركونة في الزاوية لا تزيد المكان إلا ضجيجًا، بينما تتراكم الأغراض والملابس في زاوية أخرى تكاد تخنق المساحة الضيقة أصلًا.
انتظرت أكثر من ربع ساعة للدخول إلى الحمام الوحيد الصالح للاستخدام، فالبقية خارج الخدمة منذ سنوات طويلة. حاولت مرارًا تدوين الملاحظات عمّا أراه، لكن ضيق المكان وصوت المراوح المرتفعة وأحاديث الغرف المجاورة كانت تشتتني في كل مرة. تساءلت حينها: كيف يمكن لهؤلاء الشباب أن يدرسوا أو حتى يناموا وسط هذا الضجيج؟
يصف سعيد إحساسه بضيق المكان داخل الغرف الصغيرة بأنه أكبر عائق أمام الدراسة، مؤكدًا أن غياب التهوية والازدحام الدائم يجعلان التركيز شبه مستحيل، وأن كثيرين يضطرون للدراسة في الخارج أو في قاعات الكليات هربًا من ضغط الغرف.
يوسف، طالب في كلية الآداب، قسم اللغة العربية، ينحدر من إدلب ويقيم في السكن منذ عامين، كان شريكي في الحديث عند تنقلي بين الغرف. جلس يوسف على حافة سريره المعدني وهو يشرح أن “في وحدته ثلاث حمامات معطلة وواحدة فقط تعمل، وهذا يسبب أزمة حقيقية، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء حين يزداد الضغط على المرافق ويصعب الانتظار طويلًا في الطوابير”.

النظافة في السكن الجامعي مشكلة لا تنتهي، وحتى نشر الملابس النظيفة تحوّل إلى معركة يومية في مواجهة ضيق المساحة والرطوبة. يضيف يوسف: “نشكو يوميًا من الازدحام الشديد داخل الوحدات السكنية، ولا أدري كيف ستتمكن الجامعة هذا العام من استقبال آلاف الطلاب الجدد، ونحن بالكاد نجد لأنفسنا مكانًا نتحرك فيه”.
محمد الجلخي، مدير الهيئة العامة للمدينة الجامعية في حلب، قال إن إدارة المدينة أنهت أخيراً عمليات ترميم وصيانة في الوحدتين، ضمن خطة شاملة لتحسين الواقع الخدمي والسكني للطلاب.
شملت أعمال الترميم طلاء الجدران وتركيب الأبواب والنوافذ وإصلاح المرافق الصحية والغرف السكنية، وذلك بالتعاون مع عدد من منظمات المجتمع المدني، من بينها منظمة مداد ومنظمة الرواد.
أضاف الجلخي: “منذ أكثر من عشر سنوات لم تشهد المدينة الجامعية أي عملية ترميم شاملة، كما أن الزلزال الأخير تسبب بتصدع العديد من الأبنية. نحن نعمل ضمن الإمكانيات المتاحة لتحسين الخدمات وتوفير بيئة سكنية أفضل للطلاب”.
إلى جانب جهود الجامعة، تدخلت بعض المنظمات التعليمية للمساهمة في تحسين الواقع الخدمي داخل المدينة الجامعية. يقول حسان سعيد، من منظمة مداد: “عملنا على ترميم الوحدتين 16 و20 بشكل كامل، بدءًا من الغرف والممرات وصولًا إلى المرافق الصحية، كما جهزنا مستوصفًا طبيًا في الوحدة 14 لتقديم الخدمات الصحية الأولية للطلاب”.
ورغم هذه المبادرات، لا يزال حجم الحاجة كبيرًا، فمن أصل عشرين وحدة سكنية لم تُرمم سوى وحدتين فقط، وكل منهما تضم نحو 250 غرفة يسكنها ما بين ألف إلى ألف ومئتي طالب، بمعدل أربعة إلى خمسة طلاب في الغرفة الواحدة.
يقول محمد الجلخي: “نطمح إلى جعل السكن الجامعي نموذجًا يحتذى به، عبر خفض عدد الطلاب في الغرفة الواحدة من أربعة إلى اثنين، وبناء كتل سكنية جديدة توفر بيئة تعليمية وصحية أفضل”.
ذات صلة:
إهمال أم تقصير.. توفير خدمات لذوي الاحتياجات الخاصة في جامعة إدلب
كلية الإعلام بجامعة حلب الحرة بين الدمج والبقاء.. طلاب على مفترق طرق
أتقدم للامتحان أم لا.. الخوف يقطع الطريق إلى جامعة اللاذقية
داخل الوحدات المخصصة للطالبات، تبدو التحديات أكثر حساسية. تسكن نحو 9600 طالبة في ثماني وحدات سكنية، موزعات على مختلف الكليات. تقول سلاف النشمي، طالبة في كلية الاقتصاد في سنتها الثانية: “تتسرب المياه من أسقف الوحدات، حالة الحمامات سيئة، كما أن الازدحام داخل الغرف يخلق توترًا دائمًا بين الطالبات”.
توضح سلاف أن عملية الفرز لا تراع أحيانًا التوافق الشخصي بين المقيمات، مما يولد خلافات ومطالبات مستمرة بتبديل الغرف. وتضيف: “هناك غرف تضم ست طالبات، وهذا يفوق استيعاب الغرفة، نحتاج فقط إلى مساحة نتنفس فيها بهدوء”.

مدير المكتب الإعلامي في جامعة حلب، يوسف خرفان، أعلن إطلاق تطبيق إلكتروني مطور خاص بالسكن الجامعي يسمح التطبيق للطلاب بالتسجيل ومتابعة شؤونهم السكنية إلكترونيًا، إضافة إلى تقديم الشكاوى والمقترحات، واستقبال إشعارات فورية بخصوص التوزيع والمغادرة.
يقول إن “الجامعة تعمل بالتعاون مع الهيئة العامة والمنظمات المدنية لتطوير المدينة الجامعية تدريجيًا، بحيث تصبح نموذجًا يحتذى به يمكن تطبيقه في باقي الجامعات السورية”.
المدينة الجامعية في حلب ليست مجرد أبنية إسمنتية، بل تمثل ذاكرة جماعية لآلاف الشباب السوريين الذين مرّوا من هنا حاملين دفاترهم وأحلامهم. غير أن التحديات اليومية من انقطاع الكهرباء، واهتراء المرافق، وضيق المساحات تجعل من السكن الجامعي في مدينة حلب عبئًا أكثر منه مصدر استقرار.
تحمل الغرف الصغيرة في السكن ذكريات لا تُنسى للطلاب. تقول إحدى الطالبات: “رغم الازدحام، كانت أيامنا جميلة. الغرف التي لم تكن تكفينا، كنا نفرش الكتب على الأسرّة ونركز على الدراسة، وبعد لحظات تتحول إلى جلسة دردشة وضحك. لكل واحدة خصوصية تحاول الحفاظ عليها. سرعان ما تنتهي أمام جلسات القهوة الطويلة، وأحاديث الليل”.
يواصل طلاب السكن الجامعي في حلب صراعهم اليومي بين قاعات الدراسة وغرف السكن، محاولين التكيف مع الواقع الصعب والمرافق المهترئة، بينما تواصل الجامعة والمنظمات جهودها لتحسين واقع المدينة الجامعية، حيث يصبح السكن مكانًا للاستقرار والدراسة.
