فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

تحت أشجار التين.. موسم يتساقط قبل أوانه في ريف إدلب

أميمة محمد

تساقطت أعداد كبيرة من ثمار التين قبل نضوجها في بساتين ريف إدلب، ما أثار قلق المزارعين مع اقتراب موسم القطاف، وسط تساؤلات حول الأسباب وهل يمكن تداركها

تغطي عشرات حبات التين المتساقطة الأرض تحت الأشجار في حقل مرعي الأطرش، من قرية معرة الصين جنوبي إدلب، بينما لا تزال أغصانها تحمل ثمارًا لم تنضج بعد. يتوقف المزارع الخمسيني بين الأشجار، ينظر إلى الثمار المتناثرة ثم يقول: ” لم أعتد رؤية هذا المشهد في مواسم سابقة، حتى قبل النزوح”.

عاد الأطرش إلى أرضه بعد سنوات من التهجير، وقضى الأشهر الماضية في حراثتها والعناية بأشجارها أملًا باستعادة مصدر رزقه. لكن تساقط ثمار التين قبل نضوجها بدد جزءًا من توقعاته للموسم، إذ يقدّر أن نحو 40 في المئة من الثمار سقطت حتى الآن، وهي نسبة يرجح أن ترتفع قريبًا.

لا تقتصر مشكلة تساقط الثمار قبل نضوجها على بستان مرعي الأطرش، إذ يؤكد مزارعون من مناطق مختلفة في ريف إدلب أنهم يلاحظون تساقطًا غير معتاد لثمار التين هذا الموسم، وقد تداول ناشطون صورًا ومنشورات توعوية تظهر ثمار تين غير ناضجة تفترش الأرض. في حين تتباين التفسيرات بين تأثير الظروف الجوية وضعف الأشجار نتيجة الإهمال خلال الأعوام الماضية، أو مشكلات تتعلق بعملية التلقيح.

يمتلك الأطرش أرضًا مساحتها 25 دونم تقريبًا، تحوي نحو250 شجرة تين وبعض أشجار الزيتون. لم يوفر جهدًا إلا وبذله منذ عودته إلى القرية، يحرث الأرض في أوقات الحراثة ويقتلع الأعشاب الضارة بشكل دوري عند نموها قرب جذور الأشجار ويعتني بمواعيد التسميد ورش المبيدات الحشرية. 

ورغم تتويب الأطرش لأشجاره ليضمن تلقيحها، إلا أنه لم يلحظ فرقًا بين الأشجار التي لقحت وتلك التي لم تُلقح ، فجميعها شهدت تساقطًا متقاربًا للثمار. ويرجح أن يكون السبب مرتبطًا بغزارة الأمطار هذا العام، التي دفعت الأشجار إلى إنتاج فروع جديدة قوية استهلكت جزءًا كبيرًا من غذائها على حساب الثمار.

ويستند في تقديره إلى مقارنة مع الموسم الماضي، حين لم يجرِ كثير من المزارعين، ومن بينهم هو، عملية التتويب، ورغم ذلك لم تسجل الأشجار حالات تساقط مماثلة. يقول: “إن نمو الأغصان كان محدودًا آنذاك، بينما وصل طول الفروع الجديدة هذا الموسم في بعض الأشجار إلى نحو متر”.

تتباين تفسيرات مزارعين متضررين لأسباب تساقط الثمار غير الناضجة، إذ يرجع بعضهم المشكلة إلى الظروف الجوية التي شهدها الموسم، ولا سيما غزارة الأمطار وما تبعها من نمو قوي للأشجار.

بينما يرجع آخرون السبب إلى ضعف عملية التلقيح، متهمين بعض الباعة بطرح ثمار “التوب” في الأسواق قبل اكتمال نضجها للاستفادة من ارتفاع أسعارها، ما حال دون خروج الحشرة التي تنقل حبوب اللقاح إلى أشجار التين.

ويُعرف “التوب” كما يسميه المزارعون، بأنه ثمار شجرة التين البري المستخدمة في تلقيح أشجار التين المزروعة. تُجمع ثمار التوب وتُضم بخيوط وتعلق على الأغصان، فتخرج منها حشرة صغيرة تنتقل إلى الثمار وتتم عملية التلقيح. يُباع التوب بالثمرة الواحدة، وقد ارتفع سعرها هذا الموسم إلى نحو خمس ليرات تركية، بعدما كانت تباع العام الماضي بليرة واحدة فقط.

يعدّ التين من أبرز المحاصيل الزراعية في ريف إدلب، ولا سيما في كفرنبل وحزارين ومعرة حرمة وقرى جبل الزاوية، ويبدأ موسم قطافه مطلع آب ويستمر حتى أيلول. وتشتهر المنطقة بزراعة أصناف متعددة، أبرزها السلطاني، والسوادي، والصفراوي، والأحمر، والعمري. ويباع جزء من المحصول طازجًا في الأسواق خلال الموسم، بينما يُجفف القسم الأكبر ويُسوّق محليًا أو يُصدر إلى خارج البلاد، ما يمنحه قيمة اقتصادية مهمة بالنسبة للمزارعين.

وبحسب تقديرات وزارة الزراعة السورية قبل عام 2018، بلغت مساحة الأراضي المزروعة بالتين نحو 128 ألف هكتار، ضمت قرابة 13 مليون شجرة، بإنتاج سنوي وصل إلى نحو 75 ألف طن. إلا أن سنوات النزوح والإهمال التي شهدتها مناطق واسعة من ريف إدلب أثرت على البساتين، وتسببت بضعف عدد كبير من الأشجار.

المهندس الزراعي خالد الطويل، يرجع السبب الرئيس لتساقط ثمار التين هذا الموسم إلى ضعف الأشجار الذي تراكم خلال سنوات النزوح، بعدما تُركت البساتين من دون حراثة أو ري أو تقليم أو عناية دورية، كما تعرض كثير منها للحرق، ما أفقد الأشجار جزءًا كبيرًا من مخزونها الغذائي وأضعف قدرتها على الاحتفاظ بثمارها.

ويضيف أن ضعف التلقيح أسهم أيضًا في تفاقم الظاهرة، إذ لم يتمكن كثير من المزارعين من إجراء عملية “التتويب” لتلقيح أشجار التين الأنثى، بسبب استمرار نزوح قسم منهم، إضافة إلى تناقص أشجار “التوب” التي يعتمدون عليها في التلقيح، بعدما تيبس كثير منها أو احترق أو توقف عن إنتاج الثمار.

ولا يستبعد الطويل تأثير الظروف الجوية، لكنه يراها عاملًا مساعدًا أكثر منها السبب الرئيس. ويوضح أن وفرة الأمطار خلال الشتاء الماضي دفعت الأشجار إلى إنتاج نموات خضرية قوية حملت أعدادًا كبيرة من الثمار، إلا أن الأشجار الضعيفة لم تتمكن من تغذيتها جميعًا، فبدأت بالتخلص من جزء منها.

ويشير إلى أن تساقط نسبة من الثمار يعد ظاهرة طبيعية في أشجار التين، إلا أن نسبته ترتفع عندما تكون الأشجار ضعيفة أو غير ملقحة جيدًا، وقد تتجاوز نصف الثمار في بعض الحالات، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم الإنتاج. أما الأشجار القوية التي تلقت تلقيحًا جيدًا، فتكون نسبة التساقط فيها محدودة، وقد لا تسجل أي فقدان يُذكر.

ينحني عبد الفتاح العبد الله، الملقب بـ أبو عبدالله، 50 عامًا، وهو مزارع من بلدة معرة حرمة، ليتفقد الثمار المتساقطة تحت شجرتي التين في أرضه. يقلب بعضها بيده قبل أن يقول: “لم أتوقع أن أرى هذا المنظر إطلاقًا. كانت هاتان الشجرتان توفران فاكهة الصيف لعائلتي ولعائلات إخوتي الخمس، فثمارهما لا تصلح للتجفيف، وإنما تؤكل طازجة”.

يعتمد أبو عبد الله في تلقيح شجرتيه على شجرة “التوب” المجاورة، ما يغنيه عادة عن شراء ثمار التوب وتعليقها على الأشجار. لكنه يعتقد أن ارتفاع أسعار “التوب” هذا الموسم دفع بعض المارة إلى قطف ثمارها قبل نضجها، ما أثر في عملية التلقيح.

ما يزال أبو عبدالله في مخيمات دير حسان، ومع ذلك يحرص على زيارة أرضه بين الحين والآخر، متفقدًا أشجاره إلى جانب منزله المدمر، على أمل أن تتحسن ظروفه المادية ويتمكن من العودة واستصلاح منزله والاستقرار مجددًا بالقرب من أرضه.

وبحكم خبرته الممتدة في زراعة التين، يرى أبو عبد الله أن تدارك خسائر الموسم الحالي لم يعد ممكنًا، لأن المشكلة لا ترتبط بمرض يمكن علاجه، وإنما بضعف عام أصاب الأشجار خلال سنوات الإهمال. ويقول إن الأشجار فقدت جزءًا كبيرًا من مخزونها الغذائي خلال فترة النزوح، ولن تستعيد عافيتها في موسم واحد، بل تحتاج إلى عدة سنوات من العناية المنتظمة.

ويؤكد أن تحسين إنتاج الأشجار في المواسم المقبلة يبدأ بالاهتمام بها من الآن، من خلال حراثة الأرض وتعشيبها، وتقليم الأشجار وإزالة الأغصان الضعيفة أو اليابسة والمكسورة، والإبقاء على الأفرع الفتية، إلى جانب التسميد والري في فترات الجفاف، والحرص على إجراء عملية “التتويب”. ويعتقد أن الانتظام في هذه الأعمال كفيل بمساعدة الأشجار على استعادة قوتها والحفاظ على إنتاجها في السنوات المقبلة.

خيب موسم التين هذا الموسم آمال المزارعين فالثمار غير الناضجة المتساقطة تحت الأشجار لا تبشر بمنتج جيد يعوض خساراتهم خلال سنوات النزوح رغم سعيهم خلال العامين الماضيين لإعادة إحياء أراضيهم بعد تعرضها للجفاف والتيبس والتحطيب أثناء سيطرة نظام الأسد.