تمسك زهرة، 35 عاماً، من بلدة معرة حرمة جنوبي إدلب، فأساً بيد وتسحب طفلها ذي الأعوام الثلاثة باليد الأخرى. تسير بين شتول البندورة التي زرعتها قبل أكثر من شهر، تنحني لتردم التراب حولها خشية من أن تقتلعها الرياح. تخبرنا أن هذا العمل محاولة جديدة لتأمين جزء من احتياجات أسرتها بعد سنوات النزوح وخسارة مصدر رزقها الأساسي. تقول: “رجعنا من النزوح وبلشنا من الصفر”.
عادت زهرة وعائلتها إلى قريتهم بعد سقوط نظام الأسد، لتجد أشجار الزيتون التي كانت تعتمد عليها الأسرة مقطوعة، فيما تضررت شجيرات الكرمة بفعل الإهمال والجفاف خلال سنوات الحرب. كان الخيار الوحيد أمام زهرة، استثمار قطعة الأرض القريبة من المنزل بزراعة البندورة واللوبياء والبامية والقرع لتأمين جزء من الغذاء وتقليل النفقات في ظل ارتفاع الأسعار.
لا يختلف حال زهرة عن حال عائلات في ريف إدلب الجنوبي، والتي اتجهت للاعتماد على الزراعات الصيفية البعلية، المعروفة محلياً باسم “المقاتي”، بعد أن كانت الأشجار المثمرة تشكل العمود الفقري للاقتصاد الزراعي في المنطقة.
قبل سنوات الحرب، كانت محافظة إدلب تضم نحو 13 مليون شجرة زيتون مزروعة على مساحة تقارب 128 ألف هكتار، بإنتاج سنوي بلغ نحو 75 ألف طن. كما بلغ عدد أشجار التين نحو 882 ألف شجرة، في حين قُدّر عدد أشجار الفستق الحلبي بنحو 1.6 مليون شجرة.
لكن سنوات الحرب والنزوح تركت آثاراً عميقة على هذا القطاع، وبحسب تقديرات ميدانية لوزارة الزراعة، تعرض الغطاء الشجري في المناطق التي شهدت سيطرة قوات نظام الأسد بين عامي 2019 و2024 لأضرار واسعة، وتجاوزت نسبة قطع وتحطيب الأشجار المثمرة 80 إلى 90 بالمئة في عدة بلدات وقرى، ما أدى إلى خسارة جزء كبير من الثروة الشجرية والإنتاج الزراعي وتحول مساحات واسعة من الأراضي إلى مناطق شبه خالية من الغطاء النباتي.
في بلدة التح، جنوبي إدلب، يقف عطا علي الإبراهيم أمام أرضه التي كانت تضم عشرات أشجار الزيتون والفستق الحلبي. يستيقظ مع بزوغ الفجر كل صباح حاملاً مقص التقليم، يتفقد ما تبقى من الأشجار ويسقيها.
عاد عطا مع عائلته من رحلة نزوح في الشمال السوري عقب سقوط نظام الأسد ليجد منزله مدمراً، وأشجار الزيتون والفستق الحلبي في أرضه مقطوعة بشكل شبه كامل. يقول: “حاولنا التخلص من الجذور المحروقة أو قص الأغصان المتفحمة، وسقاية ما نجا منها. بعضها بدأت البراعم تنبت فيها من جديد”.
يمتلك عطا عشرين دونماً من الأرض، نصفها كان مزروعاً بالأشجار. يقول إن نحو خمسين شجرة فستق حلبي وعشرين شجرة زيتون قُطعت من أرضه، مضيفاً أن خسارته تبقى أقل من خسائر كثير من جيرانه الذين فقدوا بساتين كاملة.
لم يتمكن عطا حتى الآن من إعادة تشجير أرضه بسبب ارتفاع أسعار الغراس، موضحاً أن سعر شتلة الفستق الحلبي الواحدة يصل إلى نحو 25 دولاراً، وهو مبلغ يفوق قدرته. لذلك اتجه إلى أصناف أرخص ثمناً لا يتجاوز سعر الواحدة منها دولارين أو ثلاثة دولارت، لكنها تحتاج سنوات طويلة قبل أن تدخل مرحلة الإنتاج، ويشير إلى أهمية التفات وزارة الزراعة لاحتياج المزارعين الذين فقدوا أشجارهم ومواسمهم الزراعية أو إمدادهم بالبذار كسلفة لاستثمار الأرض.
يواظب الرجل الخمسيني على حراثة الأرض التي زرع فيها البندورة والكوسا والقرع والبطيخ والعجور، مستفيداً من موسم مطري جيد ساعد التربة على الاحتفاظ برطوبتها. في “المقتاي” يحرك التربة حول الشتول ويقتلع الأعشاب البرية مثل “الغبيرة والمديدة” كي تبقى الأرض نظيفة وخالية مما يعيق نمو النباتات التي زرعها بمساعدة زوجته على شكل خطوط متوازية ومتقاربة.
ترتبط الزراعات الموسمية في “المقاتي” بذاكرة أهالي المنطقة، الذين يفضلون الزراعة البعلية التي تعتمد على مياه الأمطار، إذ لا تحتاج إلا إلى سقاية أولى عند غرس الشتول أو البذور، ثم تتطلب اهتماماً دورياً لمتابعة “الركاش”، وهو تقليب التربة والحفر حول النبتة، والتفريد حتى تصل النباتات إلى مرحلة الإزهار والإنتاج مع بداية الصيف. وفي حال كانت الأرض بعيدة عن المنزل، ينصب صاحبها كوخاً صغيراً للحراسة ومراقبة المحصول وحمايته من السرقة أو من الرعي الجائر.
ورغم أهمية هذه الزراعات في تأمين الغذاء وتخفيف الأعباء المعيشية، فإن المزارعين يؤكدون أنها لا تشكل بديلًا اقتصادياً حقيقياً عن الأشجار المثمرة التي فقدوها. فمردود المقاتي يبقى محدودًا ويقتصر غالبًا على الاستهلاك المنزلي أو بيع كميات بسيطة في الأسواق المحلية، بينما كانت مواسم الزيتون والفستق الحلبي تؤمن دخلاً سنوياً قادراً على سداد الديون وتغطية احتياجات الأسر الأساسية.
يشير عدد من المزارعين إلى أن تنكة زيت زيتون واحدة كانت تباع في الموسم الماضي بين 85 و 95 دولار، لكن عائد الزراعات الصيفية الحالية في “المقاتي” ضعيف جداً. يقول عطا: “هذا العام زرعت نحو ثلاث دونمات لتأمين احتياجات أسرتي من الخضروات، وأجّرت باقي الأرض بمبلغ زهيد لأنني لا أستطيع شراء البذار وتحمل تكاليف الحراثة. هناك أولويات أهم من الزراعة حالياً، مثل إعادة بناء المنزل وتأمين النوافذ والأبواب، فسنوات النزوح استنزفت كل ما نملك”.
ولا تقتصر البدائل الزراعية على “المقاتي” وحدها، إذ اتجه بعض المزارعين إلى زراعة العصفر باعتباره محصولاً قليل التكلفة ويوفر فرص عمل موسمية للنساء والفتيات.
في قرية ترملا، تتنقل أثينات، 19 عاماً، بين نباتات العصفر، تقطف الثمار وتضعها في كيس قماشي ربطته حول خصرها. تقول إن هذه هي المرة الأولى التي تعمل فيها في هذا المجال، بعد عودة عائلتها من النزوح.
توضح والدتها أن عدداً متزايداً من نساء وفتيات القرية بدأن العمل بالأجرة في قطاف العصفر، ضمن ورشات موسمية توفر دخلاً يساعد الأسر على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة. واليوم، ومع عودة الأهالي إلى قراهم، عادت الزراعات الصيفية إلى الحقول بوصفها وسيلة للبقاء أكثر منها مشروعاً اقتصادياً مربحاً.
وبينما تنمو شتول البندورة والقرع والعصفر في الأراضي التي كانت تعج بأشجار الزيتون والتين والفستق الحلبي، يدرك المزارعون أن الطريق نحو استعادة بساتينهم ما يزال طويلاً، وأن ما يزرعونه اليوم لا يعوض خسائر الأمس بقدر ما يساعدهم على الصمود بانتظار مواسم أفضل.
