عادت الآمال إلى المزارعين في ريف إدلب، واتجهوا نحو زراعات موسمية كانوا قد عزفوا عنها خلال سنوات الجفاف. هطول الأمطار أنعش التربة وآمال المزارعين معاً، وفتح الباب أمام مواسم يعوّل عليها الفلاحون لتحسين واقعهم المعيشي في منطقة تعتمد بشكل أساسي على الزراعة.
البطاطا والفاصولياء والخيار والقرنبيط والملفوف والخس والبقوليات، من أهم المحاصيل الموسمية التي بدأت تعود لريف إدلب، بسبب الهطولات المطرية التي لم يشهدها الشمال السوري منذ سنوات.
يقول إبراهيم العمر، وهو مزارع من قرية الشيخ مصطفى بريف إدلب الجنوبي، لفوكس حلب إن الموسم الحالي أعاد الأمل للمزارعين بعد أعوام من الجفاف والخسائر التي طالت الزراعة، موضحاً أن وفرة الأمطار أسهمت في ري الأرض بشكل كامل، وشجعته على زراعة أرضه التي تبلغ مساحتها 20 دونماً. يخطّط العمر لزراعة الفول والبازلاء والبقوليات، كما خصّص نحو نصف مساحة الأرض للخس والفجل والبقدونس والجرجير. يضيف أن هذه الأصناف كان قد استغنى عن زراعتها آخر ثلاث سنوات بسبب الجفاف وحاجتها للماء.
كشفت أرقام وبيانات مديرية زراعة إدلب عن خسائر كبيرة بسبب تأثير الجفاف على المحاصيل العام الماضي، إذ بلغت مساحة الأراضي البعلية المزروعة بالقمح نحو 22 ألف هكتار، حُصد منها 2350 هكتاراً فقط. وبلغت المساحة المزروعة بالشعير 51 ألف هكتار، حُصد منها 11 ألف هكتار.
وكذلك البقوليات مثل العدس والحمص والكمون وحبة البركة سجلت خسائر كبيرة من حيث كمية الإنتاج، فيما انخفض إنتاج الزيتون، وسجّل تراجعاً إلى ثلث كمية الإنتاج مقارنة بالأعوام السابقة.
تحالف المجتمع السوري (The Syria Community Consortium) قال إنّ سوريا شهدت واحدة من أخطر الأزمات المناخية في تاريخها الحديث، ووصف جفاف عام 2025 بأنّه الأشد منذ نحو 40 عاماً، وأدى إلى تداعيات واسعة على الزراعة والأمن الغذائي وسبل العيش في مختلف أنحاء البلاد.
وذكر أن أكثر من 95 بالمئة من الأسر الزراعية تكبدت خسائر في المحاصيل، واضطر العديد من المزارعين إلى التخلي عن الزراعة تماماً بسبب ندرة المياه وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية.
بحسب مديرية زراعة إدلب طال تأثير الجفاف المحاصيل البعلية والأشجار المثمرة أيضاً. أمّا بالنسبة للمحاصيل البعلية فخرجت في مناطق الاستقرار الثانية والثالثة من دائرة الإنتاج، فيما انخفض إنتاجها في منطقة الاستقرار الأولى.
وبالنسبة للأشجار المثمرة البعلية فتسبب الجفاف بتساقط الأزهار والثمار من أشجار الزيتون والفستق الحلبي بالرغم من قدرتهما على تحمل الجفاف، وامتد أثره على محصول السنة التالية نتيجة لعدم إنتاج غراس جديدة.
وقدمت المديرية، وفقاً لبياناتها، دعماً زراعياً شمل توجيه المنظمات إلى المناطق الأكثر تضرراً بالجفاف شرقي وجنوبي وشمالي المحافظة، من أجل تقديم دعم للمزارعين المتضررين بالجفاف. إضافة إلى تجهيز أربعة من آبار الحزام الأخضر.
خلال هذه الفترة برزت زراعة أنواع من الأعشاب العطرية مثل إكليل الجبل والميرمية والزعتر البري والزهورات، كحلول تلائم الجفاف لما تتمتع به من احتياجات مائية منخفضة، مكتفية بمياه الأمطار والرطوبة.
المهندس الزراعي أحمد القدور، أوضح أن الهطولات المطرية هذا الموسم أسهمت في إنعاش الزراعة وانتظامها، وأضاف، تشبّعت التربة بكميات كافية من الرطوبة، ولا سيما في الأراضي البعلية التي تعتمد بشكل شبه كامل على مياه الأمطار.
وأسهم ذلك، بحسب المهندس، في غسلها من الأملاح المتراكمة، وأعاد التوازن إلى بنيتها، إضافة إلى تنشيط الكائنات الحية الدقيقة المفيدة التي تلعب دوراً في تحسين خصوبة التربة وجودة المزروعات.
يقول فلاحون تحدثنا إليهم إن حالة المزروعات هذا العام أفضل بكثير من المواسم السابقة من حيث النمو والحيوية والكثافة، وشجعت وفرة الأمطار على التوجه نحو زراعات جديدة نسبياً أقل تكلفة وأكثر ملاءمة للظروف المناخية.
إضافة إلى تحسن منسوب الهطولات المطرية، ساعد الصقيع والثلوج التي شهدتها المنطقة على منح الأرض قاعدة ممتازة لنمو المزروعات بالشكل السليم، وفق ما أكده قدور، لافتاً إلى أن البرودة والثلوج والصقيع لعبت دوراً كبيراً في القضاء على الديدان والحشرات الضارة بالمحاصيل، وخففت من حجم الخسائر الزراعية وقللت الحاجة إلى استخدام المبيدات في المراحل الأولى.
يرى قدور أن هذا العام يعد عاماً زراعياً ناجحاً، وشهد إقبالاً من المزارعين على شراء بذور محاصيل موسمية ذات إنتاجية جيدة، بعد عزوف الكثير منهم عن زراعتها خلال السنوات الماضية.
على الرغم من هذه الإيجابيات، يشير المهندس إلى وجود تحديات تواجه القطاع الزراعي، أبرزها ارتفاع أسعار المبيدات الحشرية والأدوية الزراعية والأسمدة التي تستنزف المزارعين مالياً وتدفع كثيرين منهم إلى الاستدانة من الصيدليات الزراعية وتأجيل دفع ثمن الأسمدة والأدوية إلى نهاية الموسم، وهذا شكّل ضغطاً على المزارعين وأصحاب الصيدليات معاً، نظراً لارتباط السداد بنجاح أو فشل الموسم الزراعي.
ويصف المزارع حمود حاج حمود هذا العام بأنه “عام خير” بعدما تمكن من زراعة أرضه بمحاصيل مثل الحمص والشعير والفول والبازلاء إضافة إلى محاصيل أخرى. ويضيف أنّ تكلفة ساعة سقاية تصل إلى نحو 20 دولاراً، وهو مبلغ مرتفع، دفع كثيرين في العام الماضي إلى تقليص المساحات المزروعة أو ترك أراضيهم دون استثمار لاسيما في ظل ارتفاع أسعار الوقود ومستلزمات الإنتاج.
تمثّل غزارة الأمطار في ريف إدلب فرصة حقيقية لإعادة تنشيط الزراعة وتحسين الإنتاج المحلي في منطقة تشكو من تحديات اقتصادية ومعيشية كبيرة. ومع حسن استثمار هذه الهطولات والتعامل الواعي مع آثارها السلبية، يمكن تحويل الموسم الحالي إلى رافعة اقتصادية وغذائية تعزز صمود الأهالي وتحسن من واقعهم المعيشي.
سجّل العام الفائت معدلات مطرية بين 104 و305 ملم طيلة العام في حين تراوحت بين 172 و519 حتى تاريخ 10 شباط من العام الجاري، وفق بيانات مديرية الزراعة.
وامتدت فوائد الأمطار الغزيرة لتشمل الأشجار المثمرة، ولا سيما الزيتون والتين واللوز والعنب، إذ أسهمت في تغذية الجذور وتحسين النمو الخضري بعد سنوات من الإجهاد المائي، ما عزز التوقعات بتحسن الإنتاج خلال الموسم القادم من حيث الكمية والجودة.
على الجانب الآخر كان للهطولات المطرية الغزيرة في كثير من مناطق ريف إدلب آثار سلبية تمثّلت بغرق مساحات من الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق سيئة التصريف، وتسببت في تضرر المحاصيل أو تأخر نموها.
ويخشى المزارعون من انتشار أمراض فطرية واختناق الجذور بسبب ازدياد الرطوبة، ما يستدعي إدارة زراعية دقيقة تشمل فتح قنوات لتصريف المياه والمتابعة المستمرة للحقول.
يتطلع مزارعو ريف إدلب اليوم إلى تعويض بعض خسائر الجفاف وإحياء دور الزراعة كمصدر دخل أساسي، بينما ما تزال نتائج موسم الزراعة المروية غير محسومة بعد.
