فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مكبّات عشوائية.. أدخنة وحشرات وأمراض في عفرين

خالد سلطان

تعتمد البلديات على مكبّات غير مجهزة لرمي النفايات في منطقة عفرين، وتلجأ لحرقها بشكل دوري، فتنبعث أدخنة ضارّة، تضاف إلى الروائح والحشرات والعصارة التي تتسرّب إلى المياه الجوفية

يشاهد الخارج من مدينة عفرين بريف حلب، عبر الممرات الجبلية، مكبّات نفايات عشوائية على أطراف الطرقات وفي الوديان. بعضها يمتد على مساحات واسعة، والبعض الآخر مرتفع، بحيث يراه كل من يمرّ بالمنطقة.

يتكرر هذا المشهد في نواحي راجو وشيخ الحديد وجنديرس. لكنّ أكثر ما يثير الاستغراب، بحسب لقمان سيدو، أحد سكان مدينة عفرين، أن هذه النفايات تُلقيها سيارات تتبع لبلديات المنطقة، ومن ثمّ يقوم موظفون بحرقها في أماكن غير بعيدة عن التجمعات السكنية.

يقول سيدو لفوكس حلب، إن هذه المكبّات تحوّلت إلى مصدر للروائح الكريهة والبعوض والذباب والدخان، وسبباً في تلويث المياه الجوفية، التي يستخدمها السكان في الشرب وري المزروعات نتيجة تسرب عصارة النفايات إلى التربة.

مع ازدياد حجم النفايات اليومي، بسبب عودة السكان إلى منطقة عفرين، لم يعد الحرق، الذي كانت تلجأ إليه البلديات كحل مؤقت مجدياً. فالنفايات باتت تتكدس بسرعة أكبر، وزادت في الوقت نفسه كمية انبعاث الأدخنة والغازات الضارة، خاصة بسبب جمع النفايات العضوية والطبية والبلاستيكية في مكان واحد.

مكبّات قمامة عشوائية في محيط مدينة عفرين شمالي حلب
مكبّات قمامة عشوائية في محيط مدينة عفرين شمالي حلب

في الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة عفرين، وعلى بعد نحو ثلاثة كيلومترات من مركز المدينة، يقع مكب جبل ترندا، وهو أحد أكبر المكبات في المنطقة. يقول المهندس عثمان حسن، رئيس بلدية عفرين، إن المكب موجود منذ عام 2000، وما زال إلى اليوم يفتقر إلى أبسط المعايير الصحية والهندسية.

يؤكد حسن لفوكس حلب أن جميع أنواع النفايات ترمى في المكب، فيما تؤدي عمليات الحرق المتكررة إلى تلوث البيئة وانتشار الأمراض، إضافة إلى تأثير الأدخنة على الأشجار والمحاصيل الزراعية القريبة. ويشير إلى أن البلدية طالبت محافظة حلب مراراً بإيجاد حل جذري للمشكلة، لكنها لم تحصل حتى الآن إلا على وعود، ومحاولات لفرز القمامة وتغطيتها بطبقة عازلة.

يرى حسن أن الأزمة لا تتعلق بالمكبات وحدها، بل ترتبط أيضاً بضعف الوعي العام حول طريقة التعامل مع النفايات، إضافة إلى محدودية إمكانيات البلديات. ويؤكد أن المجالس المحلية تتابع الملف مع الجهات المعنية، لكنها تحتاج إلى وقت وإمكانات أكبر، إلى جانب تعاون الأهالي، لمعالجة الأزمة بشكل تام.

من جانبه، يرجع آدم سيدو، الرئيس السابق لبلدية قرية حج خليل التابعة لناحية راجو، القريبة من مكبّ بربنّه، المشكلة إلى غياب مكبات مجهزة وفق معايير صحية وهندسية في الأساس. ويقول إن البلديات لجأت لاعتماد هذه المكبات لغياب البدائل.

مكبّات قمامة عشوائية في محيط مدينة عفرين شمالي حلب
مكبّات قمامة عشوائية في محيط مدينة عفرين شمالي حلب

لم تكن البلديات تمتلك الإمكانيات المالية أو الفنية الكافية لإنشاء مطمر مطابق للمواصفات، وفقاً لسيدو، كما أن محافظة حلب لم تستجب في السابق لمطالب تجهيز مكبّ هندسي، أو لإيجاد طريقة لتصريف النفايات الطبية، ما دفع المجالس المحلية إلى الاعتماد على حلول مؤقتة استمرت لسنوات طويلة، وفق قوله.

في قرية بربنّه، يتحدث أبو أحمد، أحد سكان القرية، بانزعاج عن الأضرار التي تسبّب بها المكب القريب من منازل الأهالي. ويقول إن هذا المكان الواقع على بعد نحو كيلومتر واحد غربي القرية، والملاصق لطريق راجو – عفرين، تحوّل منذ عام 2006 إلى كابوس حقيقي للسكان.

يشير أبو أحمد إلى أن الأدخنة الناتجة عن عمليات الحرق، خصوصاً في فصل الصيف، إلى جانب الروائح الكريهة وانتشار البعوض، أدت إلى ظهور إصابات باللاشمانيا، المعروفة محلياً باسم حبة حلب، بين الأطفال. ويقول إن بعض هذه الإصابات خلّفت تشوهات واضحة في الوجوه، بقيت آثارها حتى بعد تلقي العلاج.

لا تتوقف المشكلة عند مكب بربنّه وحده، إذ يفاقم غياب المطامر الهندسية الأزمة، ويدفع البلديات إلى تكديس القمامة في الأراضي الفارغة. كما يزيد غياب ثقافة فرز النفايات من خطورة الوضع، إذ تختلط النفايات المنزلية والطبية والبلاستيكية ومخلفات المحال والورش في مكب واحد.

في وادٍ يقع شمال قرية قسطل جندو، وعلى بعد نحو كيلومتر واحد من طريق قسطل جندو – دير صوان، تتخلص معظم قرى ناحية شران من نفاياتها هناك. يقول رشيد حسو، أحد أبناء المنطقة، لفوكس حلب، إن المكب موجود منذ سنوات طويلة، مشيراً إلى أن مدينة أعزاز تنقل جزءاً من نفاياتها إليه أيضاً.

مكبّات قمامة عشوائية في محيط مدينة عفرين شمالي حلب
مكبّات قمامة عشوائية في محيط مدينة عفرين شمالي حلب

يضيف حسو أن المكان تحول إلى بؤرة للكلاب الضالة، وأن مياه الأمطار تختلط شتاءً بالنفايات المتحللة، لتتشكل مياه سوداء ملوثة تجري باتجاه الأراضي الزراعية وحقول الزيتون. ويوضح أن المكب يحتوي أيضاً على نفايات مشافٍ وصيدليات، ومخلفات القصابين والمداجن، إضافة إلى مواد مختلفة لا تخضع لأي عملية فرز. وبحسب حسو، فإن الأدخنة والروائح الكريهة تصل إلى بيوت القرية، بينما لم تؤدِ مطالب الأهالي بتغيير مكان المكب إلى أي نتيجة حتى الآن.

وفي محاولة للبدء بمعالجة أزمة النفايات، فرضت بلدية مدينة عفرين أخيراً، رسماً شهرياً للنظافة بقيمة 90 ليرة تركية. ويتم تحصيل هذا الرسم عبر شركة الكهرباء، من خلال إضافته إلى فاتورة الكهرباء واقتطاعه أثناء شحن الرصيد.

وبحسب ما تؤكده البلدية، يهدف القرار إلى تأمين موارد مالية تساعد في دفع رواتب عمال النظافة، إضافة إلى تشغيل عدد أكبر من العمال والحد من ظاهرة تراكم القمامة التي انتشرت بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة.

تُظهر هذه الشهادات أن أزمة النفايات في عفرين لم تعد مرتبطة بجمع القمامة فقط، بل أصبحت مشكلة بيئية وصحية تحتاج إلى حلول منظمة. ويبدو أن إنشاء مطمر صحي، وفرز النفايات، وتنظيم عمليات الجمع، ومراقبة مصادر التلوث الأخرى، باتت خطوات ضرورية للحد من آثار هذه الأزمة على السكان والأراضي الزراعية.