فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

على طرقات ريف إدلب الجنوبي.. معركة يومية للحد من انتشار اللشمانيا

أميمة محمد

تشهد قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي ارتفاعًا ملحوظًا في إصابات داء اللشمانيا، وسط محدودية مراكز العلاج. فرق طبية جوالة تقدّم العلاج والمتابعة، في وقت يواجه فيه الأهالي صعوبات متزايدة في الوصول إلى الخدمات الصحية

داخل سيارة من نوع “فان” معدّة لتكون عيادة نقالة لعلاج مرضى اللشمانيا، تحضّر المختصة في علاج الأمراض المنقولة، منار الرشيد، اللوجستيات اللازمة للانطلاق رفقة فريق العمل، من مركز بلدة البارة بجبل الزاوية إلى النقاط الطبية المحددة حسب خطة العمل الأسبوعية.

يتنقل الفريق الجوال بعيادته المدعومة من إحدى المنظمات الطبية العالمية بين قرى وبلدات في ريف إدلب الجنوبي قاصدًا المستوصفات والنقاط المعروفة، لاستقبال الحالات المصابة باللشمانيا، المعروفة محليًا بأسماء عدة مثل “حبة السنة” أو “حبة حلب”. ويقصد الأهالي هذه النقاط في أيام محددة من الأسبوع لتلقي العلاج أو متابعة الحالات.

يختار الفريق موقعًا قريبًا من النقطة الطبية، وما إن تتوقف السيارة حتى يبدأ المرضى بالتوافد. أطفال، نساء، وكبار في السن، يحمل كلٌّ منهم قصة مع المرض الذي بات جزءًا من يوميات المنطقة.

تتفحص منار وجه طفلة تبلغ من العمر 13 عامًا من مدينة كفرنبل، رافقها والدها بعد شهر من خضوعها لعلاج بالآزوت في أحد المراكز. يخشى الأب من بقاء آثار الندبات على وجه طفلته، ما دفعه لطلب استشارة الفريق الجوال. وبعد المعاينة، قرر الفريق تحويل الطفلة إلى مركز بلدة البارة لمتابعة العلاج عبر الحقن العضلية.

تستقبل مراكز علاج اللشمانيا والفرق الجوالة عشرات الحالات يوميًا، معظمها لأطفال وكبار سن، بهدف الكشف عن الإصابة، أو متابعة العلاج، أو الحصول على إرشادات تخفف من الآلام التي تسببها لدغات ذبابة الرمل الناقل الرئيسي للمرض.

مرض اللشمانيا، المعروف محليا بـ”حبة حلب”، من الأمراض الطفيلية التي عادت للانتشار في ريف إدلب الجنوبي، مستفيدةً من الدمار والركام ومجاري المياه المكشوفة التي تشكل بيئة مناسبة لتكاثر ذبابة الرمل. ويظهر الشكل الأكثر شيوعًا منه على هيئة بثور جلدية تبدأ صغيرة ثم تتقرح، فيما يعد الشكل الحشوي أقل انتشارًا لكنه أكثر خطورة، إذ يصيب أعضاء داخلية حيوية وقد يشكل تهديدًا للحياة.

توضح منار أن التعامل مع المرضى يبدأ بتشخيص الحالة، فإذا كانت الإصابة بحاجة إلى علاج موضعي، يُعالج المريض في المكان مع  تزويده بالتعليمات اللازمة وتحديد موعد مراجعة لاحق. أما الحالات التي تتطلب علاجًا عضليًا، فيتم تحويلها إلى أقرب مركز تتوفر فيه الأدوية، وغالبًا ما تكون هذه الحالات متعددة الإصابات، خاصة في الوجه قرب الأنف أو الفم أو العينين.

الطبيبة ولاء جمول، أخصائية الأمراض الجلدية، تشير إلى أن داء اللشمانيا هو مرض طفيلي ينتقل حصريًا عبر لدغ أنثى ذبابة الرمل. تقول: “إن الشكل الجلدي هو الأكثر شيوعًا، وتتراوح فترة الحضانة فيه بين أسبوعين وشهرين. في المقابل، قد تمتد فترة الحضانة في الحالات الجلدية المخاطية أو المترافقة مع اللشمانيا الحشوية إلى أكثر من سنتين، ما يجعل اكتشاف المرض في مراحله الأولى أكثر صعوبة”.

تبدأ الإصابة الجلدية عادةً، بحسب الأخصائية، بحطاطة صغيرة واضحة الحدود في مكان اللدغة، ثم تتوسع تدريجيًا لتتحول إلى لويحة أو عقيدة متقرحة. وتتركز الإصابات غالبًا في المناطق المكشوفة من الجسم مثل الوجه والعنق والساعدين والساقين.

أما الإصابة الجلدية المخاطية، فتتراوح أعراضها بين وذمة خفيفة في الشفاه أو الأنف، وصولًا إلى إصابة مخاطيات الأنف والشفاه والجهاز الهضمي الفموي، وقد تؤدي في الحالات المتقدمة إلى انثقاب الحاجز الأنفي. بينما تنتشر اللشمانيا الحشوية في الأعضاء الداخلية مثل الكبد والطحال ونقي العظم.

ويشخص المرض عبر اختبار “الليشمانين” أو من خلال أخذ خزعة من الآفة الجلدية. وتشير “جمول” إلى أن بعض الحالات قد تشفى عفويًا دون علاج خلال فترة تتراوح بين شهرين وأربعة أشهر، وقد تمتد أحيانًا إلى أكثر من عام.

 تتابع الطبيبة جمول شرحها موضحة أنه في الحالات التي تتطلب تدخلًا طبيًا، فإن العلاج يشمل “أملاح الأنتيموان الخماسية”، أو “دواء أمفوتيريسين B“، إضافة إلى وسائل أخرى مثل الكي بالآزوت أو العلاج الفموي ب”الألوبورينول”. وتؤكد أن الوقاية تبقى الأساس، نظرًا لعدم توفر لقاح ضد اللشمانيا، ما يجعل تجنب لدغ ذبابة الرمل الوسيلة الأهم للحد من انتشار المرض.

في بلدة معرة حرمة، يقول أيمن الإسماعيل، مدير النقطة الطبية، التي يتوافد إليها 13 قرية مجاورة، إن مركزهم استقبل الشهر الفائت أكثر من 2300 مريض، بعد أن قدمت مديرية الصحة دعمًا طبيًا إثر إخطارها بحجم انتشار المرض والحاجة الملحّة للأدوية.

يوضح الإسماعيل أن قسمًا من المرضى وصل إلى مرحلة الشفاء، بينما ما يزال آخرون في طور المتابعة، في حين يواجه بعض المرضى صعوبة في الوصول إلى المركز بسبب ضعف المواصلات، خاصة في فصل الشتاء. كما يشير إلى غياب مخبر تحاليل في المركز، لذلك يضطر المرضى للتوجه إلى بلدة كفرسجنة، ما يشكل عبئًا إضافيًا عليهم.

وأطلقت مديرية صحة إدلب في العاشر من الشهر الحالي حملة لمكافحة اللشمانيا في ريف معرة النعمان، شملت بخ بعض المناطق بالأدوية وتوزيع مبيدات حشرية وبروشورات توعية بمخاطر الوباء من خلال فرق تطوعية، والتعريف بالذبابة وتكثيف عدد الأيام والفرق المخصصة. إلا أن مختصين يرون أن حملات الرش في فصل الشتاء محدودة الجدوى، نظرًا لأن نشاط ذبابة الرمل يبدأ مع حلول الربيع.

وعلى الرغم من أن فريق الصحة المجتمعية أجرى جلسات توعية فردية وجماعية في المنازل والمدارس، بحسب الإسماعيل، إلا أن أعداد المصابين لا تتوقف بسبب انتشار الذبابة بكثرة ونشاطها منذ شهري آذار ونيسان من العام الماضي في القرى التي شهدت عودة للأهالي بعد سنوات من النزوح.

يقول أسامة الإبراهيم، مدرس من البلدة، عاد إليها مع بداية العام الدراسي، إن معظم الأهالي وطلاب المدارس مصابون بحبة السنة، وتتركز الإصابات في الوجوه والأيدي.

تختلف فترة العلاج كما أخبرتنا منار بحسب نوعه، فـ العضلي يمتد 21 يومًا، بينما يحتاج العلاج الموضعي لنحو شهر، يعطى خلالها المريض ثماني جلسات وبعدها فترة راحة لمدة أسبوعين، وفي حال لم تعالج الآفة يعاد الكورس مجدداً.

أما العلاج بالآزوت، فتشير منار إلى أنه يتطلب خبرة خاصة، ويُستخدم في حالات محددة. تقول: “الآزوت يحتاج خبرة، و يستخدم في علاج كبار السن ممن لديهم أمراضاً مزمنة ويؤثر عليهم الدواء، أو في حال كانت الإصابة في الأطراف أو في مناطق غير مكشوفة”.

وتحذر منار من علاج الأطفال في منطقة الوجه واصفة إياه “بالجريمة” كما حدث مع الطفلة التي تم تحويلها إلى العلاج بالمركز. مشيرة إلى أن الآزوت يؤدي لحرق الحبة من الخارج إلا أن الطفيليات تبقى من الداخل، إضافة إلى أنها تترك ندباً دائمة ذات لون بني أشبه بمكان الحرق.

توضح منار أن فريقها المكون من زميلين آخرين يتعاون مع النقاط الطبية المؤهلة بالكادر، نظرًا للازدحام والضغط الكبير الذي يفوق إمكانيات الفريق. تقول: “لا يمكننا أن نجعل المرضى ينتظرون أكثر من ربع ساعة في هذا الطقس البارد، إذ إن المراكز غير مجهزة بغرف انتظار. أنا أتولى علاج الفتيات والنساء، بينما يتولى زميليّ علاج الرجال والأطفال”.

في مركز كفرعويد، تواجه العيادة الجوالة ضغطًا أكبر، إذ يراجعها ما يقارب 200 مريض في اليوم الواحد، معظمهم من الأطفال بدءًا من عمر أربعة أشهر، بينما تأتي بقية الحالات على شكل عائلات كاملة. وتضيف منار أن غياب الكادر المؤهل يزيد من صعوبة التعامل مع هذا الكم الكبير من المرضى، ويضاعف الضغط على الفريق الطبي المتنقل.

إلى جانب العيادة النقالة في قرية كفرعويد، تقف أم حسن في طقس شتوي قارس، بانتظار دورها لعلاج طفلها البالغ خمسة أشهر، المصاب بالآفة على أنفه. تقول: “أتألم لألمه، وأتمنى أن يشفى سريعًا كي لا أضطر للخروج به في هذا البرد”.

تعزو منار الازدحام الكبير على العيادات الجوالة إلى قلة مراكز العلاج في المنطقة، وكميات الأدوية المحدودة التي تقدمها مديرية الصحة والتي لا تكفي عدد الحالات الفعلي، إضافة إلى صعوبة وصول بعض الأهالي إلى الخدمات الصحية. وتؤكد أن الفرق الطبية تبذل جهدها لإبلاغ السكان بضرورة العلاج والمتابعة حتى الشفاء.

يبقى الأهالي في قرى ريف إدلب الجنوبي أمام تحدٍ مضاعف. مرض سريع الانتشار وسط بيئة خصبة لذبابة الرمل، ونقص حاد في نقاط العلاج والكوادر الطبية. ومع عودة السكان إلى مناطقهم، تتضاعف الحاجة للتوعية الصحية، ووسائل الحماية الشخصية، وتنظيف البيئة من مصادر تكاثر الحشرات.

المتضررون الذين التقيناهم يطالبون بحلول فعلية مثل تكثيف فرق العلاج، زيادة عدد النقاط الطبية، وضمان توفر الأدوية في الوقت المناسب، لتخفف عنهم مشقة السفر وساعات الانتظار الطويلة للعلاج.