فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

في مستشفى حلب الجامعي أزمة نفايات طبية بلا حلول

معن جزماتي

إلى هذا المكان يتجه المرضى للعلاج، إلا أن النفايات الملوثة تتربص بحياة الأطباء والمرضى والبيئة المحيطة معًا

تلفت انتباهك، أكياس النفايات الطبية الملوثة الملقاة إلى جانب نفايات أخرى في مستشفى حلب الجامعي، و تستقبلك رائحتها، قبل أن يصل إليك صوت أنين المرضى.

خلال جولة داخل المستشفى، تظهر المشكلة واضحة للعيان: أكياس سوداء مخصصة للقمامة العادية ملئت بضمادات ملوثة بالدماء وإبر مستخدمة وأكياس محاليل وريدية.

مشهد يثير قلق العاملين قبل الزوار، إذ يضاعف خطر انتقال الأمراض المُعدية ويكشف ثغرات كبيرة في نظام إدارة وعزل المخلفات الطبية، كما يترتب عليه تأثيرات بيئية، ما يحوّل مكان العلاج إلى مصدر محتمل للخطر يهدد المرضى والكادر الطبي على حد سواء.

ورغم تلقيه دعمًا من منظمات دولية مثل “سيغما” الألمانية و”سامز” الأمريكية. يواجه مستشفى حلب الجامعي تحديات مختلفة، أهم أسبابها، بحسب من تحدثنا إليهم من الكادر الإداري للمستشفى، ضعف الإمكانات وتراجع الخدمات.

التحدي الأخطر اليوم لا يتعلق فقط بنقص الأجهزة والمعدات التي خرج معظمها عن الخدمة منذ سنوات، بل بفشل نظام إدارة النفايات الطبية، بحسب ما شاهدناه، وما نقله إلينا مراجعون وعاملون قابلناهم.

حلول مكلفة.. وضرورة ملحّة

يقدّر الطبيب إبراهيم الأسعد، مدير المستشفى الجامعي بحلب، كمية النفايات الطبية يوميًا بين 100 إلى 150 كيلوغرامًا، لكنها لا تُفصل عن النفايات العامة بسبب نقص المستوعبات المخصصة، وغياب التمويل الكافي لتوظيف عمالة مدرَّبة.

ويضيف أن الإدارة تحاول الحد من المخاطر عبر وضع النفايات الحادة في بيدونات بلاستيكية فارغة، وترحيل البقية باستخدام أكياس عادية، وهو حل مؤقت يعتمد على موظفين غير مختصين.

“الحلول كلها متعلقة بتوفر التمويل” بحسب الطبيب الأسعد، والذي قال إن الإدارة تسعى لإيجاد حلول منها: توفير المستوعبات والمستلزمات اللازمة، ونشر بروشورات توعية للكوادر حول التعامل الصحيح مع هذه النفايات إضافة لتأمين عمالة متخصصة ومدرَّبة على أعمال النظافة والتعقيم، قادرة على التعامل مع مختلف أنواع النفايات وفق معايير السلامة.

ويؤكد الأسعد أن توفير مستوعبات مخصَّصة لكل صنف من النفايات، إلى جانب حاويات تفريغ كبيرة صديقة للبيئة، يعد خطوة أساسية في هذا الاتجاه. كما يشير إلى أهمية التنسيق المستمر مع قطاع البلدية، عبر الترحيل الدوري للحاويات ثلاث مرات يوميًا، للحفاظ على بيئة آمنة داخل المستشفى وفي محيطه.

وتوضح إدارة المستشفى أن التكلفة التقديرية لتطبيق نظام متكامل لعزل ومعالجة النفايات الطبية تصل إلى نحو 100 مليون ليرة سورية شهريًا، تشمل تشغيل مئة عامل مؤهل موزعين على ثلاث ورديات يومياً، إضافة إلى توفير المعدات والمواد والتجهيزات اللازمة لضمان التعامل الآمن مع تلك المخلفات والحد من آثارها المحتملة

 سلامة الكوادر على المحك

لا يقتصر قلق الأطباء من العدوى التي يمكن أن تنتقل إليهم من مرضاهم، بل يمتد إلى خطر تعرضهم للوخز بإبر ملوثة خلال تعاملهم مع النفايات الطبية.

يطالب أطباء وعاملون في المستشفى المنظمات الطبية والجهات الرسمية، خاصة وزارة التعليم العالي كونها المؤسسة المسؤولة مباشرة عن المستشفى، الإسراع بتطبيق نظام فعّال لعزل النفايات الطبية، مع تزايد حوادث وخز الإبر وما تخلّفه من قلق متنامٍ بين الكوادر الصحية.

أكثر ما يثير مخاوف الطبيب عدنان شحادة المختص بأمراض القلب، هو خطر الإصابة المباشر من خلال الوخز أو ملامسة سوائل حيوية قد تنقل فيروسات خطيرة مثل التهاب الكبد B و التهاب الكبد C، وفيروس نقص المناعة (HIV). خاصة أن عدداً من زملائه تعرّضوا بالفعل لمثل هذه الحوادث أثناء التعامل مع النفايات المختلطة.

يقول الطبيب شحادة إن خلط النفايات المُعْدية مع النفايات العامة “يرفع احتمالية التعرّض لوخز الإبر، وانتشار رذاذ السوائل الملوثة، وتلوث الأسطح داخل الأقسام”.

ويضيف أن هذه الفيروسات تنتقل بسهولة عبر الدم أو سوائل الجسم الملوثة، عند التعرض لوخز الإبرة أو ملامسة الجروح المفتوحة، وهذا يشكل خطراً كبيراً على الكوادر الطبية وعمال النظافة إذا لم تُدار النفايات الطبية بشكل صحيح.

ويشدد شحادة على أن تقليل هذه المخاطر يتطلب خطوات عملية، من بينها تعيين مسؤول متخصص لإدارة النفايات الطبية، وتوفير حاويات مقاومة للثقب بالقرب من غرف المرضى واستبدالها قبل امتلائها. كذلك يجب، بحسب الطبيب شحادة، اعتماد نظام فرز ملون موحّد، وتنظيم برامج توعية للكوادر حول كيفية التعامل مع إصابات الوخز.

كما يؤكد على أهمية ضمان وسائل الحماية الشخصية من قفازات وأقنعة وأغطية واقية، فضلاً عن توفير بروتوكولات ما بعد التعرّض، مثل لقاح التهاب الكبد B والأجسام المناعية، مع آلية تبليغ فورية وإجراءات ثابتة للتنظيف والتعقيم.

مخاطر بيئية وصحية

حذر خبراء البيئة إلى أن النفايات الطبية، إذا لم تعزل أو تعالج بطرق آمنة، قد تتحول إلى خطر صامت يهدد الصحة العامة والبيئة. فالمواد الملوثة، مثل الدماء وبقايا الأدوية ومحاليل، لا تبقى محصورة داخل جدران المستشفى، بل يمكن أن تتسرب مع العصارة الناتجة عن تراكم النفايات إلى التربة، ومنها إلى المياه الجوفية ومصادر الشرب. 

وفي هذه الحالة، يزداد الخطر مع احتمال تلوث المياه والتربة بمواد كيميائية أو جراثيم قد تبقى لفترات طويلة، مما ينعكس على المحاصيل الزراعية ويجعل الغذاء جزءاً من دائرة التلوث البيئي. وهنا قد يواجه الإنسان أضراراً صحية محتملة عبر طعامه وشرابه، في مشهد يوضح كيف يمكن لإهمال بسيط في إدارة النفايات أن يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن سوء إدارة هذه النفايات لا يقتصر تأثيره على البيئة فحسب، بل يشمل أيضاً مخاطر العدوى وانتقال أمراض خطيرة مثل التهاب الكبد الفيروسي وفيروس نقص المناعة نتيجة التعامل غير الآمن مع الإبر والأدوات الحادة.

لذلك، فإن إدارة النفايات الطبية تمثل تحدياً يتطلب تنسيقاً مشتركاً بين الجهات الرسمية والمنظمات الدولية لتطبيق أنظمة فعّالة للعزل والمعالجة، بما يضمن حماية المرضى والكوادر الصحية والبيئة من المخاطر المحتملة.