لم يمنع توقّف المركز الصحي في عندان، بكّار حمشو، من العودة إلى منزله بعد سنوات من النزوح، لكنّ هذا السبب ما يزال، كما يقول، عائقاً أساسياً يحول دون عودة كثيرين من سكان المدينة الواقعة شمالي حلب، على الرغم من مرور نحو ثمانية أشهر على سقوط نظام الأسد، وغياب دوافع النزوح نحو المخيمات.
يقول حمشو لـ فوكس حلب “نصبر على أوجاعنا حتى تزور فرق المتطوعين الصحيّين مركز المدينة”. ويشير إلى أن هذه الزيارات تحدث مرة واحدة كل أسبوع في أفضل الأحوال، وقد تمتد فترة الانتظار إلى عشرة أيام أحياناً. والأسوأ من ذلك أن الخدمة تقتصر على تخصّصين فقط، هما الأمراض الداخلية والنسائية في الغالب، ما يترك فئات واسعة من المرضى دون رعاية.
“تخيّل أن تتعرض لإصابة أو يشتد عليك المرض ليلاً، عندها لن تجد أي نقطة طبية أو صيدلية تعطيك حبة مسكّن”، يقول “بكّار” الذي يرى أن غياب الرعاية الصحية دفع كثيرين إلى البحث عن بدائل خارج المدينة، إذ يضطر المرضى للتوجه إلى المناطق المجاورة مثل حريتان وكفرحمرة لتلقي إسعافات أولية عند ممرضين هناك، لكن غالباً ما تكون الخدمة مأجورة. وأما من يبحث عن الخدمة المجانية، فيُجبر على السفر إلى مدينة حلب، وتحديداً إلى مستشفى الرازي، ما يشكل عبئاً إضافياً على المرضى، وفقاً لتعبيره.
عاد من سكان المدينة الذين يتجاوز عددهم 25 ألف نسمة، حتى الآن، نحو ألف شخص، هؤلاء العائدين يجدون البديل القريب مُكلفاً، بحسب “محمد جمال اسكيف”، أحد أبناء مدينة عندان، الذي نشر عن المشكلة على “فيسبوك” وأشار إلى أنّه دفع مبلغ 600 ليرة تركية مقابل خياطة جرح لدى أحد الممرضين في بلدة كفرحمرة، وطالب في المنشور ذاته الجهات المعنية، وفي مقدمتها المجلس المحلي، بإعادة تشغيل مركز عندان الصحي الوحيد، من أجل تخفيف هذه الأعباء عن كاهل السكان.
غياب الدعم الحكومي سببٌ لتوقّف المركز الصحي
يرجع الدكتور عبد الباسط حجازي، طبيب الأطفال، سبب توقّف مركز عندان الصحي إلى غياب الدعم الحكومي، ويقول لـ فوكس حلب “عقب سقوط نظام الأسد مباشرة، تم تفعيل مركز عندان الصحي بجهود شبابية وبمشاركة أطباء وممرضين من المدينة، لكن العمل توقف خلال فترة الترميم بسبب غياب الدعم الحكومي”.
ويضيف على الأقل لدينا عيادة جوّالة، لكنّ هذا لا يفي بالغرض، كما أنّ البديل لا يرقى لحجم الحاجة، خاصة مع انتشار الأمراض الموسمية والمزمنة، ووجود تهديدات مستمرة مثل الألغام والأفاعي والعقارب، في هذا الوقت من العام.
ويشير إلى أنّ التحدي الأكبر يكمن في الصعوبات اللوجستية التي تعيق وصول الأطباء والممرضين المتطوعين، لا سيما أن معظمهم يقيمون في مناطق بعيدة مثل ريف إدلب أو أعزاز وعفرين، ما يجعل السفر اليومي إلى عندان مكلفاً وشاقاً.
الصحة تؤكد أن إعادة تفعيل المركز من ضمن أولوياتها
يؤكد منير المحمد، مدير المكتب الإعلامي في مديرية صحة حلب، أن إعادة تفعيل مركز عندان الصحي تُعد ضمن أولويات المديرية، ويقول لـ فوكس حلب إن المديرية “خصّصت فريقاً طبياً للمركز بحيث يستقبل المراجعين مرة في الأسبوع، وهناك خطة لتوسيع هذه التغطية تدريجياً”.
وبحسب “المحمد” فإن الأدوية المجانية متوفرة في جميع المراكز التي أعيد تشغيلها في المناطق المجاورة، لكن ما يتم تأمينه يقتصر على الأصناف المتوفرة فقط، التي يجري توزيعها بناءً على الأولويات، التي ترتبط مباشرة بعودة الكوادر الطبية، وهو ما يعتبره تحدياً أساسياً في ظل نقص الكوادر.
الصيدليات الريفية تحدّيات كثيرة أهمها مشكلة التراخيص المعلّقة
وحول مسألة قلة الصيدليات في الأرياف، يؤكّد الصيدلاني حسن بلّو في حديث لـ فوكس حلب أن “هناك العديد من التحديات التي تواجه الصيادلة في الريف، على رأسها البنية التحتية وفقدان أو ندرة الخدمات كالكهرباء والماء والإنترنت، إضافة لصعوبة تأمين المواصلات”.
كما أن “التراخيص الممنوحة للصيادلة الجدد ما زال متوقفاً حتى اللحظة، من قبل نقابة الصيادلة ووزارة الصحة، فضلاً عن مشاكل لوجستية أخرى، مثل قلّة عدد المستودعات التي تغطي صيدليات الريف بالأدوية، كون التركيز الأكبر يكون على المدن”، وفقاً لقوله.
وعلى الرغم من محدودية أعداد العائدين، يبقى تفعيل المركز الصحي في عندان ضرورةً لا تحتمل التأجيل، بحسب من تحدّثنا إليهم، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، والتخوّف من لسعات الأفاعي والعقارب وضربات الشمس.
