فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

بثور وندوب تملأ وجوه الأطفال جنوبي إدلب

أميمة محمد

مع عودة مئات العائلات إلى ريف إدلب الجنوبي، برزت اللشمانيا كأحد أبرز التحديات التي تواجه السكان، بعدما وفّرت النفايات ومجاري الصرف الصحي المكشوفة بيئة مثالية لانتشار المرض

وصل عزام الشيخ إلى بلدته معرة حرمة في ريف إدلب الجنوبي قادماً من مخيم الجيسات قرب دير حسان شمالي المحافظة. وبينما اقترب من المنازل على أطراف البلدة، لفت انتباهه أطفال يلعبون قرب مجرى صرف صحي مكشوف، كانت تنتشر على وجوههم وأيديهم بقع حمراء غريبة.

جاء عزام إلى القرية ليعاين ما إذا كانت الظروف قد أصبحت مناسبة لعودة العائلة. كان ينتظر سبباً إضافياً يزيده عزوفاً عن العودة، بسبب ما شاهده على الطريق من دمار وحفر في الطرقات ومجاري صرف صحي مكشوفة.

كان أول ما سأل عنه والديه المقيمين في البلدة هو سبب البقع الحمراء التي شاهدها على أجساد الأطفال. لقد علم لاحقاً أنها اللشمانيا (حبة حلب). أخبره والده أن معظم أطفال البلدة أصيبوا بها، وأرجع ذلك إلى انتشار النفايات ومجاري الصرف الصحي المكشوفة.

استعاد عزام المشاهد التي رآها على الطريق، وكانت الأسباب التي تحدّث عنها والده حاضرة في كل قرية أو بلدة مرّ بها، وهي أسباب جعلته يعزف عن قرار العودة، في الوقت القريب على الأقل، وفقاً لقوله.

على خلاف عائلة عزام، عادت عائلات كثيرة من المخيمات إلى منازلها في ريف إدلب الجنوبي، إلا أن العائدين اصطدموا بواقع خدمي متردٍ، لم تكن الأولويات فيه تغطية الحفر أو إصلاح مجاري الصرف الصحي، وترحيل النفايات.

لا تكاد تخلو قرية أو بلدة في ريف إدلب الجنوبي من إصابات باللشمانيا. فقد وفّرت أكوام القمامة ومجاري الصرف الصحي المكشوفة بيئة مناسبة لتكاثر ذبابة الرمل، الناقل الرئيس لحبة السنة، كما يطلق عليها السكان محلياً.

أظهرت إحصائية لمديرية الصحة في إدلب خلال نيسان الفائت أن عدد الإصابات باللشمانيا التي تتلقى العلاج بلغ 12,518 إصابة، ثم ارتفع مع تسجيل 5,518 إصابة جديدة. واستجابةً لهذا الانتشار، أنشأت المديرية 67 نقطة علاج، بواقع 21 نقطة في مدينة إدلب و46 نقطة في الأرياف.

في نقطة معرة حرمة وحدها، تم تسجيل 2100 إصابة حتى نهاية أيار، بحسب مدير النقطة الطبية، أيمن الإسماعيل، الذي أوضح أن الكادر الطبي يعمل فوق طاقته خلال اليومين المخصصين أسبوعياً لعلاج اللشمانيا، وذلك لاستقبال النقطة حالات إضافية محولة من القرى المجاورة.

توفر النقطة الطبية العلاج العضلي والموضعي، إلى جانب العلاج بالآزوت، لكنها تفتقر إلى مخبر للتحاليل، لذلك يتم تحويل المصابين إلى مراكز أخرى عند الاشتباه بالإصابة الحشوية في الأعضاء الداخلية.

تصيب الحبة الأماكن المكشوفة من الجلد، وتظهر على المصاب نقاط حمراء تتحول إلى حبة ثم عقدة صغيرة غير مؤلمة، تغطيها قشرة قد تتقرح وتلتهب، وقد تترك ندوباً دائمة إذا لم تُعالج. والمرضى الذين يلتزمون بالعلاج يصلون إلى الشفاء الكامل، بينما تستمر الإصابة لدى من ينقطعون عن متابعة العلاج، وفقاً لقوله.

لم تقتصر آثار المرض على الأطفال، إذ يقول مصطفى الشحود، الذي عاد من النزوح أخيراً إلى منزله في بلدة معرة حرمة، إن أفراد أسرته جميعاً أصيبوا بحبة حلب. ووصل عدد الحبوب في جسد أحد أبنائه إلى 131، بينما أصيب هو بنحو 40 حبة في وجهه. يقول “تورّم وجهي كثيراً، ولم أعد قادراً على مغادرة المنزل”.

لجأت عائلة الشحود في البداية إلى الطب الشعبي، فاستعملت حبوب الحنطة المحمصة وعشبة القطيفة لمدة شهر كامل، وبعد ذلك راجعت مستوصف البلدة وبدأت بتلقي العلاج. وكان الشحود يتلقى يومياً حقنة عضلية بجرعة 10 سنتيمترات.

يقول في حديث لفوكس حلب “وصلت إلى مرحلة لم أعد أقوى فيها على الحركة، بسبب أكثر من أربعة أشهر من العلاج، الآن شفينا جميعاً باستثناء طفلة ما تزال تتلقى العلاج الموضعي بسبب إصابة في خدها الأيسر”.

بحسب شهادات عدد من سكان قرى وبلدات حيش والركايا والشيخ مصطفى، فإن أكبر تحدٍ يواجه السكان العائدين، بعد المنازل المدمرة، يتمثل في الحفر ومجاري الصرف الصحي المكشوفة. وأكد الأشخاص أنفسهم أن معظم المشاريع الخدمية الحالية تعتمد على مبادرات تطوعية محلية، وهي جهود لا تغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات.

فاطمة الموسى، إحدى العاملات في الفرق الجوالة لعلاج اللشمانيا في ريف إدلب، تقول لفوكس حلب إن الفرق الطبية لجأت إلى التقنين في استخدام الأدوية، فبات العلاج يقتصر في كثير من الأحيان على الحالات الأشد حاجة، بعد تراجع كميات الأدوية المتوفرة.

وتضطر الفرق، بحسب الموسى، إلى تحويل بعض المرضى إلى مراكز صحية أخرى ما تزال تمتلك مخزوناً من الأدوية. كما حدّثت مديرية الصحة، وفقاً لقولها، بروتوكول العلاج، فخفضت عدد الجلسات إلى جلسة واحدة أسبوعياً عوضاً عن جلستين، بما يتناسب مع الكميات المتاحة حتى وصول دفعات جديدة.

بعض المرضى الذين كانوا يتلقون العلاج العضلي حُوّلوا إلى العلاج الموضعي بسبب النقص الدوائي، على الرغم ممّا قد يسببه ذلك من زيادة في الألم أو مضاعفات أخرى. تقول الموسى “إن الهدف هو ضمان استمرار تقديم العلاج وعدم ترك المرضى من دون رعاية صحية”.

أحمد الخالد، من قرية الركايا، ظهرت الحبة على اثنين من أبنائه، فسارع إلى علاجهما خوفاً من أن تترك الحبات ندبات في وجهيهما. كان يأخذهما بشكل دوري إلى النقطة الطبية في معرة حرمة. يقول “إن منظر الأطفال في النقطة الطبية محزن، كانت وجوههم مليئة بالحفر والندوب”.

أما يوسف عدنان، من بلدة الشيخ مصطفى، فيزور النقطة الطبية في معرة حرمة التي يقصدها سكان 13 قرية وبلدة مجاورة يومين في كل أسبوع. ويحضر واحداً من أطفاله وثلاثة من أطفال إخوته، وجميعهم مصابون بحبة السنة. يخشى عدنان أن تطول فترة العلاج بسبب النقص الحاصل في الدواء.

على صعيد آخر، تحاول المجالس المحلية صيانة شبكات الصرف الصحي وإغلاق الجور الفنية منذ بدء عودة الأهالي، إلا أن حجم الأضرار، ونقص المعدات والآليات، إضافة إلى تعرض الشبكات خلال سنوات سيطرة قوات نظام الأسد لعمليات سرقة الحديد والمعادن، جعل المهمة تتجاوز الإمكانات المتوفرة.

مصطفى العبد الله، رئيس مجلس بلدة كفرسجنة، قال لفوكس حلب إن المجلس يعمل على معالجة مشكلات الصرف الصحي لما لها من دور مباشر في انتشار العديد من الأمراض، ومنها اللشمانيا ، موضحاً أنه جرى خلال الشهر الحالي تنفيذ حملة لرش المبيدات داخل المنازل، وشراء جهاز رش ضبابي لمكافحة ذبابة الرمل في شوارع البلدة.

العبد الله أشار في سياق حديثه، إلى وجود نقص كبير في آليات نقل النفايات، إذ تُجمع القمامة مرة واحدة كل خمسة أيام بواسطة جرار واحد يخدّم كلاً من قرى وبلدات كفرسجنة والركايا ومدايا والشيخ دامس وكفرمزدة والعامرية.

وفي مطلع حزيران، باشرت مديرية الصحة في إدلب بتوزيع المبيدات الحشرية على البلديات والقرى والبلدات لتنفيذ حملات رش داخل المنازل وفي الشوارع، للحد من انتشار ذبابة الرمل، بسبب الارتفاع في أعداد المصابين باللشمانيا، ولا سيما بين الأطفال وكبار السن.

في اتصال بزوجته، كان عزام الشيخ يرفع صوته أمام والديه محاولاً إسماعهما أن زوجته وأطفاله لا يرغبون بالعودة والاستقرار في البلدة في الظروف الحالية. قالت زوجته بصوت مرتفع “على الأقل المراكز الطبية متوفرة في ريف إدلب الشمالي”.