فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

النول الحلبي وحرّاسه.. البحث عن وريث

محمد دعبول

تقلّص عدد العاملين في مهنة النول الحلبي من نحو 20 حرفياً قبل الثورة إلى بضعة حرفيين فقط اليوم، فيما يحذّر أصحاب المهنة من اقترابها من الاندثار

على مدى يومين كاملين، تنقل مراسل فوكس حلب بين أحياء حلب القديمة وأسواقها الشعبية، بحثاً عن حرفيين ما زالوا يعملون على النول الحلبي. هذه الحرفة، التي شكّلت جزءاً من هوية المدينة الاقتصادية والثقافية، بدت اليوم مهملة ومهددة بالاندثار.

في إحدى ورش صناعة السجاد اليدوي وترميمه في حي الصالحين، كان عمر الرواس يجلس بين بسط تراثية وقطع سجاد قديمة. قبل يومين وصلته قطعة نادرة بحاجة للترميم، يقول “أشك في أنها الوحيدة من نوعها في سوريا اليوم”.

بالنسبة إلى الرواس، لا يقتصر ترميم السجاد اليدوي على كونه عملاً مهنياً، بل هو مسؤولية تجاه تراث المدينة. فبعض القطع التي تصل إلى ورشته يتجاوز عمرها 50 عاماً، وأخرى تقترب من 100 عام، ولا يمكن التعامل معها إلا بمعرفة دقيقة بأنواع الخيوط والألوان وتقنيات النسج القديمة.

يقول الرواس لفوكس حلب إن مهنة صناعة السجاد على النول تراجعت خلال السنوات الماضية. فقبل 2011 كان يعمل في هذا المجال، الذي يصنّع ويرمّم في الوقت نفسه، نحو 20 حرفياً، أما اليوم فلا يتجاوز عدد العاملين فيه أصابع اليد الواحدة.

لم يقتصر التراجع على عدد الحرفيين، بحسب الرواس، بل تقلصت أيضاً ورش صناعة السجاد والنسيج التقليدي في حلب من العشرات إلى ورشتين أو ثلاث، بعدما كانت هذه المهنة تمثل جزءاً من هوية المدينة، وتوفر مصدر دخل لعائلات كثيرة.

يشير الرواس بيده إلى مكان مغلق أمام ورشته، ويقول “هنا كانت ورشة يعمل صاحبها على النول، لكنها أغلقت”. ثم يرفع إصبعه ليلفت النظر إلى مكان أبعد، ويضيف “وهناك، في ذلك المكان، كانت توجد ورشة أخرى. لم أر صاحبها منذ بسطت قوات نظام الأسد سيطرتها على الحي في سنوات الثورة الأولى”.

من ورشة نول حلبي في مدينة حلب
ورشة لصناعة السجاد اليدوي في مدينة حلب

في مكان غير بعيد عن ورشة الرواس، وداخل معمل نسيج قديم حوّل أصحابه جزءاً منه إلى مساحة للعمل والتدريب، يعمل الحرفي علي عبد القادر خصيم وسط أكوام من الصوف والخيوط، التي تملأ المكان برائحتها المميّزة.

يتفق خصيم مع الرواس على أن المهنة باتت على وشك الاندثار، لكنه يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب من يرغب في تعلمها، وخاصة من جيل الشباب. عرض خصيم تعليم المهنة مجاناً لأي شخص يريد اكتسابها. ويقول إن تعلقه الشديد بها دفعه، خلال سنوات نزوحه، إلى افتتاح مركز لتعليمها في دبي.

تعمل عائلة خصيم في هذه المهنة منذ عقود طويلة، وما زال محل العائلة في خان الشونة قرب قلعة حلب شاهداً على هذا التاريخ. غير أن هذا الإرث، بحسب خصيم، لا يمكن أن يستمر بمجرد تمسك العائلة به، ما لم تظهر برامج تدريب ودعم حقيقية.

تعتمد المهنة، وفقاً للرواس وخصيم، بصورة شبه كاملة على العمل اليدوي. فالإبر الخاصة، والمخرز، والمشط الحديدي المستخدم في شد الخيوط وتثبيتها، ما زالت أدوات أساسية في الترميم والنسج. أما الآلات الحديثة، فلا تدخل إلا في مراحل محدودة، ولا تؤثّر على جوهر العمل الحرفي.

يؤكد عمر الرواس أن المشكلة الأكبر لم تعد في تراجع الطلب على السجّاد اليدوي فقط، بل في غياب الأيدي العاملة القادرة على تنفيذ الطلبيات الكبيرة. فالنقص الحاد في الحرفيين جعل الاستجابة لطلبات السوق أصعب من أي وقت مضى، على الرغم من أن بعض الورش ما تزال تستقبل أعمال ترميم من خارج البلاد، وخاصة لقطع تراثية لا تتوفر خبرات مماثلة لإصلاحها في أماكن كثيرة.

ترتبط هذه المهنة جزئياً بعودة السياحة إلى حلب، بحسب الرواس، فالسائح، يبحث عن المنتجات اليدوية التي تحمل هوية المكان، إذ كان يقصد الأسواق والخانات القديمة لاقتناء السجاد والبسط أو لمشاهدة مراحل صناعتها.

اليوم، يعمل في ورشة الرواس عدد محدود من أفراد العائلة. أبناء وإخوة وأقارب يحاولون إبقاء المهنة على قيد الحياة، بينما يراهن الأب على تجربة مختلفة، تتمثل في تدريب ابنته، الطالبة في كلية الفنون الجميلة، على تقنيات ترميم السجاد والعمل على النول اليدوي.

ويرى الرواس أن دخول النساء إلى هذا المجال قد يشكل فرصة لإنقاذ الحرفة، في ظل عزوف كثير من الشبان عن تعلّمها، إذ إنّ نجاح أي حرفة يبدأ من حب صاحبها لها، لا من التعامل معها كعمل عابر.

لمس الرواس أخيراً رغبة لدى بعض زملاء المهنة في تأسيس جمعية للمهن التراثية، تضم حرفاً عدة مثل الحفر على الخشب وصناعة السجاد والبسط العربي. ويأمل أن تساعد هذه الجمعية في دعم الحرفيين وتشجيع الشباب على تعلم المهن التراثية قبل اندثارها.

ورشة لصناعة السجاد اليدوي في مدينة حلب
ورشة لصناعة السجاد اليدوي في مدينة حلب

لا ينفصل دعم الحرف، وفق الصناعي محمد عسل، عن الواقع الاقتصادي العام للصناعة الحلبية. فعندما كانت حلب في أوج نهوضها، كانت صناعة السجّاد اليدوي مزدهرة، وعندما تراجعت تأثّرت بها جميع القطاعات.

حملت السنوات الأخيرة، بحسب عسل، تحديات كبيرة للقطاع، بعدما ألحقت الحرب أضراراً واسعة بالبنية التحتية، وأجبرت كثيراً من أصحاب المهنة على النزوح، بالتزامن مع منافسة متزايدة من السلع المستوردة الأرخص ثمناً.

ويرى عسل أن الصناعي السوري لا ينافس في ظروف متكافئة، إذ يتحمل تكاليف مرتفعة للإنتاج والطاقة والمواد الأولية، بينما تصل منتجات أجنبية إلى الأسواق بأسعار يصعب مجاراتها.

يحتاج دعم الصناعة المحلية، وهذه الحرفة على وجه الخصوص، وفقاً لعسل، إلى إجراءات عملية تشمل تخفيف الأعباء الجمركية، وتوفير المواد الأولية بأسعار مناسبة، وتحسين خدمات الكهرباء، وتسهيل عمليات التصدير.

وبينما تتمسك الورش القليلة بخيوط إرث النول الحلبي، يبقى  مستقبل هذه المهنة معلقاً بسؤال حول إمكانية أن تتحول الجهود الفردية إلى مشروع حقيقي يعيد الحياة إلى واحدة من أقدم حرف المدينة أم أن أنوالها ستصمت إلى الأبد.