فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

صناعة الأحذية في حلب.. حرفة تتنفس بصعوبة أمام غزو المستورد

فرهود الأحمد

ورش صناعة الأحذية في حلب تفقد مكانتها أمام البضائع الأجنبية الأرخص ثمنًا والأكثر وجودًا

منذ مطلع العام الجاري، يخيّم شبح الإغلاق على نحو ثلاثة آلاف ورشة لصناعة الأحذية في حلب، مهدِّدًا مصدر رزق آلاف العمال، بعد أن فُتح باب الاستيراد على مصراعيه ودخلت الأسواق كميات كبيرة من الأحذية التركية والصينية والفيتنامية بأسعار يصعب على المنتج المحلي مجاراتها.

صناعة الأحذية في حلب تمركزت في سوق الصرماتية، قرب الحائط الجنوبي للجامع الأموي في حلب القديمة، منذ القرن السادس عشر، في ذلك الحين كان الحرفيون يصنعون قالبًا واحدًا لكل الأحذية ويصبغونه باللون القرمزي، وسمي الحذاء آنذاك بـ “التاسومة الحمراء”.

وبمرور الوقت، ومنذ تسعينات القرن الماضي، انتشرت الورش في أحياء الهلك، الشيخ فارس، الحيدرية، الصالحين، باب النيرب والفردوس، وتعددت القوالب والأشكال والألوان.

العصر الذهبي لورش الأحذية في حلب، قبل نحو خمسة وثلاثين عامًا، تراجع مع سنوات الحرب، ويعيش أصحابها اليوم تحديات مختلفة. يجمل أبو نورس، صاحب ورشة في حي الصالحين هذه التحديات بـ “غياب حماية السوق المحلي، وارتفاع أسعار المواد الأولية، وإغراق الأسواق بالبضائع المستوردة الرخيصة، وفقدان ثقة المواطنين بالمنتج الوطني، وتوقف التصدير”.

نتيجة لهذه العوامل التي تهدّد صناعة الأحذية وأصحابها وعمالها، اعترض أبو نورس وأصحاب ورش أخرى لدى غرفة صناعة حلب في شهر آذار الماضي، ورفعوا عريضة طالبوا فيها بـ “ضبط الاستيراد وعدم السماح بتهريب الأحذية المصنعة من الأردن والعراق وتركيا ولبنان، وأن تكون ممهورة بختم دولة المنشأ حتى نتمكن من المنافسة”. كذلك، يخبرنا أبو نورس أن مجموعة من الصناعيين سافروا إلى دمشق لمقابلة وزير الصناعة إلا أنه أعرض عن لقائهم، حسب زعمهم.

استجابت الوزارة لقسم من مطالب أصحاب ورش الأحذية، إذ أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية قراراً، يسمح باستيراد الأحذية بكافة أنواعها، شريطة أن تُمهر كل قطعة بختم نافر من الداخل والخارج يظهر بلد المنشأ واسم الشركة المصنعة.

لكن هذا القرار، وبحسب حسن كناس، رئيس الجمعية الحرفية لصناعة الأحذية في حلب، سمح بإدخال الأحذية والأوجه الجاهزة التي تشكّل ما نسبته سبعين بالمئة من مكونات الحذاء، ما أدى إلى تراجع واضح في نسبة التصنيع المحلي. يقول كناس إن “أكثر من سبعمائة ورشة مرخصة أغلقت أبوابها خلال عام واحد فقط، ما أدى إلى فقدان آلاف فرص العمل”.

عمر أبو مصطفى، صاحب ورشة متخصصة بتصنيع أحذية الأطفال، أحد الذين اضطروا لإغلاق ورشهم منذ مطلع عام 2025،  يقول: “ورشتي ومئات الورشات الأخرى أغلقت أبوابها بسبب عدم قدرتنا على منافسة البضائع المستوردة، ناهيك عن إغلاق باب التصدير إلى العراق الذي كان يعتبر بوابة سوريا إلى الخارج سابقًا”.

تسبب إغلاق الورش بفقدان صناع حرفة الأحذية لعملهم أو لجزء منه، أبو يزن، كان يقص الجلود لورش الأحذية في حي الحيدرية لسنوات ماضية، قال إنه يعمل اليوم سائق سيارة أجرة لتأمين قوت عائلته، بعد أن تراجع العمل في مهنته.

لم يغادر حسين العميري مهنته إلى حرفة أخرى، إذ ما يزال يعمل في صناعة الأحذية منذ أربعين عامًا، لكنه بات يعمل جزئياً اليوم نتيجة قلة الطلب على الأحذية.

يتنهد العميري وهو يحدثنا عن عصر صناعة الأحذية الذهبي في حلب ومراحل انتشاره وتراجعه، يقول: “عاشت صناعة الأحذية فترة ذهبية في تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، حينها كنت أنام في الورشة لأسابيع لإنهاء الطلبيات المتراكمة لدول الاتحاد السوفيتي، ثم انتقلنا لتصدير الأحذية إلى العراق وليبيا بداية الثورة السورية عام 2011، أما الآن فأنا أعمل بدوام جزئي لا يتجاوز ثلاثة أيام في الأسبوع في أحسن الأحوال”.

مراحل تصنيع الأحذية وأجرة اليد العاملة وارتفاع أسعار المواد تفرض أسعارًا لا يمكن مقارنتها بـ الأحذية المستوردة المصنعة في معامل مختصة. يشرح العميري أن بداية تصنيع الحذاء تكون بـ بتصميم “الهندازة” على القالب الخشبي، وهي عملية تكوين الشكل المطلوب بلاصق ورقي، ثم يفرد على سطح مستوٍ، ثم يرسم على الجلد ليصار إلى قصّه وتفصيله.

وبعد أن تجرى بعض التعديلات، تشد الأحذية على القالب ويختار الكعب والبطانة والضبان والإكسسوارات المناسبة لها، قبل أن تعرض على الزبون وتسمى هذه القطعة بـ “الجوكر”.

لا تقلّ تكلفة الحذاء المحلي عن سبعة دولارات، ويباع لصاحب محل الجملة بثمانية دولارات، ويصل سعرها في المحلات التجارية  لنحو 15 دولاراً على الأقل، في الوقت الذي يغزو الحذاء المستورد الأسواق بأسعار لا تتجاوز عشرة دولارات، بحسب أبي فاضل، صاحب ورشة أحذية.

يصف أبو فاضل الحذاء المستورد بـ “الأعلى جودة والأقل سعرًا”، يقول  “فقدنا القدرة على المنافسة، بضاعتنا لا تصمد أمام الأحذية الصينية والفيتنامية التي تباع بسعر لا يتجاوز عشرة دولارات. المواطن يريد الجودة بسعر مقبول، ونحن عاجزون عن توفير ذلك”.

أبو صالح، صاحب محل أحذية رجالية في منطقة العبارة بحلب، يبرر ارتفاع سعر الحذاء الوطني بقوله: “أضطر لتحميل المصاريف على البضائع وهي تشمل الضرائب وبدل إيجار المحل والكهرباء وأجور العمال حتى أحصل على ربح يسد الرمق، إذ لا يتجاوز الربح الصافي للحذاء دولاراً أو دولارين بأحسن الأحوال”.

“المواطنون بدورهم فقدوا ثقتهم بالمنتج الوطني” يقول أبو أحمد المرندي الذي كان قبل سقوط نظام الأسد، يتوجه لشراء أحذيته من سوق البالة. يشرح المرندي “ثمن الحذاء المحلي الجيد يعادل نصف راتبي الشهري، أما الشعبي منه فهو رديء وغير مريح ويتأثر بعوامل الجو المختلفة، ما جعلني أشتري الحذاء المستورد بـ عشرة دولارات وهو أمتن وأريح”.

أمام هذا التفاوت السعري، يلجأ أصحاب محلات للطلب من ورش الأحذية تخفيف تكلفة القطعة، من خلال التحايل على جودة السفل والجلد والضبان والمواد اللاصقة، وهذا ما يفسر اهتراء الحذاء في أقل من ثلاثة أشهر، يقول صاحب ورشة طلب عدم ذكر اسمه. أما البضائع المحلية الجيدة، فهي توازي من حيث الجودة المستوردة مثل الصينية والتركية، ويتراوح سعرها بين 16 إلى 20 دولارًا.

ناصر هادي، أحد باعة المفرق في سوق الألبسة في حي صلاح الدين، يقول “في متجري أكثر من مائة صنف من الأحذية، لا يوجد منها سوى ثلاثة أصناف وطنية”. يبرر هادي ذلك بـ “ضعف الإقبال على الحذاء الوطني مقارنة براغبي الأحذية الفيتنامية أو التركية” التي وصفها بـ “المقبولة إلى درجة بعيدة برغم ارتفاع سعرها”، إذ أن “الجودة تصنع الفرق في التسويق”، حسب رأيه.

ليست ورش الأحذية فقط من تأثر عملها، لكن محلات بيع المواد الخاصة بالأحذية والجلود وغيرها تأثرت هي الأخرى. يقول أبو سليمان، صاحب ورشة لبيع الجلود في الهلك “نقلنا ورشنا إلى تركيا هربًا من القصف. بعد التحرير حاولنا العودة، فأعددت مخزن جلديات ومشمعات من البضائع التركية والصينية، لكن التهريب والانفتاح غير المنظم قطع الطريق أمام تنشيط ورش الأحذية”.

يؤكد ذلك أبو محمد، موظف متقاعد يعمل في المخزن بأنه خلال خمسة عشر يومًا لم يبع من البضائع بأكثر من سبعين دولارًا وهو لا يكفي لدفع أجرته الأسبوعية التي لا تتجاوز 25 دولارًا . ما تزال آثار مواد صناعة الأحذية عالقة على جدران ورشة عمر أبو صطيف، في حي الهلك، بعد أن فرغت من صنّاعها ومعداتها.

يقول أبو صطيف أنه باع بضائعه، ويفكر جادًّا ببيع (معدات ورشته) كحديد (طوناج) فـ “صناعة الأحذية في حلب تلفظ أنفاسها الأخيرة”، حسب قوله، إن لم “تصدر قرارات تعيد ضبط السوق وتنصف المنتج المحلي”.

توشك حلب على خسارة حرفة أصيلة شكّلت جزءًا من هويتها الاقتصادية لأكثر من أربعة قرون، فيما آلاف العمال يواجهون البطالة أو التحول إلى أعمال المياومة.