في صباح اليوم التالي لصدور التعليمات التنفيذية الخاصة بالزيادات النوعية على الرواتب، كان أبو أمين يتنقل بين مكاتب مديرية صحة إدلب تارة، وفي مجموعات “واتس آب” الخاصة بالموظفين تارة أخرى، محاولاً فهم ما جرى. لم يكن الحديث يدور حول حجم الزيادة بقدر ما كان يدور حول من حصل عليها ومن استُبعد منها.
كلما سمع أبو أمين الموظف الإداري في مديرية الصحة زميلاً يقارن راتبه بعد الزيادة براتب موظف آخر، كان شعوره بالاستياء يزداد. فالزيادة التي انتظرها لم تصل إليه، بينما حصل آخرون على زيادات رفعت رواتبهم بشكل ملحوظ.
أقرت الحكومة السورية في آذار الماضي زيادة عامة بنسبة 50 بالمئة بموجب المرسوم الرئاسي رقم 67، ثم أتبعتها بمرسوم آخر حمل الرقم 68 منح زيادات نوعية لفئات وظيفية محددة في قطاعات الصحة والتربية والتعليم العالي والأوقاف، إلى جانب جهات رقابية وسيادية، مع حوافز إضافية للعاملين في المناطق النائية وشبه النائية وإعادة تنظيم التعويضات وأجور الساعات الإضافية.
وقالت إن هذه الخطوة تهدف إلى ربط الأجور بطبيعة العمل، وتحسين الاستقرار الوظيفي، والحد من هجرة الكفاءات. لكن صدور التعليمات التنفيذية فجّر غضب العاملين الذين لم تشملهم الزيادة، بسبب اقتصارها على فئات محددة، فيما استُثني منها عدد من الإداريين والعاملين في الوظائف المساندة.
سرعان ما تحولت الاعتراضات إلى وقفات احتجاجية وإضرابات شهدتها عدة مؤسسات حكومية. وكان أبرزها في مديرية صحة إدلب، إذ نفذ العاملون الإداريون إضراباً، طالبوا خلاله بإدراجهم ضمن المشمولين بالزيادة النوعية.
يقول أبو أمين لفوكس حلب “إن راتبي يتناقص ولا يزيد، عندما كنا نعمل ضمن حكومة الإنقاذ كان راتبي يقارب 300 دولار، أما اليوم وبعد توحيد الرواتب بين المحافظات فلا يتجاوز 250 دولاراً، ومع ذلك لم تشملني الزيادة النوعية”.
في ريف إدلب الجنوبي، تنظر فاطمة، وهي موظفة من الفئة الرابعة تعمل في أحد المستوصفات الريفية، إلى راتبها الجديد من زاوية مختلفة. فبعد ست سنوات من النزوح عادت إلى بلدتها لتجد منزلها مدمراً بالكامل.
كان راتبها قبل الزيادة 9300 ليرة سورية جديدة، وسيصبح 13650 ليرة بعد تطبيق زيادة الـ 50 بالمئة فقط. تقول “الراتب لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة، فكيف يمكن أن يساعدني على ترميم منزل مدمر”.
ولم تتوقف الاعتراضات عند الإداريين، ففي عدد من المستشفيات الحكومية من درعا جنوباً إلى دمشق وإدلب شمالاً، نظم ممرضون وقفات احتجاجية اعتراضاً على الفروقات الكبيرة في الرواتب وآلية احتساب التعويضات.
يقول أبو حسن، وهو ممرض في مشفى إدلب الجامعي، إن العاملين في التمريض يشكلون خط الدفاع الأول في المؤسسات الصحية وهم أكثر الفئات احتكاكاً بالمرضى، ويتحملون أعباء المناوبات الليلية والضغط النفسي والجسدي، ومع ذلك ما زالوا يتقاضون أدنى الرواتب في القطاع.
وعلى الرغم من طبيعة العمل الشاقة، يقول أبو حسن إن راتب الممرض من الفئة الثانية لا يتجاوز 26 ألف ليرة سورية جديدة، بما يعادل نحو 188 دولاراً شهرياً، في وقت باتت فيه الفوارق بين رواتب كوادر التمريض وبعض الفئات الأخرى داخل القطاع الصحي أكثر اتساعاً من أي وقت مضى.
ويضيف “من الطبيعي أن تكون هناك فروقات مرتبطة بالشهادة والخبرة والمسؤولية، لكن ليس إلى درجة أن يصل راتب موظف إلى أكثر من ألف دولار بينما يكافح موظف آخر لتأمين احتياجات أسرته الأساسية”.
انعكس الجدل حول الرواتب على بيئة العمل داخل المؤسسات الحكومية المختلفة. ففي جامعة حلب نفذ عدد من الإداريين إضراباً احتجاجياً بالتزامن مع تحركات مماثلة في قطاعات أخرى.
ارتفع راتب أبو تركي، وهو موظف إداري في الجامعة، من نحو 80 دولاراً إلى 120 بعد الزيادة، لكنه يرى أن المشكلة لا تتعلق بقيمة الزيادة وحدها، بل بحجم الفروقات بين العاملين داخل المؤسسة نفسها.
هناك موظفون يتقاضون أكثر من ألف دولار، بحسب أبي تركي، بينما لا يتجاوز راتب آخرين 120 دولاراً. ويضيف “هذا التفاوت يخلق شعوراً بالظلم وقد يدفع باتجاه الفساد والرشوة”.
لا تتعلق الإشكالية، بحسب موظفين في قطاع التعليم، فقط بالمشمولين أو المستثنين من الزيادة النوعية، بل أيضاً بطريقة احتساب الرواتب الجديدة. فبحسب عدد منهم، لم تُراعَ الفئة الوظيفية أو سنوات الخدمة بعد إلغاء بعض التعويضات، ما أدى إلى تقارب رواتب موظفين تختلف مؤهلاتهم ومسؤولياتهم الوظيفية.
وفي مديريات التربية، برزت اعتراضات مشابهة بين العاملين الإداريين. تقول ندى الخطيب، وهي خريجة كلية التربية اختصاص مناهج، وتعمل إدارية في إحدى مدارس مجمع حارم التربوي، إنها تؤدي المهام نفسها التي تقوم بها زميلات حصلن على الزيادة النوعية، لكنها استُثنيت منها بسبب تصنيفها الوظيفي.
وتوضح أن كثيراً من خريجي اختصاصات الإدارة التربوية والتخطيط والمناهج يشغلون منذ سنوات وظائف معاون مدير وأمين سر وموجّه تربوي، لكنهم لم يستفيدوا من الزيادة على الرغم من ارتباط عملهم المباشر بالعملية التعليمية.
ويستند هؤلاء إلى قرارات صادرة عن وزارة التربية عام 2013 أتاحت تكليفهم بمهام إدارية داخل المدارس، مؤكدين أنهم يمارسون تلك الوظائف منذ سنوات مع استمرار تصنيفهم الرسمي كإداريين.
في المقابل، لم يكن الرضا كاملاً حتى بين من شملتهم الزيادة النوعية، يقول عبد الكريم الضعيف، وهو معاون مدير حصل على الزيادة، إن راتبه ارتفع إلى نحو 280 دولاراً، لكن الارتفاع المستمر في الأسعار وتذبذب سعر الصرف حدّا من أثرها على مستوى المعيشة. ويضيف “الوعود التي سبقت الإعلان عن الزيادة رفعت سقف التوقعات لدى الموظفين، لكن الغلاء سبق الزيادة، وبقي الموظف الحلقة الأضعف في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة”.
ويظهر التفاوت بوضوح عند مقارنة الرواتب الجديدة، فالأستاذ الجامعي الذي كان يتقاضى نحو 300 دولار شهرياً أصبح راتبه يقارب 960 دولاراً بعد الزيادة النوعية، بينما ارتفع راتب الموظف الإداري من الفئة الأولى من نحو 70 دولاراً إلى 120 فقط، نتيجة اقتصاره على الزيادة العامة.
تمثل الزيادات الأخيرة، بحسب الخبير الاقتصادي عبد الرحمن أنيس، خطوة إصلاحية تدريجية جرى تمويلها من موارد حقيقية للدولة، لكنها ما تزال غير كافية لتقليص الفجوة بين الأجور ومستويات التضخم.
ويشير أنيس إلى أن سوريا ما تزال في بداية مسار التعافي الاقتصادي، وأن ضخ مزيد من الأموال في السوق قد يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وتحسين القدرة الشرائية تدريجياً، لكن ذلك يتطلب تنسيقاً حكومياً لضبط الأسعار ومراقبة مؤشرات الفقر ومستويات المعيشة.
ويرى أنيس أن استثناء بعض الفئات من الزيادة النوعية يثير تساؤلات حول آليات تحقيق العدالة بين العاملين في القطاع العام، وأن الزيادات لم تشمل العاملين في القطاع الخاص الذين يشكلون شريحة واسعة من القوى العاملة السورية.
من جانبه، يؤكد مدير التنمية الإدارية عبد الكريم القادري لفوكس حلب أن الزيادة الحالية تعد من أكبر الزيادات التي شهدتها بعض القطاعات الحكومية خلال السنوات الأخيرة، لكنها تبقى مرتبطة بالإمكانات المالية المتاحة حالياً.
وحاولت معدة التقرير التواصل مع الوزارات المشمولة بالقرار، لكنّها فضلت التريث في تقديم توضيحات حول أسباب استثناء بعض الفئات، بانتظار صدور التعليمات التنفيذية الخاصة بزيادة الإداريين.
وفي تعليق على ملف الأجور، أكد الرئيس أحمد الشرع، في منشور عبر منصة “إكس”، أن الحكومة مستمرة في تطوير منظومة الرواتب والأجور بما يضمن حياة كريمة للعاملين والمتقاعدين، مشيراً إلى أن أكثر من 861 ألف عامل استفادوا من الزيادات النوعية ضمن مسار إصلاحي تدريجي.
لكن بالنسبة لكثير من الموظفين الذين وقفوا أمام كشوف رواتبهم الجديدة، لم يعد السؤال متعلقاً بحجم الزيادة فقط، بل بعدالتها أيضاً. وبين من رأى فيها خطوة طال انتظارها، ومن اعتبرها تكريساً لفجوة جديدة داخل القطاع العام، يبقى تحسين مستوى المعيشة الهدف الذي لم يتحقق بعد بالقدر الذي كان يأمله العاملون.
