فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

كسر عظم بين المعلمين والجهات الرسمية.. معلمون يواجهون السلطة بورقة التعليم

عبد العزيز عنان

المدارس مغلقة، والمعلمون يتّجهون نحو الأسواق والمحلات التجارية، بينما الطلاب خارج أسوار المدارس، الإضراب المفتوح مستمرٌ في إدلب وريفي حلب وحماة

يسلك الأربعيني يوسف العبدو، وهو مدرس في مدينة إدلب، طريقه إلى سوق المدينة كل صباح، الطريق الحالي لم يكن يسلكه المدرس في هذا الوقت من اليوم، بل كان يسلك طريقاً آخر نحو المدرسة قبل الدخول في الإضراب.

هناك، في محل لبيع مواد التدفئة يمضي يوسف يومه ببيع الحطب وقشور اللوزيات، يساعده صاحب المحل في تحميل وتنزيل أكياس الحطب من السيارات إلى داخل المستودع.

مقابل هذا الجهد، يتقاضى أجراً يومياً لا يتجاوز 250 ليرة تركية، أي نحو ستة دولارات ونصف الدولار، وهو على هذه الحال منذ 11 يوماً. أصبح السوق مكان عمله الأساسي بعد أن كان مجرد مصدر دخل إضافي يقصده بعد انتهاء دوامه في المدرسة.

يشارك يوسف اليوم إلى جانب نحو 22 ألف معلم ومعلمة وموظف إداري في المدارس، وفق تقديرات محلية، في إضراب مفتوح، انطلق مع بداية الفصل الدراسي الثاني مطلع شهر شباط الحالي. أغلقت أبواب نحو 1713 مدرسة موزعة على محافظة إدلب وريفي حلب الشمالي و الغربي وريف حماة، وفق ما نشرته صفحة معلمو سوريا الأحرار.

اليوم، يدخل الإضراب أسبوعه الثاني على التوالي، وفي ذات الوقت تتصاعد المخاوف من انعكاسات هذا الإضراب على مستقبل العملية التعليمية، وسط مطالب يصفها المعلمون بالواضحة والمحددة، تتصدرها زيادة رواتبهم بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، إلى جانب صون كرامة المعلم وتحقيق حد أدنى من  الاستقرار الوظيفي.

يزاول يوسف مهنة التدريس منذ تخرجه من معهد إعداد المعلمين قبل نحو 17 عاماً، نزح من مدينته خان شيخون إلى مدينة إدلب قبل ثماني سنوات واستقر فيها. يتقاضى اليوم راتباً شهرياً يبلغ 130 دولاراً، وهو مبلغ يعادل تكلفة إيجار منزله. يتساءل يوسف كيف يمكن لمعلم في وضعه أن يعيل أسرة من سبعة أفراد ويؤمن احتياجاتها الأساسية، وراتبه بالكاد يغطي جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة، فضلاً عن التأخير المتكرر في صرفه.

بحسب يوسف، فإن معظم المعلمين الذين يعرفهم أصبحوا تحت خط الفقر، منهم من يعمل في مهن إضافية حتى ساعات متأخرة من الليل، كثير منها شاق لا يتناسب مع أوضاعهم الصحية أو مكانتهم الاجتماعية.  يقول يوسف “نحن  بحاجة إلى إنصاف حقيقي يعيد للمعلم كرامته وهيبته، بعد أن أصبح عرضة للسخرية والتهكم نتيجة ضعف راتبه، ولجوئه إلى أي عمل من أجل ألا يترك أبناءه جوعى”. 

يقول معلمون تحدثنا إليهم إن “رواتبهم الحالية لم تعد تغطي أبسط متطلبات الحياة اليومية”، إذ تتراوح أجور المعلمين في محافظة إدلب بين 130 و150 دولار شهرياً، تبعاً للصفة الوظيفية.

ويتقاضى المعلمون في مناطق أخرى من سوريا رواتب بالليرة السورية تتراوح بين 900 ألف ومليون و400 ألف ليرة سورية للمعلم المثبّت، مقارنةً بأجور أقل يتقاضاها المعلمون الوكلاء، ما يعمق شعور التفاوت ويزيد من حالة الاحتقان داخل الجسم التعليمي. وكانت وزارة التربية والتعليم في مطلع شهر شباط الجاري قد رفعت تعويض طبيعة عمل المعلمين الوكلاء  بنسبة 40 بالمئة.

استناداً إلى إحصائية رسمية صادرة عن مديرية التربية والتعليم في إدلب، رفعت إلى وزارة التربية بتاريخ 5 شباط، وحصلت فوكس حلب على نسخة منها، فإن عدد المدارس التي لم تشارك في الإضراب 726 مدرسة، في حين وصل عدد المدارس المشاركة بالإضراب كلياً 568 مدرسة، والمشاركة بشكل جزئي 529 مدرسة، من أصل 1831 مدرسة ضمن نطاق مديرية التربية والتعليم في إدلب وريفها، ما يعكس حجم التأثير الكبير للإضراب على التلاميذ والمعلمين و سير العملية التعليمية كاملاً.

آلاف التلاميذ اليوم خارج أبواب المدرسة ينتظرون حلاً ينصف معلميهم ويعيد لهم حقهم في التعليم، إذ أثار استمرار الإضراب قلق الأهالي اتجاه مستقبل أولادهم وطرح خيارات محدودة، إما الانتظار لفك الإضراب وتحمل فترة الانقطاع والغياب، أو التوجه نحو المدارس الخاصة ودفع أقساط مالية خارجة عن قدرة معظمهم، في حين لجأ عدد من ذوي التلاميذ إلى متابعة المنهاج في المنزل عبر دروس خصوصية وهو خيار مكلف أيضاً وغير متاح لجميع الأهالي.

هيام المنصور، أم لستة أطفال، تقيم في  بلدة البارة في ريف إدلب الجنوبي، تقول إنها فوجئت بحجم التدهور في قطاع التعليم العام وهي ترى يومياً أطفال المدارس في الشوارع بعد انقطاع تجاوز 10 أيام.

وتضيف أنها اضطرت لتسجيل أطفالها الأربعة عند معلمة تتابع مناهجهم كي لا ينقطعوا عن التعليم و يخسروا سنوات دراسية، مشيرة إلى أنها تفكر في نقل أبنائها إلى إحدى المدارس الخاصة في حال استمر الإضراب أكثر.

“زيادة الاعتماد على دروس المتابعة خارج المدارس الرسمية ليس حلاً”  تقول إحدى الأمهات، بل يرهق الأسر ويشكل عبئاً إضافياً عليهم وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وضغوط الحياة اليومية، إذ يتقاضى معلمو ومعلمات المتابعة بين 30 و60 دولاراً عن كل تلميذ، لقاء دروس في اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم لمدة ساعة ونصف الساعة يومياً.

ليست هيام وحدها من تفكر بالتوجه نحو المدارس الخاصة، بل دفع الإضراب كثيرين من الأهالي إلى القلق على مستقبل أبنائهم التعليمي، وبدأ عدد منهم بنقل أضابير أبنائهم إلى المدارس الخاصة، رغم الارتفاع الكبير في تكاليف الأقساط والمصاريف، في خطوة وصفها ماهر العليوي، مدير إحدى المدارس في مدينة إدلب، بأنها تهدد التعليم العام.

العليوي أضاف أن الإضراب أثر بشكل كبير على التلاميذ والمعلمين معاً، وزاد من الفجوة التعليمية بين الأسر القادرة على تحمل تكاليف التعليم الخاص وبين عموم الأهالي، وأكّد على أن القطاع التعليمي بحاجة إلى قرار حكومي جريء ينهي المشكلة المستمرة ويحقق الأهداف المطلوبة.

تحاول آلاء علوش، وهي معلمة وأم لثلاثة أطفال، أن توازن هي وزوجها الذي يعمل معلماً أيضاً بين دخلهما ومصروف المنزل. كلاهما يعملان في التدريس منذ أكثر من 10 سنوات، ودخل الأبوين 250 دولاراً شهرياً، تبتلع منها أجرة المنزل وحدها نحو 150 دولاراً، ويتبقى 100 دولار فقط لتغطية نفقات الأسرة ومصاريف الكهرباء والمياه، واحتياجات الأطفال، والطبابة، والمواصلات. 

تقول إن الإضراب لم يكن خياراً سهلاً، بل نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الضغوط. فإلى جانب تدني الرواتب، لا يوجد موعد ثابت لصرفها، ولا سلم واضح للأجور، ولا نظام داخلي يحفظ كرامة المعلم داخل المدرسة.

تضيف “نُحاسب على كل تفصيل، لكن لا أحد يحاسب على القرارات الصادمة التي تصدر بحقنا”. تؤكد آلاء ومعلمون مشاركون في الإضراب أن تحركهم لا يهدف إلى تعطيل التعليم، بل إلى حفظ كرامتهم وتأمين استقرار العملية التعليمية، مشددين على أن أي حل حقيقي لن ينجح دون استجابة فعلية وسريعة لمطالبهم، بعيداً عن الوعود المؤجلة، وبما يضمن عودة المعلم إلى مكانته وهيبته داخل المجتمع.

يوضح ساري الرحمون، وهو إداري في ثانوية تلمنس للبنين في ريف إدلب، أن الإضراب جاء خياراً أخيراً للمعلمين، بعد استنفاد جميع السبل للمطالبة بحقوقهم، وقوبل بتهديدات وضغوط من بعض الشخصيات التربوية، بينها مديرو تربية وموجهون ورؤساء مجمعات تربوية، وهو ما انعكس سلباً على المعلمين وأسهم في اتساع رقعة الإضراب وزاد عدد المدارس التي شاركت بالإضراب.

وانتقد رحمون ما وصفه بالضبابية في تعاطي الحكومة السورية مع ملف التعليم، في ظل غياب أي وعود واضحة أو جدول زمني أو أرقام محددة لزيادة الرواتب، والاكتفاء بتصريحات عامة  معتبراً أن هذا النهج زاد من حالة الاحتقان، ودفع المعلمين إلى التمسك بالإضراب وربطه بصدور قرار رسمي يتضمن زيادة فعلية، مبدئياً لا تقل عن 100 بالمئة.

تفاعلُ المعنيين تجاه الإضراب كان مخيباَ للمعلمين، حسب وصفهم، فوعود محافظ إدلب التي ذكرت أن ملف الرواتب قيد الدراسة “لم تعدو كونها مجرد إبر تخدير” لم تفلح في تهدئة الكوادر التعليمية أو دفعهم إلى فك الإضراب والعودة إلى الصفوف، مع رفع شعار واضح مفاده “لن تبدأ الحصة حتى تنتهي القصة”.

في مجمع قاح التربوي، لم يكن الوضع أفضل حالاً، إذ وُجهت تحذيرات للمعلمين المشاركين في الإضراب، وتصاعد التوتر بعد إبلاغ مدير التربية عن اتخاذ إجراءات بحق المتغيبين لثلاثة أيام متتالية، ما أدى إلى احتجاجات داخل المجمع انتهت بإخراج المدير من مجموعة المعلمين على تطبيق “الواتس أب”، في مشهد يعكس حجم الغضب والاحتقان داخل الوسط التعليمي.

نقابة المعلمين فرع إدلب، دعمت مطالب المعلمين وحقوقهم المشروعة، وشدّدت على ضرورة تحسين الأوضاع المعيشية ومعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها إعادة المعلمين المفصولين وتثبيت المعلمين الوكلاء وإنصاف الكوادر التعليمية. وأكدت أن كرامة المعلم وحقوقه تشكل أساس أي إصلاح حقيقي في قطاع التعليم، داعيةً الجهات المعنية إلى اتخاذ قرارات وإجراءات عملية دون تأخير.

يشترك المعلمون اليوم في الشعور الدائم بعدم الأمان، ليس على مستوى المعيشة فقط، بل على المستوى المهني أيضاً، ويعزّز من هذا الشعور غياب قوانين واضحة تحمي المعلم من التجاوزات، وتضمن له مكانته المجتمعية.