بين نفخة من فمه وضغطة من يده، يراقب خالد الحسين (30 عاماً) عودة النبض إلى جسد توقف قلبه فجأة. إنها لحظة ولادة جديدة يراها المسعف كمكافأة لسنوات قضاها في مواجهة الموت، لكنها اللحظة ذاتها التي تترك خلفها كوابيس مثقلة بالدماء، ومشاهد مرعبة يختبرها في كل عملية إنقاذ. اليوم، وبعد عودته إلى دوما إثر رحلة تهجير بدأت عام 2018 وانتهت في كانون الأول/ ديسمبر 2024، يجد نفسه أمام عدو جديد هو الذاكرة.
انضم خالد عام 2015 إلى الدفاع المدني للعمل كمسعف ميداني في دوما. يسترجع ذكرى تلك الأيام من داخل سيارة إسعاف مركونة في مركز لا يبدو أنه مخصص لعمليات الإنقاذ، «لما انضميت ما توقعت صعوبة العمل تحت القصف. صحيح كان في شجاعة، لكن بأول مهمة استهدفنا الطيران بغارة مزدوجة، يعني استهدف المكان نفسه بغارة تانية، لما شفت الفريق تحت القصف عم يكمل شغله، ويسعف الناس، صرت اتحرك تلقائياً وكل همي اني صير مثلهم..».
«إنقاذ حياة الناس» هي الغاية المتفق عليها ضمنياً بين المتطوعين الذين يبلغ عددهم 3300 في منظمة الدفاع المدني المعروفة بـ «الخوذ البيضاء». لدى تأسيسها قبل 13 عاماً، أسهمت المنظمة في إنقاذ آلاف السوريين (130 ألف شخص) من تحت الأنقاض ومن مختلف المخاطر التي تعرضوا لها، وقد قررت المنظمة حل نفسها في حزيران/ يونيو الماضي، لتندمج في وزارة الطوارئ والكوارث بعد موافقة أغلبية أعضائها، وهو تحول عاصره خالد مع فريقه الذي لم يتغير منذ 2015.


حياة في بدلة
بالقرب من ساحة البلدية في دوما، هناك مساحة شاغرة تصطف فيها سيارات الإنقاذ بجانب منزل صغير يُستخدم كمقر يتبع للدفاع المدني السوري. هذا المقر مؤلف من ثلاث غرف هي مكتب إداري، وغرفة استراحة، وغرفة رصد ومتابعة يمضي فيها عناصر الخوذ البيضاء معظم ساعات يومهم متأهبين لأي نداء استغاثة.
خلال زيارتين طويلتين قمت بهما للمركز، كان رفاق خالد يغسلون السيارات ويعاينون الأجهزة، فيما كان بعضهم مستلقياً داخل غرفة الاستراحة كمحاولة لتصريف الوقت بشرب الشاي والمتة. هؤلاء ينتمون إلى ثلاث فرق، إطفاء وإسعاف وإنقاذ يضمّهم المركز. يتلقون البلاغات عبر الهاتف عادة، ويستجيبون لحوادث طارئة مثل الحرائق وحوادث السير وحتى انهيار الأبنية، ومؤخراً باتت أكثر استجاباتهم لحوادث السير، كما يُجمع المتطوعون.
لا يكاد يختلف برنامج متطوعي الدفاع المدني بين يوم وآخر، سواء في غرفة الرصد أم أثناء الاستراحة؛ بسترات صفراء وكنزات رمادية يشاهدون تلفازاً صغيراً لكسر صمت الانتظار. لكن هذا الهدوء يبدو كقشرة رقيقة، فبينما يواصل مسؤول الفريق أبو محمد سؤال زملائه عن وضع الآليات، يقول أحد سائقي الفريق أبو معروف «حتى لو كنت باستراحة، ذهنك يكون في الخارج دائماً». هذا ما يختبره خالد أيضاً، فيصف مهنة المسعف بأنها حالة من التأهب على مدى 24 ساعة، قائلاً «عملنا هو الخط الأول لمواجهة الموت. بتصير البدلة قطعة من جسمك، وبتتعايش مع ريحة الدم والوجع..».



ندوب من دوما إلى جنديرس
ذاكرة خالد مليئة بتواريخ لا تُمحى. في 20 كانون الثاني/ يناير عام 2018، فقد رفيقه محمد البويضاني بشظايا قذيفة هاون في ساحة الغنم، حين استُهدف سوق شعبي في دوما. وبينما كان خالد داخل أحد الأبنية، سقطت قذائف هاون بجانب السيارة حيث كان محمد متواجداً، لذلك تمكن خالد من رؤية لحظات صديقه الأخيرة «كان جسمه كله شظايا.. لليوم بتلازمني هالذكرى بمناماتي، وكل ما مريت بالمكان».
تعرض «الدفاع المدني» لهجوم متكرر من قبل النظام السوري البائد وحليفه الروسي الذي حاول تلفيق العديد من التهم لإخراجه من سوريا، أبرزها القصف الكيماوي. كما جعلت قوات النظام وروسيا مراكز المنظمة هدفاً لعملياتها العسكرية، مما أسفر عن مقتل حوالي 321 متطوعاً منذ تأسيس «الخوذ البيضاء».
لم يكن زلزال شباط/ فبراير 2023 في جنديرس أقل قسوة. يخرج خالد هاتفه ليعرض فيديو يوثق إنقاذ طفلة تدعى نور. يتذكر صرخة الأم تحت الأنقاض، بينما كان يُطمئِن طفلتها «عمو نور لا تخافي». يحكي بمرارة عن اضطراره إلى حفر السقف بيديه العاريتين لمدة ساعتين. نجت الأم وابنتها، بينما عجز عن إنقاذ طفليها الآخرين اللذين لم يسعفهما الوقت، فأضافا بموتهما ثقلاً جديداً إلى قائمة الفقد. وعلى الرغم من اللحظات الصعبة التي حفرت في ذاكرته، يخبرنا برضى أنه منذ انضمامه إلى «الدفاع المدني»، استطاع توثيق 250 حالة إنعاش نجح في إيصالها إلى المستشفى على قيد الحياة، ومازال يتواصل مع بعضهم حتى اليوم.


سباق مع الزمن
عمل المسعف في الكوارث هو سباق مباشر مع الزمن. في طب الطوارئ يكتسب مفهوم «الساعة الذهبية» أهمية كبيرة، كونها الدقائق الستين الأولى الحاسمة لإمكانية النجاة، وهذا ما يجعل عمل خالد أشبه بمواجهة متواصلة مع الزمن. يصطدم أيضاً بعوائق يفرضها الشارع، فبينما «نحارب الزمن ونقاتل عالدقيقة لنقدر نوصّل المصاب للمشفى»، يشير خالد إلى أن المشكلة الأكبر تكمن في الشارع، حيث هناك عدد من الناس الذين لا يملكون وعياً كافياً بقانون السير، خصوصاً عندما تمر سيارة الإسعاف «رغم أن الأولوية لسيارة الإسعاف بتلاقي حدا بدو يتجاوزك أو مسكر طريق..عرقلة السير هي أسوأ شي برحلة سيارة الاسعاف» يقول خالد، وهو ما قد يؤخّر الوصول.


احتراق نفسي
في منطقة تل كردي الصناعية، يقيم خالد مع والده وعائلته المكونة من زوجته وأطفاله الثلاثة في مزرعة تبعد عن دوما ومركز الدفاع المدني حوالي 10 دقائق بالسيارة. يعمل والده في هذه المزرعة كناطور، ويرعى الأرض ويحميها من السرقات مقابل الإقامة فيها مجاناً. هكذا توفر العائلة إيجار البيت الذي يتولى خالد مصاريفه اليومية من الراتب الذي يتقاضاه من عمله كمسعف.
لا يستطيع خالد أن يفصل عمله عن البيت «دائماً بتعاتبني زوجتي وبتقلي اشلح بدلة الدفاع المدني، بس أنا ببقى فيها معظم الوقت، وبضل متابع حتى لو من البيت»، مضيفاً أنه لا يمكنه الانفصال تماماً عما يحدث في المركز، حتى بعد انتهاء دوامه، معترفاً بتقصيره مع عائلته من جراء ذلك. فضلاً عن أنها تستحوذ على وقت وطاقة المسعفين، تُصنف عمليات الإنقاذ والإسعاف من أكثر المهن خطورة بخاصة عندما تكون في بيئات غير مستقرة. وما بين العمل تحت القصف سابقاً والكوارث الطبيعية، وصولاً إلى الاستجابة لحوادث المرور العادية، يكون الخطر دائماً متربصاً بفرق الإنقاذ، كونها تتعامل مع موقع قد يكون لا يزال خطيراً لدى وصولها إلى المكان. هذا الخطر يبدو متوقعاً دائماً بالنسبة إليه «كل ما اطلع بسيارة الإسعاف بحط احتمال انها ممكن تكون آخر حالة استجابة» يقول خالد الذي ينتابه هذا الشعور أيضاً لدى خروجه من البيت إلى المركز. يكمل حديثه مجيباً عن سؤالي حول المخاطر والصعوبات التي يتعرض لها «كل مهمات الإنقاذ صعبة، لكن الإطفاء أصعب مهمة، خاصة الحرائق البترولية كونها معرضة للانفجار بأي لحظة، وسابقاً كان العمل تحت القصف يعتبر الأصعب، خصوصاً القصف المزدوج.. من فترة قصيرة تعرضت لحروق بسبب برميل انفجر خلال استجابتنا لحريق في دوما».
تتعرض فرق الإسعاف والإنقاذ التي تستجيب لحوادث خطيرة، إلى الضغط النفسي الحاد والإجهاد المزمن بسبب تعرضها لمشاهد عنيفة، وتعاملها مع حالات وفاة الأطفال وأحياناً المعارف أو الأقرباء. هذا ما تؤكد عليه بعض التقارير العلمية، مشيرة إلى أن العاملين في خدمات الطوارئ يواجهون ضغوطاً نفسية حادة، إذ تصل معدلات اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بينهم إلى 27%، والاكتئاب إلى 15%. يعترف خالد بذلك ضمنياً «اللي ما بيخاف مريض.. الخوف الأكبر هو من الغدر، من انفجار غير محسوب. لكن سر الحب للدفاع المدني هو انك دائماً بقلب مغامرة لإنقاذ روح».

النقطة 200.. مدينة أشباح
يظل استهداف النقطة 200، وهي مركز إنقاذي قُصف بعدة غارات منذ عام 2015، ماثلاً في ذهن خالد كإحدى أقسى التجارب التي تعرض لها، خصوصاً أنها تزامنت مع بداية انضمامه إلى الفريق، يستعيد تلك اللحظة وعيناه تعكسان تعباً مزمناً: «لحد الآن ما بقدر زور المركز أو ادخل عليه.. صرت خاف منه، بشعر أنه مدينة أشباح رغم محاولات تأهيله كمدرسة، المكان بيحمل ذكرياتنا وذكريات زملائنا اللي استشهدوا».
تنشر هذه المادة بالإشتراك مع موقع خط ٣٠
