عندما تتجوّل في دمشق القديمة، عبر الشارع المستقيم الذي يوصلك إلى سوق مدحت باشا، ستلتقي عيناك بحمام المنى الأثري الذي عُمّر في الفترة الأولى من القرن الثامن عشر. فوق بوّابته، كتبت على لوحة رخامية «شامنا زادت سروراً وابتهاجاً بالمنى/ فأتى التاريخ بيتاً بعد هذا للبنا/ عمّر اسماعيل باشا فيه حمّام المنى». وحين أدركه الزمن، كان الخراب من نصيبه عنواناً وصفةً، فبات يُسمّى «حمام الخراب».
اليوم، تتوزّع عند واجهته محالّ تجارية، أحدها يبيع السجائر، وآخر يصلح هواتف المنزل القديمة ويبيع أشياء أخرى لا تنطق سوى برغبة ذلك الدمشقي بالاستمرار. العم توفيق هو ذلك الدمشقي الذي ورث مهنة أبيه، أي إصلاح الهواتف القديمة، لكن في ظل تقنيات الاتصال المتقدمة كان عليه أن يستخدم تقنيات أخرى كي يبقى متّصلاً بواقعه ورزقه، فتراه يبيع أشياء مختلفة كألعاب وتذكارات أو طيور يربيها. في السابق، كان هذا المحلّ أحد مداخل الحمّام، قبل أن يصبح متجراً. من المرجّح أنّ والده استأجره من مديرية الأوقاف التي يتبع لها الحمّام، لكن ذلك حديث آخر.
تتقلّص مساحة موضع القَدم في دمشق مع مرور الزمن، ومعها يتقلّص المدى الذي قد يصله نظرك، إذا ما تمكّن من اجتياز الكتل الإسمنتية. مع هذا، تظلّ الفراغات المدينيّة تتنفّس على قلّتها، كتلبية لحاجة السكان إلى التكيف، وهي حاجة لن يبدّدها إلّا موت المدينة نفسها.
تتعدّد أشكال هذه الفراغات المدينية وتحوّلاتها، مثلما تتنوّع أيضاً أسباب وطرق إنتاجها ومعانيها، ربما بقرار منك أو من سلطة أعلى، لكن ما يجمع كل ذلك هو البحث المستمرّ عن الفضاءات واستثمارها، في وقت تضيق أحلامنا بعيشٍ أفضل ومساحة أكبر.



ما زلنا في ذلك الشارع المستقيم والمعوجّ بقصصه الكثيرة، نبتعد الآن عن ذلك الحمام مسافة دقيقتين أو ربع ساعة مشياً ، الوقت محكوم برغبتك في إطالة النظر أو عدمه. ستجد العم طوني واقفاً أمام محلّه الجديد بابتسامته اللطيفة. قبل أن ينتقل إلى هذه الزاوية، كان الرجل يصنع ويبيع الموسيقى على شكل آلات خشبية في إحدى زوايا التكية السليمانية، إلى أن أصدرت وزارة السياحة إنذاراً بضرورة إخلاء الحرفيين لمحلاتهم هناك عام 2023. وبحجّة إعادة ترميم المكان، وجد طوني نفسه خارج التكية، مع حوالي 50 حرفي سوري. قرار حكومي واحد كان كافياً لكي يحوّل الفراغ من حاضنٍ للأصالة إلى طاردٍ لحراسها.
أبعد القرار العم طوني مسافة عشرين دقيقة مشياً عن محلّه القديم الذي كان فسيحاً. من حسن حظه أنه وجد مكاناً لآلاته، و إن كان عبارة عن بضعة أمتار مربعة عند باب بيت قديم. فقد ساعده ابن أخيه على أن يعثر على تلك المساحة الصغيرة التي يملكها والتي تحوّلت من مكانٍ للدخول إلى مدخل رزق أيضاً. عندما رأيت العم طوني محاصراً داخل تلك البقعة الضيّقة، لم يخطر في بالي وأنا ألتقط صورته سوى أنّه رجل فيتروفي دمشقي بيدين مقيّدتين على جانبيه.
يواجه الحرفيون صعوبات كثيرة للاستمرار في ظل هذه الظروف، مع غياب تطبيق قوانين نافذة تصون الذاكرة، وكأن من يحرس المدينة هو نفسه من يطرد سكّانها.


من الشائع أن دمشق محاطة بسبعة أبواب، ليست بالضرورة مخرجاً منها وإنما تشكّل مدخلاً إلى دمشقٍ أخرى. هذه البوابات ليست إلا دلالة على البداية والتجدّد. هكذا كانت دمشق بالنسبة لي، مكاناً يدهشك ويفاجئك على الدوام. فما إن تدخل من باب الجابية إلى خارج السور حتى ترى بعضاً من السوريالية بشكلها الواقعي.
ربما هنا لا نحتاج إلى ورقة أو تصريح من أحد لكي يسمح لنا بالعمل، فكلّ ما نحتاجه هو موافقة من أصحاب البيت والحي. على أحد الأرصفة، وفي المساحة الشاغرة تحت أحد المباني، يقف الشاب عمران. عن قصد أو من دونه، أعاد الشاب التفكير في معنى أعمدة المبنى، إذ استغلّ عموداً، ووصله بطاولة يضع عليها عدّة الحلاقة خاصته. هكذا، صنع صالوناً للحلاقة بلا جدران، مبتكراً معنى جديداً لتلك المساحة التي تستخدم عادة لركن سيارات سكان المبنى.



قصص التغيّر لا تنتهي في دمشق، بل تتحول من سنّة كونية إلى فرض وجودي، إذ لا يمكن أن نكون أو ننوجد من دون التحايل على المساحات الضئيلة في المدينة. بالقرب من شارع بغداد وفي منطقة الأزبكية يوجد محلٌّ صغير مثلث الشكل، وفيه يبيع أبو أنس الخضار والفواكه لأهل الحي بعدما أستأجره من أحدهم.
أبو أنس كان مخبري أسنان، وكغيره من الشبان السوريين الذين أثرت عليهم الأحوال الصعبة في سنوات الحرب، اضطرّ لترك اختصاص عمله واستغل هذا المكان الضيق ليبيع فيه ما يحتاجه الجيران، فركن بضاعته فوق بعضها وحوّل زوايا المثلث الميتة الى مكانٍ تعيش من رزقه عائلة ويعيش على فاكهته آخرون. لا يمكن فهم كيف تكوّن هذا المكان بوضوح، إذ يبدو مقتطعاً من غرفة داخلية لأحد البيوت فيما يشغل مساحة من الرصيف. السنتيمترات القليلة التي نحتاجها للمشي في المدينة، قد تتحوّل إلى مورد رزق لغيرنا على الأرصفة.


أعود إلى باب الجابية.. بالقرب منه، وعند واجهة جامع السيبائية، سنرى تلك الفراغات الصغيرة وقد تحوّلت إلى مشهدٍ صاخب يحتلّ الأملاك العامة. فضاءات مشغولة تنطق بحجم الضغوطات الاقتصادية على الباعة وعلى حاجة الناس للبحث عن لقمة العيش ولو على حساب مساحة وقوفك.هذا ما فعله ماهر، الشاب الذي يدرس إدارة الأعمال، والذي برع في حجز مساحة لبضاعته، لتجذب المارّة، ولتكون نقطة تجبرك على الوقوف عندها لكي تأخذ حاجتك من الأغراض التي يبيعها، وحقك من الأملاك العامة.



ولكن عندما تنتهي المساحات الشاغرة، هل يمكن للمنزل أن يكون حلنا الأخير بحثاً عن حياةٍ بمواصفات لا تشبه ضيق المدينة؟
ربّما، ستعثر على إجابة لهذا السؤال حين تواصل المشي بين أزقة و حارات دمشق. في مناطق العشوائيات مثلاً، ستظهر الأجوبة على شكل قصص كفاح مر عليها الزمن مرتين أو أكثر، فأنتج ذلك حالات تضحية حتى بمساحات المنازل، بأشكال لا تروق دائماً للعين التي تعرف دمشقاً ما قبل تمدّد الإسمنت. هكذا يتحوّل المنزل من مكان للسكن والسكون، إلى مساحة للبيع، رغبةً بالاستمرار في وقت تلفظ فيه المدينة فراغاتها الأخيرة.

تنشر هذه المادة بالإشتراك مع موقع خط 30
