فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

يقولون إنّ هناك لونًا اسمه أحمر

محمد بدرة

أفشيت سرّي ولم تفشِ الوردة لي عن سرّ لونها. أصبحت كل وردة أراها وردةً لذاتها لا للأحمر فيها، ولا لصورتي عنها أو لآراء الآخرين حولها

وقفت معلّمة الرسم يسر فاغرةَ الفاه أمام إحدى لوحاتي. أمسكتْ بها وأشارت إلى ألوانها ثم حدّثت الجميع عمّا أسمته اتساع مخيّلتي. أشارت إلى استخدامي الأخضر للون الشمس، والبني الفاتح لأوراق الشجر والغامق منه للون الزهور. كان ذلك خلال إحدى حصص الرسم في مدرستي الإعداديّة في دوما.

على الرغم من أنها أحبّتْ اللوحة واحتفظت بها، إلا أنني لم أجرؤ على إخبارها بأن ذلك لم يكن خيالاً مقصوداً، وبأنني صُدِمْتُ من وصفها للوحة أكثر من صدمتها بألواني. منذ تلك اللحظة، نظرتُ مجدّداً إلى علبة الألوان، وأيقنتُ أنّني امتلكت سرّي الأول في الحياة.

حملتُ سرّي معي، على الرغم من أنّ لوحاتي كانت تُفشيه دائماً. لهذا، كنتُ وفيّاً للخطّ أكثر من اللون فيها. الخط لا يكذب، ولطالما وجدتُ ملاذاً آمناً في كلّ ورقة بيضاء، أينما كانت تلك الورقة؛ لأعيد ترتيب الخطوط عليها. غدا كلُّ سطحٍ أملس ورقةً للرسم، فثمّة خطٌ ناقص في كل شيء، وأنا لم أمنع يدي من إكمال الأشياء.

خلال بداية إقامتي في باريس، جلستُ عند نافذة غرفتي أتأمّل زينة عيد الميلاد المعلّقة فوق أعمدة الشوارع، والمضاءة بلونٍ يصعب وصفه. حدّقت به طويلاً، فكان يبدو بالأحمر حيناً ثم بالأصفر حيناً آخر من دون أن يتغيّر. وقفتُ عاجزاً بينما أحاول تحديد اسمه لصديقتي عبر الهاتف. كانت معركةً مع المفردات، وكان الأمر أشبه بفهم كلمة أجنبية لم أسمعها سابقاً.

سألتني صديقتي ساخرةً «هل يرى الإنسان ما لا يستطيع وصفه؟!». فقلت لها «هل يستطيع الإنسان وصف ما لا يراه؟!»

عند تلك النافذة، أدركتُ الفارق بين النور واللون، كنت أشعر بالنور.. نقيضه الظلام الذي يعطيه معنىً واضحاً في رأسي، أما اللون، فلا عكس له ولا نقيض. لم تكن تلك المشكلة موجودةً عند بدء المكالمة معها، لكن اللون صار عبئاً عليَّ في اللحظة التي طُلب مني فيها تحديد اسمه، أصبح ثرثرةً بصرية لا أفهمها بالرغم من كوني أراها. كل لون عندي يميل إما إلى الأسود أو الأبيض، لكن الحياة تفاجئني دائماً بدرجات مختلفة لا أستطيع معايرتها ومعرفة اسمها الدقيق.

اسم اللون، والحيرة بانتقاء كلمات قريبة إلى كل ما أراه.. كانت تلك غربتي الأولى. اللغة أداةٌ قاصرة، فهناك ما هو أحمر كالدم، لكنني لا أراه إلا بلون لحاء الشجر، أو هذا ما أعتقده على الأقل، هذا ليس مجرد اختلال في العيون، بل في المفردات التي اكتسبتها للتعبير.

فاقد الشيء لا يعطيه. لا أملك الأحمر في عيوني، لكن اسمه حاضرٌ في مفرداتي وهنا تكمن المسألة، عليّ أن أملأ فراغ المفردات بضربة حظ، تارة أسميه أحمر، وتارةً بنياً، وهما في عيني سيان. لهذا أصبحت لغتي نوعاً من التخمين، وصار وصفي أشبه برمية نرد.

سألتني معلّمة الرسم مرةً أن أعطيها اللون الأحمر؛ لتكمل رسم النار بلوحتي في موضوع حمل عنوان «الطبيعة بالألوان الحارّة». أعطيتها البني، فقالت لي بنزقٍ «قلت لك الأحمر، الأحمر وليس البني!»، بدأ اللون في يدي يرتجف كأصابعي، أما وجهي فاشتعل خجلاً بنياً أبصره الجميع بلونٍ أحمر.

لطالما أمسكت بهذين اللونين، لم أكن أراهما لوناً واحداً، إلا أنهما كانا لونين يصلح كلٌ منهما ليكون لون الزهور والشفاه والخجل والدم وسيقان الأشجار والفراولة والعيون. ومنذ أن اهتز اللون في يدي، اهتز في عينيّ، وصار كل لون قابلاً للشك، وكل ما هو قابل للشك قابل للوجود.

زرت طبيبة العيون في باريس بعدما كانت قد أجرت لي اختبار «Roth 28 Hue-Farnsworth-Munsell». أخبرتُها بفرنسيةٍ متكسرة عن سرّي الدفين وعن علاقتي بالألوان، فأمسكت علبةً بلونٍ مجهولٍ وسألتني عنه، قلتُ إنّ لونها أخضر، فلم تتمالك نفسها من الضحك. كان من اللطف منها أن تعامل سرّي كنكتة، لا كمرض. ضحكت معها، وبفرنسيّتي المتكسّرة، بدأتُ أتلكّأ أمامها بالمفردات والألوان، كانت تغفر لي اللون الخاطئ، لكنها لم ترحمني من تصحيح لفظ الأحرف الصوتية الفرنسية.

تيقّنتُ حينها أنّ لفظ كلمة fleur أهم من معرفة لونها. سألتني عن مهنتي ودراستي، أخبرتها أنني درست العمارة وأعمل مصوّراً صحفياً، ابتسمت وقالت جيد جداً؛ لأنك غير مؤهل لتكون طبيب جلدية، ولا سائق طائرة ولا ربان سفينة، بينما تستطيع ممارسة مهنتك بسلام، ثم أخبرتني أيضاً أنّ الحالة اسمها بالفرنسية «الدالتونية».

أنظر دائماً إلى الفجوة ما بين الإنسان والطبيعة، وأجد أنّ الفن هو الجسر الواصل بينهما. 

لطالما اعتقدتُ أنني أملك نظرة واقعية أو موضوعية للطبيعة، إلا أنني لم أخرج من ذاتي أبداً؛ ثَمّة فلتر ذاتي يتحكم بصورة الطبيعة في ذهني دائماً. بالنسبة إليّ، لا توجد الأشياء بذواتها، بل بصفاتها المرسومة خلال رؤية المراقب. قد تكون الوردة بنيةً وحمراء في الوقت نفسه، أنت من يختار، وثمة لونٌ ثالث لا يستطيع كلانا تمييزه، إذ إننا لا نملك الأدوات المناسبة لقياسه، ومن هنا، تغدو الحقيقة وهماً متفقاً عليه.

تقول رابعة العدوية «فلست أرى الكون حتى أراك»، الرؤية هي أساس الإحساس بالكون، وأنا، عندما أيقنت أن عينيَّ قاصرتان عن إدراكه، كبر الكون في عيني واتسع، مما جعلني أمعن النظر مرتين في كل شيء؛ مرةً لأراه، ومرةً للتأمل فيه، فأدرك أن شيئاً ناقصاً أمامي، ومهما أمعنت فيه لن يكتمل.

كثيرة هي الألوان التي فرضت نفسها وسط توازن اللون الأبيض في عدستي أثناء عملي، وكثيرة هي الأسئلة من خلفها..

ما لون الوردة الحمراء؟

أتأمل الورود دائماً.. وفي السابق، كنت أشعر أنّ البنيّ الذي أراه، هو الأحمر الذي لا أراه، أما الآن، فأنا لست أعمى عنه، بل إن عيون الآخرين هي من تظنّ أنها تراه. أخاطب اللون في سري عن سري دائماً: أنا حينما لا أراك أراك.

ما لون الدم؟

لا مهرب من الاعتراف أنّ الدم حاضر في صوري حضور الورد. كان يبدو لي أسود بنياً قاتماً كلون لحاء الشجر، أو خمرياً، أو أخضر، لا أعرف صراحة، ولم أهرب منه أبداً، كنت أراه مستقبلاً مؤجلاً، يحمل بلونه النزف وأغصان الأشجار. لم يعنِ اللون لي شيئاً بقدر ما عنت لي اليد التي كانت مضرّجة به.

لا قدسية للبصر، لقد جعل هذا الاختلال من عينيَّ ممرّاً نحو الآخرين والإحساس بعيونهم التي قد تختلف عمّا أملك، لست المحور ولا محور هنا، بعض التقزّم يجعل عينيك أضخم، وبعض النقص امتلاء. في البداية أدركت وجودي ووجود الوردة، أما الآن، فثمة وردة وأنا، وصورتي عنها، وثمة أيضاً آخرون، ولهم صورهم الخاصة عن الوردة وصورٌ أخرى عني. في النهاية، استطعت فهم سري الدفين. ما كان السرّ إلا نقصاً ببعض المخاريط الحمراء في عينيّ.

يقولون إنّ هناك لوناً اسمه أحمر، أصدّقهم، ولا يصدقونني. أفشيت سرّي ولم تفشِ الوردة لي عن سرّ لونها! أصبحت كل وردة أراها وردةً لذاتها لا للأحمر فيها، ولا لصورتي عنها أو لآراء الآخرين حولها، صوّرت ورسمت كثيراً، لكنّي لم أبخل يوماً بالألوان؛ أعطي الناس بعضَ البنّيِّ مني، بديلاً عن كثيرٍ من كل ما هو أحمر لديهم.

طفل يسترق النظر في أحد ممرات مدارس دوما، 2014، تم تعديل ألوان الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي؛  لتبدو كما لو أن مصاباً بعمى ألوان اللون الأحمر يراها.
طفل يسترق النظر في أحد ممرات مدارس دوما، 2014، تم تعديل ألوان الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ لتبدو كما لو أن مصاباً بعمى ألوان اللون الأحمر يراها.
زخرفة هندسية رسمتها بين عامي 2006 و2007، بالألوان المائية. وبهدف الوصول إلى الانسجام بين عناصر اللوحة؛ لوّنتها وفق نمط يعتمد على استبعاد الألوان المتقاربة، والاعتماد على التضادّ بين الألوان المختارة، أي وفق طريقة تصنيفي للألوان، فالأخضر الغامق والأخضر الفاتح يبدوان لونين منفصلين ومتضادين بشدة، بينما اعتبرت البني والأحمر لونين متقاربين ومتشابهين، ولا يمكن أن يتجاورا داخل الرسمة.
زخرفة هندسية رسمتها بين عامي 2006 و2007، بالألوان المائية. وبهدف الوصول إلى الانسجام بين عناصر اللوحة؛ لوّنتها وفق نمط يعتمد على استبعاد الألوان المتقاربة، والاعتماد على التضادّ بين الألوان المختارة، أي وفق طريقة تصنيفي للألوان، فالأخضر الغامق والأخضر الفاتح يبدوان لونين منفصلين ومتضادين بشدة، بينما اعتبرت البني والأحمر لونين متقاربين ومتشابهين، ولا يمكن أن يتجاورا داخل الرسمة.
صورة لنمط خط عربي خاص؛ لتخليد ذكرى صديقي مهنّد الذي اختفى في معتقلات الأسد.
صورة لنمط خط عربي خاص؛ لتخليد ذكرى صديقي مهنّد الذي اختفى في معتقلات الأسد.
شارع Cours la Reine في باريس، يظهر برج إيفل وسطها، تم تعديل ألوان الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي ؛  لتبدو كما لو أن مصاباً بعمى ألوان الأحمر يراها.
شارع Cours la Reine في باريس، يظهر برج إيفل وسطها، تم تعديل ألوان الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي ؛ لتبدو كما لو أن مصاباً بعمى ألوان الأحمر يراها.
شارع Cours la Reine بباريس ويظهر برج إيفل وسطها، الصورة بألوان طبيعية غير معدّلة.
شارع Cours la Reine بباريس ويظهر برج إيفل وسطها، الصورة بألوان طبيعية غير معدّلة.
تقرير صادر عن عيادة عيون بعد اختبار تمييز الألوان (Roth 28 Hue) يشير إلى اضطراب على محور «Protan»، وهو نمط من عمى الألوان يؤثر أساساً على إدراك درجات الأحمر ضمن طيف الأحمر/ الأخضر. أُنجز الفحص بتاريخ 28/06/2024.
تقرير صادر عن عيادة عيون بعد اختبار تمييز الألوان (Roth 28 Hue) يشير إلى اضطراب على محور «Protan»، وهو نمط من عمى الألوان يؤثر أساساً على إدراك درجات الأحمر ضمن طيف الأحمر/ الأخضر. أُنجز الفحص بتاريخ 28/06/2024.
رجل وطفل ينعكس خيالهما وسط بركة ماء في باريس عام 2020.
رجل وطفل ينعكس خيالهما وسط بركة ماء في باريس عام 2020.
يد طفل ملطخة بالدماء إثر جروح بعد غارة من الطيران الحربي السوري التابع للقوات النظامية على دوما عام 2015.

تم تعديل ألوان الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ لتبدو كما لو أن مصاباً بعمى ألوان اللون الأحمر يراها.
يد طفل ملطخة بالدماء إثر جروح بعد غارة من الطيران الحربي السوري التابع للقوات النظامية على دوما عام 2015.

تم تعديل ألوان الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ لتبدو كما لو أن مصاباً بعمى ألوان اللون الأحمر يراها.
يد طفل ملطخة بالدماء إثر جروح بعد غارة من الطيران الحربي السوري التابع للقوات النظامية على دوما عام 2015.
يد طفل ملطخة بالدماء إثر جروح بعد غارة من الطيران الحربي السوري التابع للقوات النظامية على دوما عام 2015.

في الصورة الأولى إلى اليمين، تظهر الوردة الزهرية التي التقطتها في الريف الفرنسي عام 2020، بينما تمثل بقية اللقطات محاولات مولدة بالذكاء الاصطناعي؛ لمحاكاة ما قد يراه المصاب بالدالتونية عند النظر إلى الوردة الحمراء أو الزهرية.

وعلى الرغم من أن تجارب سابقة نجحت نسبياً في إنتاج محاكاة مقنعة للدالتونية، إلا أنّ هذه التجربة لم تعطِ نتائج دقيقة. ما يعني أن محاكاة الدالتونية ليست أمراً ثابتاً أو بسيطاً؛ لأن طريقة رؤية الألوان قد تختلف من شخص إلى آخر؛ لذلك تبقى هذه الصور تقريبية أكثر من كونها مطابقة تماماً.

في الصورة الأولى إلى اليمين، تظهر الوردة الزهرية التي التقطتها في الريف الفرنسي عام 2020، بينما تمثل بقية اللقطات محاولات مولدة بالذكاء الاصطناعي؛ لمحاكاة ما قد يراه المصاب بالدالتونية عند النظر إلى الوردة الحمراء أو الزهرية.

وعلى الرغم من أن تجارب سابقة نجحت نسبياً في إنتاج محاكاة مقنعة للدالتونية، إلا أنّ هذه التجربة لم تعطِ نتائج دقيقة. ما يعني أن محاكاة الدالتونية ليست أمراً ثابتاً أو بسيطاً؛ لأن طريقة رؤية الألوان قد تختلف من شخص إلى آخر؛ لذلك تبقى هذه الصور تقريبية أكثر من كونها مطابقة تماماً.

تنشر هذه المادة بالإشتراك مع موقع خط ٣٠