يواجه مرضى السرطان في مدينتي رأس العين شمالي الحسكة وتل أبيض شمال الرقة تحديات مضاعفة في رحلة العلاج، إذ يجدون أنفسهم عالقين بين الجغرافيا والسياسة، محرومين من أبسط حقوقهم الصحية، نتيجة غياب المراكز الطبية المتخصصة وصعوبة الوصول إلى المستشفيات داخل سوريا أو في تركيا.
مرضى بلا مشافٍ ولا علاج، واقعٌ طبيٌّ سيء، إجراءاتٌ معقّدة، وطرقاتٌ مغلقة تجعل رحلة العلاج شبه مستحيلة، كما يصفها محمد العوجان، رجل ستيني لم يتمكن من الحديث بوضوح بسبب إصابته بسرطان الحنجرة منذ أربع سنوات.
يقول بصوتٍ مبحوح إن رحلته مع المرض بدأت بورمٍ بسيط سرعان ما تطور، ليجد نفسه اليوم عاجزًا عن الكلام بصوت مسموع، وفي مواجهة العبء المادي والتعب النفسي أيضاً. يضيف: “المرض يفتك بالناس بصمت، ولا أحد يسأل، لا مراكز علاجية، ولا أطباء متخصصين، ولا حتى إمكانية للكشف المبكر عن الورم”.
يحتاج العوجان إلى عملية جراحية بتكلفة نحو 1500 دولار، وهو مبلغ يفوق قدرته المالية، مؤكدًا أنه لو وُجد مركز متخصص في المنطقة، لتمكن من الكشف المبكر عنه ووفر عليه مشقة العلاج الجراحي.
عشرات الحالات من مرضى السرطان تواجه مصيرًا يشبه مصير محمد العوجان في منطقتي رأس العين وتل أبيض الواقعتين على الشريط الحدودي مع تركيا، حيث تفصلهما عنها جدرانٌ أمنية، وتطوّقهما من الجهات الأخرى قوات “قسد” ضمن مناطق سيطرتها.
وبين حدودٍ مغلقة وحصارٍ متعدد الأوجه، يبقى المرضى عالقين في دائرةٍ من الألم والعجز، لا يملكون سوى مناشدة الحكومة السورية ووزارة الصحة للتدخل وتأمين العلاج والدواء.
في منطقة رأس العين يوجد مستشفى حكومي واحد تُشرف عليه وزارة الصحة التركية، إلى جانب مستشفيين خاصين هما مشفى الجزيرة ومشفى السلام.
الحال ذاته في مدينة تل أبيض، التي تحوي مستشفى تل أبيض الحكومي و مستشفيا سلوك و الأمل الخاصين، تتبع المستشفيات الخاصة لمالكين محليين، إلى جانب عددٍ من المراكز الطبية التي تحظى بدعم من منظمات طبية، أبرزها منظمتي “سامز” و الأمين.
تقدّم هذه المستشفيات خدماتٍ في اختصاصات الجراحة العامة والطب الداخلي والنسائية والأطفال، غير أن تخصصات علاج الأورام السرطانية وغسيل الكلى والأشعة المتقدمة والجراحة القلبية والعصبية ما تزال غائبة عنها تمامًا.
هذا النقص يضع عشرات الحالات الحرجة أمام واقعٍ صحي خطير، فلا خيار أمام المرضى سوى الانتظار أو مغادرة المدينتين، إما باتجاه الأراضي التركية أو نحو مناطق سيطرة الحكومة السورية.
يتم تحويل المرضى إلى المستشفيات التركية فقط للحالات الحرجة عبر مكتب التحويل في أحد المستشفيات الحكومية في المدينتين، وتتكفّل المستشفيات التركية بجزء من تكاليف العلاج، بينما يبقى الجزء الأكبر على عاتق المريض، الأمر الذي يفرض عليهم أعباء مالية كبيرة نظرًا لارتفاع أسعار العلاج هناك وتفاوت سعر الصرف والوضع الاقتصادي بين البلدين، ما يجعل هذا الخيار صعبًا على معظم المرضى رغم حاجتهم الملحّة له.
الطبيب عبد الله الإبراهيم، اختصاصي أطفال شخّص عدة حالات السرطان بين أطفال المنطقة، يقول إن عدد الإصابات قياسًا بعدد السكان مرتفع، وبعض الأسر تتخلى عن علاج أبنائها بسبب التكاليف الباهظة.
ويضيف أن توفير مراكز للكشف المبكر وتدبير علاجي مع طواقم مختصة يمكن أن يرفع نسب الشفاء بشكل كبير ويخفف من النزيف الإنساني الصامت في المنطقة.
لا يقتصر التدهور الصحي في المنطقتين على مرضى السرطان فحسب، إذ تنتشر الأمراض المزمنة على نطاقٍ واسع، أبرزها السكري والضغط وأمراض القلب والكلى والثلاسيميا. ويضطر مرضى، خصوصًا المصابين بالثلاسيميا، إلى قطع مسافة تُقارب 120 كيلومترًا من رأس العين إلى تل أبيض لتلقّي العلاج، بسبب غياب الأجهزة الطبية في مستشفى رأس العين، وسط صعوبات النقل وارتفاع تكاليفه.
منذ عملية “نبع السلام” التي أطلقها الجيش التركي والجيش الوطني السوري في تشرين الأول 2019، تعيش منطقتا تل أبيض ورأس العين في عزلةٍ شبه تامة، مطوّقتان بمناطق سيطرة “قسد”، الأمر الذي جعل الوصول إلى المراكز الطبية في الداخل السوري شبه مستحيل.
حرم الحصار المطبق على المدينتين مئات المرضى من الحصول على أبسط مقومات العلاج، أو حتى جرعة أملٍ في النجاة، لتبقى حياتهم معلّقة بين الألم والانتظار.
يروي محمد الإبراهيم معاناة زوجته المصابة بالسرطان منذ 11 عامًا يقول إن أكثر ما يؤلم المرضى هو التأخر في التشخيص والعلاج، الأمر الذي يقلل فرص الشفاء بشكل كبير، مشيرًا إلى أن الأدوية نادرة، وإن وُجدت فهي باهظة الثمن، وإن قرر المريض السفر إلى تركيا يصطدم بتكاليف الإقامة والعلاج.
شكّلت تركيا وجهةً رئيسية لمرضى السرطان والحالات الحرجة في منطقتي رأس العين وتل أبيض، حيث توفّر المستشفيات التركية إمكانيات طبية متقدمة وإجراءات علاجية متخصصة غابت عن المستشفيات المحلية.
التحويل إلى تركيا يشكل السبيل الوحيد لتلقي الرعاية الصحية اللازمة، خصوصًا قبل سقوط نظام الأسد، إذ تُحوَّل الحالات الحرجة من المستشفيات الحكومية في المدينتين عبر المعابر الحدودية إلى المستشفيات التركية.
غير أن نسبة تحويل المرضى إلى المشافي التركية انخفضت لأكثر من 70% بعد اتفاق 10 آذار بين الحكومة السورية و”قسد”، حسب ما أكده مصدر في مديرية صحة رأس العين فضّل عدم ذكر اسمه. ومع إغلاق المعابر الحدودية، بقيت أبواب الأمل موصدة، ما دفع بعض المرضى إلى السفر تهريبًا نحو دمشق أو محافظات أخرى طلبًا للعلاج.
عاشت رابعة العلكش، 28 عامًا، تجربة قاسية مع سرطان الثدي منذ أكثر من 11 عامًا. بين ارتفاع تكاليف العلاج وصعوبة الإقامة في تركيا، تقول إنها خضعت لعمليات جراحية وعلاجات تجاوزت تكلفتها 4000 دولاراً على نفقتها الخاصة.
وعند عودتها إلى رأس العين، عاد المرض بشكل مضاعف، ولم تجد أي جهة تتكفل بعلاجها. تضيف: “سافرت إلى تركيا بصعوبة كبيرة، لكن العلاج هناك مكلف والدواء غير مجاني، وعدت بعدها دون أن أُشفى”.
اليوم، تأمل رابعة أن تُفتح الطرقات ويسمح للمرضى بالوصول إلى المستشفيات الحكومية في المحافظات السورية، تقول “كثيرون فقدناهم بسبب انعدام الرعاية الصحية هنا”.
يعمل في رأس العين نحو 22 طبيبًا فقط من اختصاصات مختلفة، بينما لا يتجاوز عدد الأطباء في تل أبيض 40 طبيبًا، وهي أعداد محدودة جدًا مقارنة بعدد السكان الذي يتجاوز 300 ألف نسمة في المدينتين، هذا العجز في عدد الكوادر الطبية يعود، بحسب مصادر طبية في المنطقة، إلى انخفاض الرواتب التي لا تتجاوز 500 دولارًا للطبيب، إضافة إلى ضعف البنية التحتية. مشيرين إلى أن معظم الأطباء وعددهم قليل جداً يأتون خلال فترات قصيرة من تركيا عبر المعابر الحدودية، ثم يعودون بعد أداء مهامهم الطبية.
وفي ظل ضعف الوجود الحكومي، برزت مبادرات تطوعية لدعم مرضى السرطان، على رأسها فريق “بذرة خير وتعاونوا” يقول خليل الحمادي، مؤسس الفريق، إن المبادرة تأسست قبل أربع سنوات، تتابع نحو 270 مريضًا، بينهم 91 امرأة و12 طفلًا. وأضاف أن العمل يتركز على جمع التبرعات لتأمين جرعات العلاج الكيميائي أو بدائلها، وشراء الأدوية اللازمة وفق وصفات الأطباء.
يرى الحمادي أن تحسين واقع المرضى يتطلب إنشاء مراكز متخصصة للأورام ومختبرات تحليلية، وتأمين العلاج الكيميائي والإشعاعي مجانًا، مؤكدًا أن اليوم لا يوجد في رأس العين أو تل أبيض أي مركز متخصص أو حتى خدمات حكومية للمرضى.
يقول إن الخيار اليوم هو لجوء بعض المرضى إلى العبور غير الشرعي نحو دمشق عبر طرق ترابية مليئة بالألغام بتكلفة تبدأ من 100 دولار، إضافة إلى مشقة السفر مشيرًا إلى أن بعض الحالات فقدت حياتها أثناء الطريق.
ويضيف أن الضغط الشعبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهم مؤخرًا في تحريك بعض الجهات الرسمية بعد تسجيل وفاة طفلين خلال أسابيع قليلة، مشيراً إلى أنه خلال السنوات الأربعة الماضية وصل عدد الأطفال الذين توفوا بسبب مرض السرطان إلى 12 طفلاً.
كما نظم الفريق الطبي والإنساني قوافل خاصة بمرضى السرطان، انطلقت أول قافلة في شهر تشرين الأول الماضي بهدف تأمين عبورهم من مدينتَي رأس العين وتل أبيض عبر الأراضي التركية وصولاً إلى دمشق لاستكمال العلاج.
حمود الحسين، مسؤول الفريق في رأس العين، قال إن ثلاث قوافل انطلقت بالفعل، ضمّت كل منها خمسةً وعشرين مريضاً مع مرافق لكل مريض من ذويه، مؤكداً أن الفريق يتكفّل بتأمين النقل المجاني وإقامة المرضى وذويهم، إضافة إلى توفير الأدوية والعلاجات الضرورية طوال مدة العلاج.
وأضاف الحسين أن القوافل ستستمر بشكل دوري لضمان عدم انقطاع المرضى عن خطهم العلاجي، مبيناً أن الدفعة الحالية ستعود بعد استكمال جميع المرضى مراحل علاجهم المقررة، في وقت يجري التحضير لإرسال قوافل جديدة لتغطية احتياجات بقية المرضى.
ويأتي ذلك في إطار جهود إنسانية متواصلة تهدف إلى تخفيف معاناة مرضى السرطان، وتقديم الدعم الطبي لهم في ظل محدودية الخدمات الصحية في مناطق شمال شرق سوريا.
بين صعوبة العلاج وعدم توفره، وبين الحملات الإنسانية التي لا تُلبي كل الاحتياجات، يستمر مرضى السرطان في مدينتي رأس العين وتل أبيض على أمل واحد، هو افتتاح مركز طبي متخصص يُقدّم لهم العلاج ويخفف معاناتهم.
