في أكتوبر الوردي، الشهر العالمي للتوعية بسرطان الثدي، تستعيد لبنى، 28 عامًا، رحلتها مع المرض لتشارك تجربتها مع نساء أخريات، في محاولة لتذكيرهن بأن الفحص المبكر يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا.
بدأت قصة لبنى، المهجرة من ريف إدلب الجنوبي إلى جسر الشغور، في ربيع 2023 عندما لاحظت كتلة صغيرة في ثديها الأيمن. لم تهتم بها في البداية، لكنها بعد أسابيع لاحظت ازدياد حجم الثدي مع أعراض مرافقة، فقررت مراجعة الطبيب، لتكتشف إصابتها بورم خبيث يحتاج إلى تدخل جراحي.
خضعت لبنى لعملية استئصال في مستشفى أطمة الخاص للرعاية الصحية بتكلفة نحو 350 دولارًا، تقول: “كنت مضطرة لإجراء العمليات في مستشفى خاص لأن وضعي كان مستعجلًا ولم أستطع الانتظار في مشفى باب الهوى المجاني، إذ يجب التسجيل وانتظار الدور”.
الفحوصات بعد الجراحة أظهرت انتشار الورم، ما استدعى أربع عمليات إضافية على مدى عامين، تجاوزت تكاليف العلاج في السنة الأولى 2500 دولارًا، موزعة بين عيادات سرمدا الخاصة ومستشفى أطمة. تقول لبنى: “كلما تم استئصال كتلة ظهرت أخرى. كنت أعيش بين أمل الشفاء وخوف تجدد الخلايا السرطانية”.
بعد استئصال كامل للثدي، بدأت لبنى مراجعة الطبيب دوريًا للفحوصات، وتحمل تكاليف تتراوح بين 200 إلى 400 ليرة تركية (بين 5 إلى 10 دولارات) لكل زيارة. ورغم الصعوبات المادية، قررت تحويل تجربتها إلى رسالة توعية.
تزامنًا مع حملات أكتوبر الوردي في الشمال السوري، أطلقت جمعيات محلية برامج توعية وفحوصات مجانية، شملت جلسات توجيهية وفحص الماموغرام ، وهو فحص شعاعي يستخدم الأشعة السينية للكشف المبكر عن سرطان الثدي، وهو وسيلة فعالة لتشخيص الأورام والكتل والتغيرات الأخرى في الثدي قبل ظهور الأعراض، في عدد من المراكز الصحية.
شاركت لبنى في جلسات أطلقتها منظمات محلية مثل “شفق” و”جمعية المودة الإنسانية”، لتتحدث عن أهمية الفحص الذاتي والكشف المبكر. تقول لبنى “لو راجعت الطبيب في الوقت المناسب، لكانت رحلتي أقصر وأقل ألمًا. الفحص لا يستغرق سوى دقائق، لكنه قد ينقذ حياة”.
إحدى القابلات المشاركات في الحملة قالت إن “قصص النساء اللواتي شُخّصن متأخرًا تذكّر الجميع بأهمية الكشف المبكر، فهو لا يغيّر فقط مسار المرض، بل يخفف الألم أيضًا”.
في ظل محدودية الإمكانيات الطبية وصعوبة الوصول إلى المراكز ، تركز المنظمات الصحية على نشر الوعي كخطوة أولى لمواجهة المرض.
لبنى هي واحدة من نحو 6000 مريض سرطان موثقين شمال غربي سوريا، منهم قرابة 3100 في منطقة شمالي إدلب بحسب تقديرات الدكتور زهير قراط مدير صحة إدلب في تصريح لموقع الجزيرة نشر عام 2023.
المرضى يخوضون معركة يومية مع مرض السرطان. معركة لا تقتصر على مواجهة الخلايا الخبيثة، بل تمتد لتشمل تكاليف العلاج الباهظة، الازدحام في المستشفيات، المشكلات النفسية والاجتماعية، لتتحول رحلة العلاج إلى صراع. تكشف قصص مرضى التقيناهم منهم بشرى، رنا، وأحمد وجوهاً مختلفة للتحديات النفسية والجسدية على حد سواء.
في غرفة الانتظار داخل مستشفى الجامعة بمدينة إدلب، تجلس بشرى الدبل بوجهٍ شاحب وابتسامةٍ تُخفي تعب شهورٍ طويلة من الصراع مع المرض. السيدة الأربعينية القادمة من بلدة كفرتخاريم غربي إدلب اكتشفت مطلع العام الحالي إصابتها بسرطان المبيض. ومنذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء في حياتها.
خضعت لست جلسات من العلاج الكيماوي في مشفى المحافظة، كان أغلبها مجانيًا، لكنها اضطرت إلى شراء بعض الأدوية على حسابها الخاص. وبعد عملية استئصال الرحم، بدأت رحلة جديدة مع العلاج المناعي، إذ تحتاج إلى 12 جلسة تتراوح تكلفة الواحدة منها بين 500 و 1000 دولار، وهو مبلغ يفوق قدرتها المادية.
العلاج المناعي هو أحد أنواع العلاجات الحديثة التي تستخدم لتحفيز جهاز المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية عوضاً عن تدميرها مباشرة بالعلاج الكيماوي أو الإشعاعي، بحسب الطبيب جميل الدبل، مسؤول لجنة الأورام في وزارة الصحة ورئيس قسم الأورام في مستشفى إدلب الوطني و مستشفى إدلب الجامعي. يتابع الطبيب الدبل: “تكلفة العلاج المناعي مرتفعة، وغالبًا ما يُضطر المريض لشرائه على نفقته الخاصة”.
تقول بشرى وهي تتفقد أوراقها الطبية: “كل جرعة هي معركة. أبحث عنها بين صيدليات إدلب وحمص، وأحيانًا من مستودعات الدانا. أحيانًا أستدين، وأحيانًا أشتري بالتقسيط لأكمل العلاج”.
الصيدلاني قتيبة السيد عيسى يقول إن هذه الأدوية تُستورد من الهند أو تركيا عبر مستودعات مرخصة من وزارة الصحة، ويتراوح سعر الجرعة الواحدة بين 80 و 1500 دولار، لكنها لا تتوافر دائمًا في الصيدليات.
داخل مستشفيات إدلب، تصف بشرى مشهد الازدحام والانتظار الطويل: “أحيانًا أشارك سريري مع مريضة أخرى، أو أبقى على الكرسي حتى يحين دوري. أغادر بيتي عند السابعة صباحًا، ولا أعود قبل الثامنة مساءً. كل ذلك من أجل جرعة واحدة”.
تختلف قصة رنا خنوس، سيدة ثلاثينية من قرية كفرعويد بريف إدلب الجنوبيّ، عن قصة بشرى، لكنها تتقاطع في تفاصيل عدة، فرحلتها مع سرطان المستقيم بدأت بعد أشهر قليلة من ولادة طفلها عام 2019، لتجد نفسها بين رعاية رضيعها ومواجهة مرضها وتحدياته.
خضعت رنا لثماني جرعات كيماوية و جراحة لاستئصال الورم استمرت نحو سبعة أشهر خلال سنة 2021. تابعت علاجها في تركيا، لكنها اضطرت لرفض العلاج بالأشعة بسبب صغر سن طفلها، فوضعت كيس فغر القولون (كولوستومي) الذي رافقها منذ ذلك الحين.
رحلتها توقفت فجأة بعد ستة أيام حين وصلها خبر استشهاد زوجها عام 2021، ما أجبرها على العودة إلى إدلب، وهناك تعرضت لحادث أوقف علاجها. تروي رنا: “انقطعت عن العلاج سنة كاملة بعد تعرضي لحادث، ثم استأنفته لاحقًا في مستشفى المحافظة إذ تلقيت خمس جرعات مناعية، بلغت تكلفة كل واحدة منها بين 150 و200 دولار”.
لم تدفع رنا ثمن الجرعات كلها، فأحيانا يتوافر العلاج المناعي بالمجان، وعندما يحين موعد جرعتها ولا يتوفر العلاج يؤجلها الطبيب لحين توافره مجانًا. اليوم، تحتاج رنا إلى تحاليل وصورة ظليليّة لكامل الجسم، وهي غير متوفرة بشكل مجاني، مما يزيد شعورها بالضغط النفسي وقلقها المستمر على صحتها ومستقبل أطفالها، لأن قدرتها المالية محدودة.
أحمد شحود، أربعيني من بلدة حاس جنوبي إدلب، اكتشف إصابته عام 2009 بعد ظهور كتلة في عنقه تبين أنها عقد لمفاوية سرطانية (هودجكن). تلقى 12 جرعة كيماوية و17 جلسة أشعة في مستشفى البيروني في دمشق، لكن المرض عاد بعد عامين. مع صعوبة العلاج في دمشق قبل سقوط نظام الأسد، اضطر أحمد للسفر إلى تركيا حيث دفع 150 دولارًا عن كل جرعة كيماوية.
وفي 2025 انتقل للعلاج المناعي في مستشفى المحافظة بإدلب بتكلفة 3700 دولار للجرعة الواحدة، وتمكن بدعم أقاربه وأصدقائه من استكمال أربع جرعات، وأكمل بعدها جرعتين إضافيتين عوضاً عن زراعة نقي العظم التي قد تصل تكلفتها إلى 40 ألف دولار. يقول أحمد: “صحتي مستقرة، لكن الطريق كان مليئًا بالألم والتكاليف التي لا يقوى عليها معظم المرضى”.
الطبيب جميل الدبل، شرح عن الإمكانيات المتوفرة لعلاج مرضى السرطان في إدلب، ووصفها بالـ “جيدة”، إذ تشمل الجراحة والعلاج الكيماوي والعلاج الهرموني، إضافة إلى بعض حالات العلاج المناعي، في حين يبقى العلاج الشعاعي غائبًا بشكل كامل.
وأشار الطبيب الدبل إلى أنّ مراكز التشخيص والعلاج تتركز في ثلاثة مواقع رئيسة: “مستشفى إدلب الجامعي، مستشفى إدلب الوطني، ومستشفى باب الهوى، لكنّ التحديات ما تزال قائمة، وأبرزها غياب العلاج الشعاعي، نقص الأجهزة المتقدمة مثل PET Scan، وعدم توفر بعض التقنيات المخبرية مثل Flow Cytometry وزراعة النقي”.
الأدوية، بحسب الطبيب الدبل، تؤمنها وزارة الصحة بالتعاون مع منظمة سامز الداعمة لجهود الوزارة، لكنها لا تتوفر لجميع أنواع السرطان، خاصة العلاج المناعي.
ذات صلة:
كل نَفَسٍ معركة.. صراع الحياة اليومية مع الأمراض النادرة
تفاقم وضع مرضى السرطان يدفع نشطاء لإطلاق حملة “أنقذوهم”
الزلزال يوقف علاج مرضى السرطان السوريين في مستشفيات تركيا
الجمعية الطبية السورية الأميركية (سامز) أوضحت أنّ مهماتها الطبية لا تقتصر على تقديم الرعاية الفورية، بل تهدف أيضًا إلى إعادة بناء النظام الصحي الهش في سوريا من خلال التدريب والإرشاد والدعم المستدام.
يشير الطبيب الدبل إلى غياب سجل وطني للسرطان في سوريا، ما يجعل من الصعب الحصول على إحصاءات دقيقة لعدد المرضى. ويؤكد أنّ “برامج الدعم النفسي والاجتماعي غير متوفرة حاليًا”.
لا يقلّ الألم الجسديّ الذي يعيشه مرضى السرطان عن الألم النفسي، تقول بشرى: ” لا يوجد أيّ دعم نفسيّ يرافق مرضى السرطان أثناء رحلة علاجهم، بل على العكس تمامًا، فقلة الكوادر الطبية وكثرة أعداد المرضى تزيد من الصعوبات”.
وتضيف بشرى “ممرضة واحدة تخدم ثلاثين مريضًا، ومع غياب التعاطف، يشعر المريض وكأنه ميت لا محالة. وما يخفف من واقع الألم هو إيماني ووعيي و دعم عائلتي وأصدقائي ومساندتهم لي”.
مع غياب الدعم النفسي، لجأت رنا للأدوية النفسية والمهدئات. تقول: “طفلٌ صغير ومرض ووفاة زوجي و سفر إلى تركيا و تعرضي لحادث، كل هذا أثناء رحلة تهجيرٍ قسريّ، كان الله وحده مصدر عزائي في معركتي الطويلة مع المرض”.
لا يقل الألم النفسي عند أحمد عن بشرى ورنا فعجزه أمام احتياجات عائلته الكبيرة وتكلفة الدواء الباهظة وطول فترة المرض زاد الأمر سوءًا ولكن مساندة أقاربه وأصدقائه و الدعم الاجتماعيّ خفف عنه.
يشدد المعالج النفسي بَيرم جمعة على أنّ الدعم النفسيّ ليس رفاهية، بل جزءاً أساسياً من العلاج. يقول: “الدعم النفسيّ يقلل التوتر والقلق والاكتئاب، ويقوي جهاز المناعة، ويساعد المريض على تحمل آثار العلاج الكيميائي والإشعاعي، ويحسن الالتزام بالخطة العلاجية. الحالة النفسية الإيجابية تعزز فعالية الجسم في مواجهة المرض، بينما يضاعف الضغط النفسي المزمن صعوبة العلاج”. ويضيف جمعة أن مرضى الشمال السوري يواجهون ضغوطًا مضاعفة رغم تحسن الأوضاع الأمنية بعد سقوط نظام الأسد.
شهدت الأشهر الأخيرة تغيرات واضحة في مشهد علاج السرطان بإدلب. بعد أن كان العلاج محدودًا في بعض المناطق، بات المرضى يتنقلون بسهولة أكبر إلى حلب ودمشق واللاذقية، كما يستقبل مستشفى إدلب مرضى من محافظات أخرى. أمّا من لا يجدون العلاج داخل سوريا، فيلجؤون إلى تركيا.
يؤكد الطبيب الدبل أنّ التعاون بين وزارة الصحة ومنظمة سامز يركز على تطوير الخدمات من خلال افتتاح أقسام جديدة للأورام في حلب ودير الزور، والتحضير لمركز في درعا، إلى جانب تجهيز مركز للعلاج الإشعاعي في حماة.
وبما يتعلق بشكايات مرضى سرطان من نقل علاج المرضى من مستشفى المحافظة إلى مبنى مستشفى الجامعة قبل نحو شهرين، يقول الطبيب الدبل إنه “جاء لأن مبنى مستشفى المحافظة مبنىً حكوميّ لا يتبع لمديرية الصحة، وذلك في إطار خطة المحافظة لإعادة هيكلة المباني الحكومية”.
تشير تقديرات الأمم المتحدة (OCHA) إلى أن أكثر من 16.5 مليون شخص في سوريا، أي أكثر من 70% من السكان، بحاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، ما يجعل بعثات سامز ودعمها الطبي أمرًا حيويًا، ليس فقط لتقديم الرعاية الفورية، بل لإعادة بناء النظام الصحي وتعزيز قدرته على الصمود.
قصص لبنى، بشرى، رنا، وأحمد تلخص وجع مرضى السرطان في إدلب، حيث يرزح مرضى السرطان تحت وطأة تكاليف العلاج الباهظة، وسط عدم توفر ما يحتاجه المريض في مكان واحد. وما يزال مرضى السرطان ينتظرون دعمًا حقيقيًا يخفف ثقل المرض و يمنحهم حقهم في الحياة والعلاج.
