بين المارّة وفي شوارع قريبة من مراكز الثلاسيميا، على صفحات التواصل الاجتماعي وغرف واتس آب أو بين أرقام محفوظة لأصدقاء في الهواتف المحمولة، يفتش سوريون عن متبرع تتطابق زمرة دمه للتبرع لمرضاهم، بعد أن أوقفت وزارة الصحة السورية “التبرع الإلزامي”، ما استدعى تحمّل المريض عبء البحث بنفسه عن متبرع أو الانتظار لأيام طويلة قد تهدد حياته.
محمود قطّان، أب لطفلين مصابين بالثلاسيميا في مدينة حلب، في اليوم العالمي للثلاسيميا الذي يصادف اليوم 8 أيار من كل عام، يقول إنهم “لا يحتاجون ليوم عالمي، جسدا طفلَيه يحتاجان فقط للدماء”.
“نسابق الزمن بحثاً عن متبرع قبل فوات الأوان”، يقول أحمد الموسى (25 عاماً)، فـ مرض الثلاسيميا الذي يلازمه منذ سنوات يتطلب نقل نحو لترين من الدم شهرياً، وأي “تأخير يعرض حياته للخطر”.
لا تتوفر إحصائيات دقيقة عن أعداد مرضى الثلاسيميا في سوريا، لكن تقارير صحفية نقلت عن مديريات الصحة في كل من دمشق وحلب وإدلب وحماة وجود أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة مريض ثلاسيميا، يراجعون المراكز المختصة لتزويدهم بالدماء.
والثلاسيميا اضطراب دم وراثي يؤدي إلى انخفاض نسبة الهيموغلوبين في الجسم عن المعدل الطبيعي، ويُمكِّن الهيموغلوبين خلايا الدم الحمراء من حمل الأكسجين، وبالتالي قد تسبب الثلاسيميا فقر دم شديد؛ ويصبح المريض بحاجة لنقل الدم، وفق موقع “مايو كلينك” الطبي.
ما فاقم مشكلة مرضى الثلاسيميا (يحتاج كل مريض لنحو 1200 وحدة دم شهرياً)، قرار الحكومة السورية إلغاء “وثيقة التبرع الدم”، منتصف كانون الأول الماضي، كشرط لاستكمال المعاملات الحكومية، إذ كان التبرع الإلزامي يشكل مصدراً رئيساً لسد حاجات المراكز من الدم بشكل يومي.
إلغاء إلزامية التبرع بالدم انعكس بشكل سلبي على مرضى الثلاسيميا، الذين يحتاجون لنقل الدم بشكل دوري، إذ بات المريض مطالباً بالبحث بنفسه عن متبرع، بعد أن كان مركز الثلاسيميا قادراً على تأمين أكياس الدم للمرضى في أغلب الأوقات.
يقول أحمد الموسى (25 سنة) من سكان سقبا في الغوطة الشرقية، إن “تأمين الدم أصبح مشكلة معقدة، لأن الموضوع ليس مجرد أن تجد متبرعاً أو اثنين لمرة واحدة في حياتك، بل أنت تحتاج لمتبرعين كل شهر، وهذا أمر شاق جداً”. وأضاف الموسى، “بعض أصدقائي لم يردوا على اتصالاتي، لأنهم يعلمون أني أريد منهم التبرع لي بالدم أو مساعدتي في إيجاد متبرع”، مطالباً وزارة الصحة بتأمين كميات كافية من الدم، مع تنظيم حملات توعية لتشجيع المواطنين على التبرع.
يؤكد الموسى أن إلزامية التبرع بالدم كانت توفر كميات كافية، كذلك كانت المراكز تتغاضى عن زمرة المتبرع إن لم تكن متطابقة، لتوفر الزمر الأخرى في بنك الدم، لم يعد ذلك متاحاً حالياً، وتشترط المراكز أن تكون زمرة المتبرع مطابقة لزمرة دم المريض.
أمام مديرية صحة إدلب، قبل أيام، نظّم مرضى ثلاسيميا وذويهم وقفة احتجاجية، طالبوا فيها بإعادة تفعيل “التبرع الإلزامي”، وتحسين الرعاية الصحية وتوفير العلاج اللازم لهم.
مدير صحة دمشق، الدكتور محمد أكرم معتوق، قال لفوكس حلب، إن إلغاء إلزامية التبرع بالدم كشرط لاستخراج الوثائق الحكومية، ساهم في نقص كبير بكميات الدم، وأصبح تأمين الدم يقتصر على التبرع الطوعي، وتأمين متبرع من قبل المريض نفسه.
وأضاف الدكتور معتوق أن مديرية صحة دمشق، تقوم بحملات تطوعية للتبرع بالدم، بشكل أسبوعي بالتعاون مع منظمات وجمعيات المجتمع الأهلي، ريثما يعود التبرع الإلزامي لتأمين الاحتياج الكبير والمتزايد من الدم لمرضى الثلاسيميا والمستشفيات العامة والخاصة.
وأشار مدير صحة دمشق، إلى أن المتطلبات كثيرة، فهناك مستشفيات بحاجة للدم، وكذلك مراكز الصحة وغيرها، لذلك يجري توزيع أكياس الدم بشكل عادل، فلا يمكن دعم مركز طبي وإهمال باقي المراكز والمستشفيات.
ومع توقف التبرع الإلزامي، سعت منظمات وجمعيات إنسانية لتنظيم حملات للتبرع بالدم، بهدف تغطية النقص الحاصل، كما أطلقت وزارة الصحة اليوم الخميس حملة “تبرعك حياة”، يشرحها الطبيب ياسر في فيديو على صفحة الوزارة بأنها تقوم على تبني كل خمسة أشخاص من المتبرعين لمريض ثلاسيميا بشكل دائم، ما يؤمن احتياجات المرضى دورياً.
يرى محمود قطّان، في الحملة التي أطلقتها وزارة الصحة حلّاً، إن نفّذت، يقول “من سيجبر المتبرعين على الاستمرار، تبقى هذه الخطة على الورق!” ويضيف قطّان أن “الحل الأكثر نجاعة يكمن في إعادة التبرع الإلزامي، ما الذي سيضير الناس إن تبرعوا من أجل ورقة حكومية لصالح مرضى الثلاسيميا أو غيرهم”.
صعوبة الحصول على متبرعين ليست طارئة، لكنها تفاقمت في الآونة الأخيرة مع قرار إلغاء التبرع الإلزامي، يقول قطّان، “نادراً ما تأخرت على نقل الدم لأطفالي في السابق، أما اليوم، أبدأ البحث عن متبرع بعد اللحظة الأولى من خروجي من المركز، أي قبل شهر من الزيارة القادمة”.
آلاء قتلان متطوعة تعمل منذ 15 عاماً لمساعدة مرضى الثلاسيميا في إيجاد متبرعين بالدم، إذ بدأت عام 2010 بمساعدة بعض المعارف الذين يحتاجون للدم، وفي عام 2014 زارت آلاء مركز الثلاسيميا في الزاهرة الجديدة بدمشق، وتعرّفت على المعاناة الكبيرة للمرضى ومدى حاجتهم للدم، فقررت تأسيس فريق تطوعي لدعم مرضى الثلاسيميا.
تقول آلاء إن عملها مع باقي المتطوعين يتركز على التواصل مع المرضى لمعرفة كمية الدم التي يحتاجونها والوقت المفترض لنقل الدم لهم، “وهنا نقوم بالنشر عبر صفحتنا الرئيسية وبعض المجموعات على فيس بوك، للبحث عن متطوعين يتبرعون بالدم مع تحديد زمرة الدم المطلوبة”. بعد العثور على متبرع تطلب آلاء منه التوجه إلى بنك الدم للتبرع، ومن ثم تأخذ وثيقة التبرع وترسلها للمريض، لتقديمها إلى مركز الثلاسيميا لنقل الدم له بموجب إيصال التبرع.
لا يتوقف عمل آلاء على البحث عن متبرعين فقط، عبر النشر على منصات التواصل الاجتماعي، بل تتواصل كذلك مع جهات خاصة وعامة (شركات، بنوك، رجال أعمال، جمعيات، فرق تطوعية، مبادرات) لتنظيم حملات تسويقية للتبرع بالدم، إضافة إلى حملات ومحاضرات توعوية للتعريف بالمرض ومعاناة المرضى.
التحديات التي تواجه مرضى الثلاسيميا لا تقتصر على صعوبة تأمين الدم، بل هناك مشكلات أخرى تتعلق بسوء الخدمات ونقص الأطباء والعاملين وانقطاع الكهرباء ضمن المراكز، كذلك عدم توفر الأدوية واضطرار المرضى لشرائها بثمن وصفه مرضى ثلاسيميا بـ “الباهظ”.
يقول لؤي المرجة (22 سنة) من سكان حي القدم بدمشق، إنه ينقل الدم عبر مركز الثلاسيميا في الزاهرة الجديدة منذ عشرين عاماً، لكنه يشكو من سوء الخدمات لسنوات. وأضاف لؤي أن فرحة المريض بالعثور على متبرع لا تكتمل دائماً، ففي بعض الأحيان يكون الدم متخثراً أو يُسبّب تحسساً للمريض، وبالتالي يتوقف عن إكمال نقل الكيس، ويضطر في الوقت نفسه لشراء حقنة حساسية.
ولفت لؤي إلى أن المتطوع الذي يتم تأمينه بعد جهد كبير، قد لا يستطيع التبرع في بعض الأحيان، بسبب “وجود مشكلة صحية لديه، أو أن خضاب دمه منخفض، أو يتناول أدوية معينة”. كما يضطر مرضى الثلاسيميا لشراء جميع مستلزمات العلاج، من أدوية وقسطرة ومضخات لنقل الدم، ما يكبدهم مصاريف كبيرة، في ظل غلاء تلك المستلزمات، عدا عن تكاليف المواصلات.
عقب سقوط نظام الأسد، بدأت وزارة الصحة بتزويد مراكز الثلاسيميا بالمضخات، لكن نقص الكميات المقدمة، اضطرت المراكز لوضع شروط لمنح المضخات المجانية للمرضى.
من ضمن الشروط لمنح المضخات، أن يكون “فيرتين” المصل (مخزون الحديد في الدم) أعلى من 5 آلاف، حيث يجب على المريض أن يقدم تحليلاً حديثاً يُثبت ذلك (عمره أقل من ستة أشهر)، وأن لا يشكو المريض من التهاب الكبد (B و C)، أو لديه انخفاض مزمن لتعداد الكريات البيضاء، وألا يكون قد حصل على مضخة مسبقاً خلال خمسة أعوام.
تشكو خالدية سوادي (51 سنة)، من سكان جرمانا بريف دمشق، وأم لطفلة مصابة بالثلاسيميا، من المصاريف الكبيرة لتأمين مستلزمات العلاج، إذ يبلغ سعر مضخة نقل الدم ولوازمها شهرياً بين 250 إلى 300 ألف ليرة سورية.
تقول خالدية إن المركز يقدم مضخات مجانية، لكنه وضع شروطاً وصفتها بـ “التعجيزية لمنحها، إذ تعطى للمرضى الذين هم على وشك الوفاة”.
ويحتاج مرضى الثلاسيميا لأدوية خالبات الحديد (الديسفرال) ، كانت تقدّم مجاناً في المراكز، لكنها اليوم غير متوفرّة في الكثير منها، ويقدّر ثمنها بنحو 250 ألف ليرة سورية في الصيدليات.
وتعدّ أدوية التخلص من الحديد ضرورية لمرضى الثلاسيميا، إذ تزداد كمية الحديد زيادة مُفرِطةً لديهم، إما بسبب المرض أو بسبب نقل الدم باستمرار، ويمكن أن تؤدي الزيادة المُفرِطة للحديد في جسم المريض إلى أضرار بالقلب والكبد وجهاز الغدد الصماء الذي يحتوي على الغدد المُفرِزة للهرمونات التي تُنظِّم عمليات الجسم كله.
كذلك يشكل انقطاع الكهرباء مشكلة أخرى في مراكز الثلاسيميا، إذ يشكو المرضى من نقص التدفئة في المركز خلال عملية نقل الدم، لأن المريض يتعرّض للحساسية عند دخول كمية من الدم البارد إلى جسده، ما يؤدي إلى تسرّع في ضربات القلب، وقد يحتاج المريض على إثرها إلى الإسعاف لأقرب مستشفى.
يقول مدير صحة دمشق، الدكتور محمد أكرم معتوق، إنه جرى الاتفاق مع مؤسسة الكهرباء، على تأمين تغذية كهربائية لمركز الزاهرة الجديدة لمرضى الثلاسيميا بدمشق لمدة ساعتين، من الساعة العاشرة صباحاً وحتى الساعة الثانية عشرة ظهراً بشكل يومي ومستقر.
وأشار إلى أن المركز طالب بتأمين التغذية الكهربائية طوال ساعات الدوام الرسمي للمركز، إضافة إلى أنه جرى تأمين مئة بطانية صوف لتخفيف البرد عن المرضى أثناء نقل الدم.
يعد مركز الثلاسيميا في الزاهرة الجديدة بدمشق، أحد المراكز الطبية التخصصية التابعة لمديرية صحة دمشق، ويقدم هذا المركز الخدمات الطبية لأكثر من 1200 من مرضى الثلاسيميا والمنجلي وأمراض نقص الدم، كخدمة نقل وتسريب الدم، وصرف الأدوية في حال توفرها لمرضى التلاسيميا والمنجلي بشكل مجاني. لكنه مثل باقي المنظومة الصحية المتهالكة، يعاني من نقص الموارد والمستلزمات، وفق ما قاله الدكتور معتوق.
وتسعى وزارة الصحة لرفد المراكز بكوادر طبية متخصصة، بحسب الدكتور معتوق الذي قال إن مديرية الصحة رفدت مركز الزاهرة بطبيبة أطفال من مديرية الصحة، ويتم استكمال التعاقد مع طبيب أطفال إضافي، كما تم رفد المركز بطبيب تشخيص مخبري، إضافة لطبيب الصحة العامة الموجود بالمركز.
يحتاج مرضى الثلاسيميا لدعم حكومي ومن قبل المنظمات العالمية والإنسانية، يتمثل بإجراءات حقيقية لا تعتمد على حملات التبرع فقط، بل إيجاد الحلول لإنقاذ حياتهم، كذلك إلى حملات توعية بالمرض الوراثي، وإجراء التحاليل قبل الزواج، لضمان عدم إضافة مرضى آخرين لقائمة الثلاسيميا السورية، حيث خالدية “تنزل إلى الشارع بحثاً عن متبرع، يظنها أشخاص أنها متسولة، تتوسل المارة لإنقاذ طفلتها بقطرة دم”.
