كنا ننتظر لحظة سقوط نظام الأسد مثلما ينتظر الغريق يدًا تمتد لانتشاله، كان كل شيء متوقعًا إلى أن تحولت لحظة فتح السجون في تلك الليلة إلى صدمة تغلق أبواب الأمل في وجه ذوي المفقودين إلى الأبد.
كبرتُ وأنا أبحث عن وجه أبي الذي لم أرَه منذ ثلاثة عشر عامًا، وصوته الذي لم أسمعه، وحنانه الذي لم أذقه، وحَزمه الذي أفتقده. يقولون إنني أشبهه كثيرًا، لكني لا أستطيع رؤية ذلك في المرآة، لأنني لم أرَ ملامحه إلا في الصور، لقد غاب فجأة في زحام الفوضى والنزاع في سوريا، تاركًا وراءه فراغًا لا يسده أحد غيره، وأسئلةً لا إجابات لها.
في بداية الثورة السورية، كنتُ طفلة صغيرة في الثامنة من عمري، بالكاد أفهم ما يحدث حولي. كل ما كنت أعرفه هو أن والدي ذهب إلى عمله ولم يعد. انتظرناه طويلًا، ثم بدأنا رحلة البحث التي لم تنتهِ.
البحث عن الوهم
طرقت أمي كل الأبواب، دفعت كل ما تملك بعد أن تعرضت للاحتيال المالي مراتٍ ومرات لكشف مصيره، لكن في كل مرة كنا نظن أننا نقترب من الحقيقة، كانت المعلومات تتلاشى والوعود تظهر على أنها كذب واستغلال.
أمي التي وصفت بحثها عن أبي كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، وقعت كما وقع كثير من عائلات المفقودين والمعتقلين ضحية فخ الاحتيال، إذ استغل مسؤولون حكوميون إلى جانب شبكات احتيال مشاعر هذه العائلات ومحاولاتهم المستمرة على مدى سنوات، مدّعين قدرتهم على كشف مصير أحبائهم.
يشير تقرير صادر عن رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا إلى أن النظام السوري جنى قرابة 900 مليون دولار من عمليات الابتزاز هذه بين عامي 2011 و2020، وذلك بعد دراسة تفصيلية أجرتها الرابطة بشأن المبالغ المالية التي دفعها الأهالي بالدولار الأمريكي، وحساب متوسط المبلغ وضربه بالعدد المعلن من جانب الأمم المتحدة البالغ 100 ألف مفقود. فيما يستمر مصير 112,414 شخصًا مجهولًا وفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان.
لم تتوقف أمي لحظة عن البحث عن والدي، لكننا كنا نتعرض في كل مرة للاستغلال والابتزاز. وعَدَنا أحد الضباط في حلب بتقديم معلومات عنه مقابل 500 دولار، ثم اختفى بعد أن أخذ المال. كانت العصابات تتاجر بآلامنا، يستنزفون أموال العائلات المكلومة دون أن يقدموا أي إجابة. عمي أيضًا كان يزور الأمن الجنائي باستمرار، يبحث في صور لأشخاص مجهولي الهوية ويدقق فيها راجيًا أن يعثر على صورة أخيه ، لكنه لم يجدها.
في إحدى المحاولات اتجهت أمي إلى نادي ضباط حلب حيث اصطدمت بوجوه حاقدة لا تصغي إلا لما تريد سماعه، أما عن جدتي فقد وجدت في عزلتها على سطح البناء ملاذًا وحيدًا، ترفض الحديث مع أحد مكتفية بالدعاء والتشبث بخيط الأمل، وقد أقنعت جدي بعدم بيع المنزل خشية أن يعود أبي فلا يجدنا، فيضيع في رحلة بحث مجهولة عاجزًا عن العثور علينا.
في محاولة أخرى، اجتمع عمي وعمتي بنائب رئيس فرع أمن الدولة وبعد أن سردوا تفاصيل اختفاء والدي طلب منهم الاتصال به بعد بضعة أيام، وبالرغم من محاولاتهم المتكررة استجاب لمرة واحدة فقط، ثم تجاهل باقي الاتصالات، تاركًا إياهم في دوامة الانتظار بلا إجابة.
أبي.. وجه غائب بين الوجوه
عندما فتحت أبواب السجون على أيدي مقاتلين ومدنيين وذوي معتقلين، عدتُ تلك الطفلة التي وقفت تنتظر والدها أمام الباب كل مساء، تحلم بعودته، وتتخيل احتضانه، وتقبيل يديه. كنت واثقة أن هذه هي النهاية التي حلمت بها، أن أبي سيخرج كما خرج غيره، أني سأراه أخيرًا بعد سنوات من الانتظار.
لكن الأيام مازالت تمر، مازلنا نكبر أنا وأختي وأمي دون أن يكبر بيننا، فوالدي ظل رجلًا مجهول المصير. لم يكن لدينا صورة حديثة له. كنت ومازلت أبحث عنه في الوجوه، في الأخبار، لكنني لم أجده وربما لن أجده بعد أن انقطع حبل الأمل حين لم يخرج مع الناجين من السجون ولا أثر لوجوده بين الصور والأسماء.
ما أصعب أن تبحث عن شخص دون أن تملك شيئًا من ملامحه أو تفاصيله! كنت أريد أن أسمع منه قصته، أن أعرف كيف كانت أيامه الأخيرة، أن أفهم لماذا اختفى، وكيف عاش إن كان حيًا، أو كيف رحل إن كان ميتًا. لكن لا إجابة على أيّ من هذه الأسئلة.
كنت أتابع الأخبار بشغف، أراقب مقاطع خروج المعتقلين، أبحث في الوجوه، أترقب ملامحه بين العائدين. كنت أعيد قراءة أسماء المفرج عنهم مرارًا، خشية أن يكون اسمه بينهم دون أن أنتبه. نشرت صوره ومعلوماته الشخصية في كل صفحة تعنى بالمفقودين، علّني أجد خيطًا يقودني إليه.
وعندما بدأ اليأس يتسلل إلى قلبي، لجأت إلى صور جدران السجون، حيث ترك المعتقلون أدلة على وجودهم، مثل أسمائهم وأسماء عوائلهم وأحبابهم. لكن كل محاولات بحثي باءت بالفشل، فالحروف المحفورة في العتمة على الجدران، لم تحمل أي أثر يدل على أنه كان هنا يومًا.
في إحدى محاولات البحث عن أبي فتشت مجددًا في صور “قيصر”، التي لعب فيها “فريد المذهان” ابن مدينة درعا المعروف بلقب “قيصر” دورًا كبيرًا في توثيق انتهاكات نظام الأسد.
ففي لقاء أجرته معه قناة الجزيرة كشف أنه خلال اندلاع الثورة السورية كان مكلفًا بتوثيق جثث ضحايا الاعتقال التعسفي، لكن مع تصاعد القمع الوحشي قرر المذهان الانشقاق عن نظام الأسد عام 2013 حاملًا معه شهادة على جرائم النظام، واستطاع تهريب 55 ألف صورة توثق التعذيب والانتهاكات في سجون نظام الأسد والتي أودت بحياة نحو 7 آلاف معتقل.
كنت أتأمل ما انتشر منصور قيصر، أبحث بين الوجوه المعذبة عن ملامح لا أعلم كيف صارت بعد هذه السنوات، لكنني سأعرفها، كنت أدقق في كل صورة فأخشى أن يخذلني بصري وأفقد أثره بين الضحايا الذين أخفى التعذيب ملامحهم، وفي كل مرة كنت أصل إلى حد معين يثقلني المشهد، فأجد نفسي مجبرة على التوقف، مستنزفة قوة التحمل، عاجزة عن المضي أكثر.
كيف اختفى أبي؟
في يوم عادي مثل غيره، غادر أبي، ابن بلدة ترمانين الذي تجاوز الأربعين عامًا، منزلنا في الساعة الثامنة مساءً متجهًا إلى عمله كمحاسب في فندق شهباء الشام بحلب، ليعود في الثامنة صباحًا كما اعتاد. لكن صباح يوم الثامن عشر من تشرين الثاني 2012، استيقظت أمي، ابنة مدينة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي، على اتصال من ابن عمي، يسأل بقلق عن سبب تغيّبه غير المعتاد عن العمل.
ساد الذعر قلبها، لم يكن في الفندق، ولم يكن في المنزل، ولم يعلم أحد أين اختفى. حاولت الاتصال به مرارًا، لكن هاتفه كان خارج التغطية. لم يكن أبي رجل سياسة، ولم يكن له أي نشاط ثوري، تصفه أمي بالمسالم والوديع، كان رجلًا يحب عائلته ولا يبحث عن المشاكل.
توجه عمي إلى المخفر لتقديم بلاغ عن اختفائه، زار الأمن الجنائي، بحث في صور المجهولين، لكن لم يكن بينهم. لجأت أمي إلى المحامين، إلى المسؤولين، إلى الضباط، لكن الجميع نفى وجوده، وكأن الأرض ابتلعته. تزامنت فترة اختفائه مع استنفار أمني عقب معركة سيطر فيها الثوار على الفوج 46، ازدادت الاعتقالات العشوائية حينها، وساد جوّ من الرعب في المدينة.
في عام 2019، تلقينا خبرًا عن العثور على سيارة أبي في محافظة الحسكة، كانت قد بيعت عدة مرات بحسب المشتري الأخير الذي كان يبحث عن أبي أو أحد من عائلته لأجل تسجيل السيارة. حاولنا معرفة كيف وصلت إليه، لكننا لم نجد إجابة سوى أنه المشتري الجديد. انتهى الأمر بأن تنازلت أمي عن ملكيتها مقابل 2500 دولار. مرت الأيام، وصارت الوعود روتينًا يوميًا. كنت أسأل أمي كل يوم: “متى يعود أبي”؟ فتمسح دموعها وتهمس: “غدًا، سيأتي غدًا.” وإلى الآن لم يأتِ الغد.
في كل مناسبة غصة
تمر الأيام، ومع كل فرحة نشعر بغيابه أكثر. حين تزوجت أختي التوأم، كانت تمسك بيد والدتي، لكن عيونها كانت تبحث عن يد أبي. همست لي يومها: “كم تمنيت أن يكون هنا، أن يمسك بيدي ويقدمني لزوجي، لكن فرحتي كانت ناقصة”.
لا شيء نعيشه أمَرّ من الانتظار، وعلى الرغم من أننا نخشى الحقيقة، إلا أننا نبحث عنها حتى لو كان ذلك مؤلمًا. نريد أن نعرف، حتى لو لم يبقَ من أبي سوى بقايا عظام متناثرة في مقبرة جماعية، نريد أن نعرف مصيره حتى لا نعيش بقية حياتنا في دوامة المجهول.
تعيش العديد من عائلات المفقودين حالة من التشتت والقلق، خاصة مع الإفراج عن 24200 شخص تقريبًا بحسب تقرير نشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهم من عشرات آلاف المفقودين ومجهولي المصير معظمهم كانوا في سجون نظام الأسد التي ضاعت كثير من وثائقها في الفوضى التي حصلت أثناء تبييض السجون.
صرح الكاتب والباحث السياسي علي جمالو لقناة “سكاي نيوز عربية” بأن الأجهزة الأمنية تمتلك نحو 100 سجن سري لا يرتبطون بسجن دمشق المركزي في عدرا أو سجن صيدنايا، وأوضح أن هذه السجون لا تحتوي قوائم بأسماء المعتقلين أو سجلات رسمية، بل يتم تحديد المحتجزين من خلال أرقام مشفرة في ملفات خاصة لا يعلن عنها.
لا أعلم لماذا تشكل في مخيلتي أن أبي كان في سجن صيدنايا شمالي العاصمة السورية دمشق بالقرب من بلدة صيدنايا، وهو من أكثر السجون تحصينًا وسرية، وقد أطلقت عليه منظمة العفو الدولية وصف “المسلخ البشري” نظرًا لإعدام آلاف الأشخاص خارج نطاق القضاء في عمليات شنق جماعية داخله، وقَتلِ آخرين كثر جراء تكرار تعرضهم للتعذيب، إضافة لكثير من الانتهاكات التي نقلها ناجون من السجن، وربما كان أبي بين من رحلوا منهم.
صرّحت السيدة كارلا كينتانا، رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، عن التزام مؤسستها بدعم الجهود الدولية والمحلية الهادفة إلى الكشف عن مصير المفقودين. وأكدت أن المؤسسة ستقدم مشروعًا للسلطات لمناقشته مع المسؤولين وعائلات الضحايا، سعيًا للوصول إلى الحقيقة والمساهمة في تحديد مصير المختفين.
تأمل عائلات المفقودين بأن تثمر جهود المؤسسات الحقوقية ومنها الشبكة السورية لحقوق الإنسان والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية والتي تعمل على تعزيز التعاون والتنسيق لكشف مصير المفقودين في سوريا، وفق ما صرحت به. هذه الخطوة بالنسبة لي وما يرافقها من تفاصيل ملف العدالة الانتقالية خطوة لابد من تنفيذها لإنصاف الضحايا وذويهم في هذه المرحلة.
سيبقى السؤال معلقًا في أذهاننا، يرافقنا في كل تفاصيل حياتنا: أين أبي؟ هل كان بين من قتلوا تحت التعذيب؟ هل مات في زنزانة مظلمة؟ أم أنه ما زال في مكان ما، بانتظار أن نجد طريقنا إليه؟ تمر الأيام ويؤلمني أنني لم أستطع الحصول على أي معلومة عنه حتى الآن، تحدثني نفسي، أنه لا يعقل أن يكون مازال على قيد الحياة حتى الآن لكنني أتراجع حين لا أجد أي دليل يؤكد وفاته.
