فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

ملحمة حلب تستعيد ذكرى ابراهيم اليوسف

مصطفى أبو شمس

ملحمة حلب تستعيد ذكرى ابراهيم اليوسف

نجحت معركة فك الحصار التي أطلقها جيش الفتح والفصائل المسلحة الأحد الماضي لاستعادة طريق الراموسة والوصول إلى الأحياء الشرقية من مدينة حلب وفك الحصار، عنها بعد أن أحكمت قوات النظام منذ أسابيع الحصار على المدينة، بعد قطع طريق الكاستيلو، والتقت قوات فك الحصار مع الفصائل المحاصرة في عدة نقاط بحسب ما أعلنت هذه الفصائل.

ويُعدُّ الهجوم على مدرسة المدفعية، معقل النظام الأكبر في المنطقة والتي تشكل النقطة الأكبر لتجمع جيش النظام وأسلحته الثقيلة في المنطقة، الحدث الأبرز في هذه المعركة حيث أطلق الثوار اسم غزوة ابراهيم اليوسف على المرحلة الثالثة من المعركة والتي تهدف إلى تحرير مدرسة المدفعية والنقاط المحيطة بها.

ابراهيم اليوسف قبل 1979:

ليس من المصادفة أن يطلق اسم ابراهيم اليوسف على معركة مدرسة المدفعية التي طالما ارتبط اسمه بها طوال حكم حافظ الأسد، ويمثل النقيب ابراهيم اليوسف الحدث الأبرز لما حدث في سوريا أيام حرب الإخوان المسلمين مع نظام الأسد والنقطة الأهم التي فجرت المعركة في تلك الآونة عام 1979. 

كتبت زوجة ابراهيم اليوسف في ذكرى وفاته نبذه عن حياته الشخصية أوردت فيها أهم المراحل التي مر بها:

” ولد الشهيد إبراهيم اليوسف عام ١٩٥٠ في قرية تادف من ريف حلب ثم انتقلت عائلته لمدينة الرقة وكان عمره سنتان ، درس بمدارس الرقة وعندما كان في الصف العاشر وبعد نكسة حزيران ، فكر مع صديق له أن يؤسس حزباً إسلامياً لإسقاط النظام البعثي ، فبدأ بشراء الكتب الدينية والثقافية ولكنها كانت فكرة شاب طموح وغيور على دينه وعلى وطنه ، التقى في الصف الحادي عشر مع عدنان عقلة الذي كان يخدم والده في سلك الشرطة في الرقة وبعد أن نالا الشهادة الثانوية افترقا ، التحق عدنان بالجامعة بفرع الهندسة بينما لم يستطع إبراهيم أن يسجل بالجامعة لسوء الحالة المادية لوالده وهو الولد الأكبر لعشرة أولاد لهذا انتسب للكلية الحربية ، وهناك رأى من انتشار الكفر والطائفية والفساد وشارك بحرب تشرين التخريبية كما يسميها هو وكيف منح الضباط العلويون من الرتب التي لا يستحقونها دون الضباط السنة ، رأى العنصرية بأقوى صورة وبعد حرب تشرين عاد والتقى بصديق الشباب عدنان عقلة الذي كان لم يتخرج من الجامعة بعد واستمرت اللقاءات كلما كان الشهيد إبراهيم في إجازة لمدينة حلب .

نقل بعدها إبراهيم الى مدرسة المدفعية كإجراء عقابي له بسبب أدائه للصلاة وعدم اكتراثه بالنبيهات المتكررة له، كان يشعر بألم وحزن لمعاملة المتدينين بالسوء والذل والعنصرية، زار عدنان عقلة عدة زيارات في الجامعة وكانا يتبادلان الأحاديث وهموم الأمة، عرف عدنان عقلة ما يفكر به إبراهيم وما يبحث عنه ألا وهو محاربة هذا النظام فليس من دواء للخلاص من هذا النظام المجرم سوى القوة.

وبعد لقاءات كثيرة وحوارات عرض عدنان على إبراهيم الانضمام لجماعة مروان حديد ووافق على ذلك وكان هذا عام في الشهر الأول من عام ١٩٧٧ وفي هذا العام رقي لرتبة نقيب، وأصبح إبراهيم أحد المنظمين في جماعة سرية وعليه أن يحتاط لذلك ليستطيع العمل بنجاح أكبر “.

وعدنان عقلة من مواليد 1953، مهندس معمار من جامعة حلب، من سكان مدينة حلب، وتنحدر عائلته من جنوب سورية، فصل من جماعة الإخوان المسلمين عام 1974 أو عام 1977 بسبب آرائه في المواجهة المسلحة مع السلطة في سورية.

وأسس ما يسمى جماعة مروان حديد، ومروان هو مؤسس وقائد حركة الطليعة في سوريا، ولد عام 1934 حصل على الثانوية العامة الفرع العلمي عام 1955، وتسجل في كلية الزراعة جامعة عين شمس 1956 في مصر وتخرج منها في 1964، طالت مدة دراسته بسبب كثرة اعتقاله من قبل المخابرات المصرية، التحق بكلية الآداب جامعة دمشق قسم الفلسفة وحصل على البكالوريوس عام 1970.

سجن في أحداث الحاضر 1964 وأطلق صراحه أثناء حرب حزيران 67 ليتابع عمله ثم اعتقل داهمته قوة المخابرات في صبيحة يوم 30 حزيران 1975و توفي في سجن المزّة العسكري في شهر 6/1976.

” الطليعة المقاتلة” هي مجموعة انشقت عن جماعة “الإخوان المسلمون”، وأسس منهجها الشيخ مروان حديد، وواجهت النظام السوري بالسلاح لا السياسة.

يقول المراقب العام للإخوان المسلمين آنذاك عدنان سعد الدين ” انه لم يكن هناك ما يسمى بالطليعة ” ولم يعترف بها.

الأمر الذي أكدته زوجة الشهيد ابراهيم اليوسف لفوكس حلب ” في البداية لم يكن هناك اسم الطليعة ولكن فقط جماعة مروان حديد ولكن بعد دخول شباب من الإخوان للجماعة، أصبح اسمها الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين “

كانت مهمة ابراهيم اليوسف أن يكتب مسحاً لضباط المدرسة من ضباط جيدين وسيئين، وصولاً إلى العملية التي خططوا لها في مدرسة المدفعية وكان الهدف منها اعتقال مجموعة من الضباط وأخذهم كرهائن لمبادلتهم مع الأسرى من الطليعة.

ولكي يعلم العالم بما يحصل في سوريا من استئصال لكل ما هو مسلم ومتدين بغض النظر إن كان منظماً مع الإخوان أم لا.

مدرسة المدفعية 16 حزيران 1979

تضاربت الروايات حول ما حدث في مدرسة المدفعية في هذا اليوم ، حيث كتب عدنان سعد الدين المراقب العام للإخوان المسلمين  في كتابه مذكرات وذكريات في المجلد الرابع عن الحادثة:

” كان النقيب إبراهيم هو الضابط المناوب والقائم بإدارة التوجيه المعنوي -السياسي- للطلبة من دورة سلاح المدفعية ، فاتفق مع عدنان عقلة الذي قدم له عدداً من الذين وارفقوه على تنفيذ العملية ، وهيأ لذلك كل أسبابها ، حيث ادخل مجموعة التنفيذ بسيارة مغطاة لم ير الحرس أحداً منهم ، وأوكل إليهم العمل التنفيذي ، فبدأوا باعتقال الحرس وإبعادهم ، وتعطيل غرفة الاتصالات السلكية واللاسلكية ، ثم دعا طلاب الدورة إلى اجتماع طارئ وسريع في قاعة المحاضرات ، باعتباره ضابط الأمن الذي يمثل السلطة الحزبية ، يحضره قائد اللواء ليلقي بهم كلمة مهمة ، فتسارع الطلاب الضباط إلى القاعة ، فالتف المنفذون حول القاعة ، وأخذ كل واحد منهم موقعه خلف إحدى النوافذ ، وشرعوا في إطلاق النار من الرشاشات وإلقاء القنابل اليدوية ، حتى قتل أكثر من في القاعة ، فغادرت المجموعة المنفذة الثكنة ، فكان هذا الحادث كارثة مؤلمة للسلطة الحاكمة ، وللطائفيين الطغاة المتسلطين على رقاب المواطنين “.

اللجنة السورية لحقوق الانسان تروي حادثة مدرسة المدفعية:

” بتاريخ 16 حزيران/يونيو 1979 قام الضابط المناوب (ضابط التوجيه المعنوي والسياسي بمدرسة المدفعية في منطقة الراموسة بحلب ورئيس الفرقة الحزبية في المدرسة) النقيب إبراهيم اليوسف ومجموعة من مقاتلي الطليعة المقاتلة استدعاهم من خارج مدرسة المدفعية وعلى رأسهم عدنان عقلة، بتنفيذ مجزرة خلفت 32 قتيلاً و54 جريحاً حسب الرواية الرسمية السورية. استهدفت المجزرة طلاب الضباط العلويين، لكن وزير الإعلام السوري أحمد اسكندر أحمد صرح بأن من بين الضحايا مسيحيين ومسلمين سنة “.

 زوجة ابراهيم اليوسف في ردها على فوكس حلب قالت إن ” عملية المدفعية كانت رداً على تصرفات النظام الإجرامية بحق كل المتدينين وخاصة شباب الإخوان، من تعذيب حتى الموت وفصل المعلمين المتدينين من وظائفهم وتسريح الضباط السنة “.

وأكملت زوجة الشهيد حديثها بأن ” الهدف من العملية كان احتجاز الضباط من أجل مبادلتهم بسجناء وكذلك إعلامياً حتى يعلم العالم حجم الطائفية والجرائم الممارسة على الناس ولكن عندما علم الضباط بذلك هجموا على الشهيد لذلك أجبروا الشباب المحاصرين للندوة على إطلاق الرصاص وفشلت العملية “.

ردت السلطة السورية على هذه المجزرة بمزيد من الاعتقالات الواسعة التي بدأتها من قبل لاستئصال الإخوان المسلمين، ولم تمض أسابيع على المجزرة حتى بلغ عدد المعتقلين حوالي 6000 معتقلاً، كما سارعت محكمة أمن الدولة العليا إلى إصدار حكم على 15 شخصاً اعتقل بعضهم عام 1977 ولا علاقة لهم بكل ما حصل، وأعدموا في 27/6/1979.

تداعيات عملية مدرسة المدفعية 1979:

حاول النظام الاستفادة مما حدث في مدرسة المدفعية وقام بالإعلان عن حملة اعتقالات واسعة واتهام الإخوان المسلمين بالعملية وعمل على التجييش الطائفي تجاه ما حدث وخصوصاً ان معظم القتلى كانوا من الطائفة العلوية. في حين تبرأ الإخوان المسلمين في بيان لهم من عملية مدرسة المدفعية من خلال بيان تم نشره بعنوان ” الواقع والتاريخ” 24/6/1979 جاء فيه:

إن الإخوان المسلمين فوجئوا كما فوجئ غيرهم بالحملة التي شنها عليهم عدنان دباغ وزير الداخلية السوري، متهماً إياهم بالعمالة والخيانة وغير ذلك، ومحملاً إياهم مسئولية أمور هو أكثر الناس دراية أنهم برآء منها، لقد حملهم مسؤولية المذبحة التي حدثت في مدرسة المدفعية كما حملهم مسؤولية الاغتيالات التي جرت ولا زالت تجري في سوريا.

وأوضح الإخوان في بيانهم بأن إبراهيم اليوسف والمجموعة التي قامت بهذه المجزرة معروفة للسلطة في سورية ولا صلة لها بالإخوان المسلمين:

” إن النقيب إبراهيم اليوسف الذي نفذ حادثة مدرسة المدفعية معروف أنه عضو عامل في حزب البعث السوري، وليس له أي صلة بالإخوان المسلمين. فلماذا ينسب عمله إلى الإخوان المسلمين؟ “.

ثم إن السلطة تعرف أن هناك أوراقاً خلفها، أصحاب الحادثة تبين هويتهم، وأن لا صلة لهم بالإخوان المسلمين.

كما وصف المراقب العام للإخوان المسلمين في كتابه ما حدث بأنه ” كان عملاً كارثياً بالنسبة لتنظيم الإخوان المسلمين، لأنه كان السبب في تعطيل برامج الجماعة وعرقلة مسيرتها الدعوية “.

وأنكر معرفته بالأشخاص الذين قاموا بها، حتى قرأ تصريحات عدنان عقلة فيما بعد ينسبها إلى نفسه، وإلى رفيقه في نشأتهما بمدينة الرقة: النقيب إبراهيم اليوسف متباهيا في هذا الأمر، ومفاخرا في إنجازه وتنفيذه.

وقال المراقب العام للإخوان المسلمين ” لم نكن نسمع أو سمعنا عن النقيب إبراهيم اليوسف قبل حادثة المدفعية، فهو لم يكن من الإخوان قط، بل كان بعثيا منذ فترة طويلة، حتى بلغ درجة العضو العامل في الحزب، وعضوية التنظيم العسكري في الجيش”.

الأمر الذي أكدته زوجة الشهيد ابراهيم اليوسف في حديثها مع فوكس حلب

” كل الضباط يجب أن ينتسبوا لحزب البعث وهو كان من هؤلاء الضباط نعم الإخوان لم يسمعوا بإبراهيم اليوسف لأنه لم يكن من جماعة الإخوان وإنما انتسب لجماعة مروان حديد عن طريق صديق الدراسة عدنان عقلة “.

بعد تنفيذ عملية المدفعية، أصبح ابراهيم اليوسف قائدا لمعظم العمليات العسكرية في مدينة حلب وهذا ما أكدته تسجيلات صوتية نسبت إلى ابراهيم اليوسف يتحدث فيها عن العمليات العسكرية التي تمت وعن أسبابها وما أكدته لنا زوجته ” الشهيد كان هو قائد غالبية العمليات العسكرية بحلب “.

صباح 2 حزيران 1980:

كتبت زوجة ابراهيم اليوسف عن هذا اليوم الذي تم فيه قتل زوجها:

” في هذا الصباح من عام ١٩٨٠استيقظ باكراَ وطلب تجهيز الفطور لرفاقه المجاهدين وكعادته لا يفطر مع زوجته وأولاده ولكن مع الشباب احتراماَ لمشاعرهم انتهى من تناول وجبة الإفطار ونزل لغرفته التي لا تحوي بين جدرانها سوى فراش وأرجوحة للصغير وجزء من خزانة اقتسموها مع عائلة الأخ الشهيد أبو حسن أحمد كريز

تكلم قائلاَ:

اليوم رأيت رؤيا الله أعلم بتفسيرها ولكني وجهت نصائح ووصايا للشباب المجاهدين وبدأ يسرد وصايا مودع وصايا أب حريص وصايا زوج مسؤول ووصايا مجاهد مخلص

نظرت إليه وأجهشت بالبكاء فقال لي وهو مبتسم (((تنسين)))

تلك الكلمة هي الوحيدة التي مازالت تبكيني لأني نسيت الحزن ولكني كنت وفية له وللطريق الذي سار عليه والهدف الذي استشهد من أجله وخرج ولم يعد”

وتحدثت السيدة عزيزة جلود زوجة ابراهيم اليوسف لفوكس حلب ” الشهيد استشهد على وشاية من مخبر عرفه من الشبه رآه يدخل بيتاً فجاؤوا ونصبوا كميناً داخل البيت وعندما جاء ضربوا عليه وضرب عليهم وأصيب بطلقة برأسه واستشهد ولم يكونوا متأكدين من شخصيته بعد استشهاده أخذوا جثته لمدرسة المدفعية وأجبروا كل الجنود والضباط على البصق عليه “

تخلت الطليعة بعد قتل النظام لإبراهيم اليوسف عن عائلته كما اخبرتنا السيدة عزيزة زوجة ابراهيم اليوسف ” لم نر في حياتنا أحداً منهم وقف معنا لا من طليعة ولا من إخوان “

غزوة ابراهيم اليوسف آب /2016: 

أكد ياسر ابراهيم اليوسف نجل ابراهيم اليوسف وهو عضو المكتب السياسي في حركة “نور الدين الزنكي، في حديثٍ إلى عنب بلدي، على الانتصار في المعركة بقوله “لأن للشعب ذاكرة لا تنسى وللمظلوم حق في رقبة الظالم ستعود مدرسة المدفعية وحلب وكل سوريا ملكًا للشعب، بكل مكوناته ومذاهبه وطوائفه وقوميات، مشددًا على أنها “لن تكون بعد اليوم ركنًا ومأوىً للظالمين الظلاميين الطائفيين”.

وقال نجل منفذ عملية كلية المدفعية في حلب، ياسر إبراهيم اليوسف، إن “يوم المدفعية الذي يتكرر اليوم، كان اليوم الأول لإعلان الحرب على الطائفية السياسية”.

واسترجع نجل اليوسف كلمة والده الموجهة إلى الطائفة العلوية، وقال فيها “نريدكم بيننا ولا نريدكم سادة علينا”.

الإعلاميون “ولاد حارتنا”

فريق التحرير

الإعلاميون “ولاد حارتنا”

لا يمكن قياس الدور الإعلامي في بلد ما بمعزل عن الثقافة العامة. كما لا يمكن إغفال دور الإعلام في خلق سياسة الانحياز والتأثير، أي صناعة رأي عام في قضية ما، ومن ثم تصديره إلى باقي مناطق العالم لخلق وسيلة ضغط للتغيير الفكري والسياسي والوقوف إلى جانب القضايا التي باتت حالة عامة تُعنى بها كل الشعوب على اختلاف مناطقهم وانتماءاتها، سيما إن كانت تندرج تحت بنود كالإنسانية أو جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية.

شهدت الأحداث الأخيرة في مدينة حلب تجاهلاً عاماً على كافة الأصعدة، إذ كان هناك غياب واضح للإعلام العالمي بشكل عام والعربي بشكل خاص، يرافقه تجاهل في الموقف السياسي والعسكري. واكتفى العالم بمشاهدة صورة نقلها ناشطون محليون، رغم أن المدينة كانت تعاني من حملة تدمير وإبادة عامة. بحسب عبد الناصر أحد سكان حلب فإن “هناك تقصيراً واضحاً في تغطية أحداث المدينة وغياب للإعلاميين ووكالات الأخبار الأجنبية والدولية. لم نر إلا الإعلاميين الشباب ولاد حارتنا الذين استطاعوا بامكانياتهم القليلة نقل جزء من معاناتنا”.

كان للإعلام دور هام وكبير في الثورة السورية وفي تغطية الأحداث والقضايا الإنسانية والوقوف على حجم القتل والدمار الذي شهدته سوريا بشكل عام منذ بداية الثورة، وحلب بشكل خاص وما عانته من تدمير وقتل وتهجير، وتضم حلب ما لا يقل عن 300 إعلامي نصفهم يتنقل بين المدينة وريفها رغم الصعوبات والاستهداف والقتل، وينقل هؤلاء الاعلاميون جزءاً من معاناة الأهالي في المدينة مسلطين الضوء على جرائم النظام وحلفائه، وينتمون لمؤسسات محلية حملت على عاتقها رسالة الوقوف بالصورة والكلمة والصوت، ومنهم من يعمل بشكل مستقل أو لدى وكالات وقنوات عربية وعالمية.

يؤكد عبد الناصر: “لم نعد نتابع الأخبار الدولية ولم يعد يهمنا الأمر فكلهم كاذبون، نحن نعرف أن المجتمع الدولي يقف ضد ثورتنا ومعاناتنا، ولذلك نعتمد على صفحات الناشطين والمصورين على الأرض فهم أكثر مصداقية وأقرب لما نعيشه”.

الإعلام والحياد

أحمد العلي الذي يعمل صيدلي في مستوصف بمدينة حلب يقول : صار هناك وعي عند الناس، فلم تعد الأخبار الكاذبة تغريهم ولا الإشاعات، صار لديهم حساسية للأخبار التي تظهر وكأنها تظهرهم كحالة مبكية لا كأصحاب حق، وصرنا نرى انحياز القنوات الإعلامية حتى -المحسوبة علينا- إلى مصالحها ورأيها السياسي، أليس من الضروري أن يقوم اتحاد الإعلاميين في مدينة حلب، والذي أعلن تشكله عام 2013 وضم مئات الصحفيين والناشطين الإعلاميين، بتوعية الناس وإشراكهم في الحرب الإعلامية التي لا تقل أهمية عن الحرب العسكرية على جبهات القتال، وربما يكون للإعلام التأثير الأكبر في هذه المرحلة من خلال نقل المعاناة وحجم الدمار الذي نعيشه.

يتابع أحمد العلي “عند انطلاق هاشتاغ حلب تحترق معظمنا لا يعرف معنى هاشتاغ حتى أنا لا أعرف ولم أبحث عن معناه ، كنا نرى أن الأمر بلا جدوى، وعندما بدأ التفاعل مع الهاشتاغ يزداد، صرنا نرى المظاهرات التي قامت في أكثر من بلد أوربي وعربي للوقوف إلى جانب مدينتنا، وما تتعرض له، صار الهاشتاغ حديث الشارع، وربما بدأنا نعرف  أهمية الإعلام أكثر وأنه من الممكن أن يشكل أداة فعالة في حربنا من أجل نيل حريتنا”، وأضاف أحمد “بدأ الناس يستعيدون ثقتهم بدور الإعلام والإعلاميين الذين كان يُنظر لهم في السابق وكأنهم ينظرون إلى دمارنا وموتنا كمادة دسمة لصورهم وأخبارهم، ونحن بحاجة لإعلام صادق وكلنا رأينا الإعلامي هادي العبد الله كم كان متأثراً حين كان ينقل معاناة أحد الأهالي وهو ينتظر إخراج أطفاله من تحت الأنقاض”.

سألنا الإعلامي هادي العبد الله عمّا إذا كان على الإعلام أن يكون حيادياً، وهل على الإعلامي أن يتأثر وهو ينقل أخباره كما ظهرتَ وعلاماتُ الـتأثر واضحة عليه، وعن شعوره وهو ينقل معاناة أهل حلب.

يقول هادي إن “من المستحيل على الإعلامي الذي يغطي أحداث الثورة السورية أن يكون حيادياً، فلا يمكن للإعلامي أن يساوي بين الضحية والجلاد، فالإعلامي لا يستطيع أن يخرج عن كونه إنساناً، وبالتالي يتأثر ويبكي ربما يترك الكاميرا ويساعد في إسعاف جريح لأن حياته في خطر، لا يمكن أن يكون حيادياً، عليه أن يمتلك المصداقية، وهنا لا بد لنا من أن نفرق بين الحياد والمصداقية، يجب علينا أن نكون صادقين،  فلا يمكن أن نكون حياديين ونحن نرى شلالاً من الدماء ونرى الأطفال والنساء تحت الأنقاض” وأضاف “كثيراً ما كنت أبكي وأشعر بالعجز لعدم قدرتي على فعل شيء أمام ما يحدث وأشعر بالخذلان من كل العالم لتركهم نساءنا وأطفالنا تحت الأنقاض”.

الصعوبات مستمرة ؟!

يعاني الإعلاميون صعوبات كثيرة في نقل الخبر وتصويره بالإضافة إلى صعوبة التنقل واستهداف الطائرات والكثير من المشاكل التي تعترضهم أثناء أداء عملهم من الأهالي والفصائل المسلحة على الأرض. وعند السؤال عما إذا تغيرت نظرة الناس للإعلاميين بعد الأحداث الأخيرة في حلب وخصوصاً بعد نجاح هاشتاغ حلب تحترق في الضغط على السياسة الدولية ونظام بشار الاسد، و هل  تراجعت الصعوبات التي كان الإعلاميون يواجهونها قبل الأحداث الأخيرة؟ الناشط الإعلامي كرم المصري فاز بجائزة الحكام الخاصة في مسابقة اليابان الدولية للتصوير الصحفي، عن مجموعة من الصور تحت عنوان “حلب تحت الغارات الجوية”، إذ وثّق من خلال الصور التي التقطت عام 2015 القصف المكثّف بالبراميل المتفجرة والصواريخ التي شنتها “قوات الأسد” على كافة أحياء مدينة حلب، أجابنا كرم “بالتأكيد تغيرت نظرة الناس للإعلاميين بعد النجاح الذي حققه هاشتاغ حلب تحترق في نقل معاناة الأهالي وإيصال صوت الناس إلى كل أصقاع الأرض، واستطاعوا أن يربحوا المعركة الإعلامية حيث كان النظام يسعى إلى إظهار الناس في حلب على أنهم إرهابيون وعبارة عن متطرفين يقصفهم ويحاربهم، ونجح الإعلاميون في نقل الصورة الحقيقية على أنهم مدنيون وعزّل ولا ذنب لهم، ونتيجة لربحنا المعركة الإعلامية  ضد النظام، استطعنا اكتساب احترام الناس، في حين تقلصت الصعوبات التي كنا نواجهها وتحولت النظرة إلى الإعلامي عند تغطيته لحدث ما أن هذا الشخص يستطيع إيصال صوتنا ومعاناتنا”.

بينما رأى لإعلامي حسن قطان من مركز حلب الإعلامي والذي يعد مؤسسة إعلامية ثورية تجمع عدداً من الصحفيين والناشطين الإعلاميين في المدينة بغية الارتقاء بإعلام الثورة والعمل على تحقيق أهدافها ، أن الصعوبات  التي كان يواجهها الإعلاميون لم تتغير وقال: أعتقد أن الناس لم تتغير نظرتها، ونجاح الهاشتاغ حلب تحترق لم يؤثر فيهم،  فالمجتمع المحلي لم يلمس هذا النجاح، ومن خلال ملامستي للمحيط الذي حولي لم أجد أن الناس على قناعة في قدرة المجتمع الدولي على مساعدتهم أو الوقوف إلى جانبهم وهذا الأمر لم يعد مهماً للناس في المدينة سواء تضامن معهم المجتمع الدولي أم لم يتضامن. وأضاف حسن “لا أعتقد أن الصعوبات التي يواجهها الإعلاميون تراجعت فهي ما زالت على حالها ودائماً ما نواجه  الصعوبات ذاتها على صعيد الأهالي، ربما تراجعت الصعوبات التي كنا نواجهها من القادة العسكريين وأصحاب المؤسسات والمنظمات، فهؤلاء هم من تغير رأيهم تجاه الإعلاميين وشعروا بالدور الكبير الذي تلعبه وسائل الإعلام واصبح هناك تجاوب أكثر منهم عند إدراكهم أهمية الإعلام بشكل عام”.

يمثل الإعلام السلاح الأهم في العصر الحديث ويعتبر دوره في الحرب أكثر مضاء وقوة من الرصاصة، واستطاع الإعلاميون في مدينة حلب بالرغم من كل الصعوبات والتحديات التي تواجههم من تحقيق طفرة كبيرة بإمكانياتهم القليلة في كسب ثقة الشارع ونقل صوتهم إلى المجتمع المحلي والعربي والدولي.

حياة على وقع البراميل

حياة على وقع البراميل

محمود عبدالرحمن.

 

يغادر "أبوغيث" منزله في المدينة القديمة في حلب كل صباح الى حي الشعار حيث يعمل محاسبا في أحد المحال التجارية. تودعه زوجته بالصلوات والدعوات أن يحميه الله من البراميل التي تمطر من سماء المدينة، ليبادلها هو بدوره نفس الدعوات.

يعيش هذا الرجل الثلاثيني مع زوجته وطفله الذي لم يتجاوز عمره  الثلاثة أشهر. ترافقه في طريقه إلى العمل الكثير من الأفكار والصور السوداء وتشغل باله خيارات أحلاها مر.

"لم أكن أخاف الموت بقدر خوفي على ترك زوجتي وطفلي بدون معيل في هذه الظروف المعيشية الصعبة. ومن جهة أخرى ماذا لوكان الموت أسرع إليهم مني ماذا عن زوجتي وطفلي الرضيع إنها مفاضلة صعبة"، يقول.

 

البقاء أم الذهاب؟

البراميل التي تتساقط يوميا هنا وهناك ناثرة معها البيوت وسكانها تجعل هذا الرجل دائم التفكير في سلامته وسلامة عائلته، وتبقيه على تواصل مستمر معها: "لا يمكن أن تمر ساعة دون أن أتحدث إلى زوجتي وكثيراً ما أترك عملي وأعود مسرعاً إلى البيت لشدة الذعر الذي يصيبهم عندما يكون القصف قريباً منهم".

زوجته "ام غيث"تمضي يومها حاملة طفلها الرضيع لتجري به إلى الغرفة الداخلية من الطابق السفلي كلما سمعت صوت الطائرة لعل سقفاً اخرَ  أو جداراً يحمي طفلها. تقول: "أشاهد يوميا على التلفاز كيف يدمر البرميل المباني بأكملها وأشاهد كيف ينتشلون الناس من تحتها أحياء في بعض الأحيان وهذا ما يدفعني للاحتماء قدر الإمكان".

بالنسبة لهذه السيدة، لم تعد الحياة اليومية مجرد روتين تمارسه بل سلسلة من المغامرات المحفوفة بالمخاطر. وتقول "لطالما كنت محتارة هل أطلب من زوجي البقاء خوفاً من القصف الذي يطال الشعار أم أطلب منه الذهاب عله ينجو إذا قصف بيتنا وأحاول تأجيل ما أحتاجه من السوق خوفاً على زوجي من القصف المستمر" فكل الطرق لم تعد أقل خطورة من "طريق الكاستيلو" وهو المخرج الوحيد لمدينة حلب ومستهدف بشكل مستمر من قوات النظام او قوات حماية الشعب الكردية المتمركزة في حي الشيخ مقصود.

الأدوية لن تشفيه

كان المعهد السوري للعدالة أحصى 907 غارات بالصواريخ و270 برميل متفجر و63 صاروخ ارض-ارض وعشرات القذائف المدفعية سقطت على المدنيين خلال شهر نيسان الماضي، استهدفت 517 منطقة سكنية بينها 25 سوقا شعبيا و6 مراكز طبية كان أهمها مشفى القدس الذي قضى فيه طبيب الأطفال الوحيد في المدينة الدكتور وسيم معاز مساء الأربعاء 28 من الشهر نفسه.

حدث هذا القصف العنيف بعد أكثر من أسبوع من مرض غيث وتأجيل والده اصطحابه للمشفى حتى تخف وتيرة القصف "اشتريت له بعض الأدوية من الصيدلية رغم يقيني أنها لن تشفيه لكنها قد تخفف عنه ريثما يسمح الطيران بطريق آمن أستطيع من خلاله اصطحابه إلى الطبيب في مشفى القدس لكن الأمر زاد سوءاً بعد استهداف طيران النظام للمشفى وأودى بحياة آخر طبيب اطفال في المناطق المحررة".

وبينما كان العالم بأسره يتابع أخبار الموت في حلب كانت الحملة التي أطلقت للتضامن مع المدينة "حلب تحترق" في أوجها والناس تبدل صورها على الفيسبوك إلى اللون الأحمر تضامناً، كان أبو غيث وزوجته يتابعون صوت البرميل من جهة وأخباره وعدد ضحاياه بعد أن يسقط من جهة أخرى ويتتبع كل خبر يتحدث عن هدنة او تهدئة."حلب تحترق وكنا نبحث عن قشة من أمل نتعلق بها وعن خبر يبشر بتخفيف وتيرة الموت لأن أملنا بإيقافه تماماً أصبح معدوماً بعد كثير من الخيبات التي تصيبنا عقب كل تصريح لمسؤول عربي او غربي".

ماذا بعد الهدنة؟

في 29 نيسان الماضي أعلن زعماء العالم دخول مدينة حلب في هدنة لمدة 48 ساعة، سمحت لأبي غيث باصطحاب ابنه للمشفى حيث عالجه طبيب غير متخرج. يقول "بالتأكيد لن تطالب بأطباء اختصاصيين هنا ولا يمكنني إلا أن اشكر هذا الطبيب النبيل، فهو من القلة الذين اختاروا البقاء معنا هنا".

وينتظر أبوغيث وسكان مدينة حلب البالغ عددهم 400 ألف نسمة بحسب آخر احصائية لمجلس مدينة حلب نهاية الهدنة وما سيحدث بعدها.

بحسب أبو غيث "كانت الهدنة جيدة بالنسبة لي ولمعظم من أعرفهم في المدينة فالقصف أنهك الجميع من مدنيين وفرق انقاذ واسعاف وإيقاف قتل المدنيين المحرم دوليا أصبح بحاجة الى اتفاقيات وهدن، ولكن ماذا بعد أن تنتهي ساعات الهدنة".

حقنة تخدير باسم الهدنة

حقنة تخدير باسم الهدنة

رعد اطلي.

 

لم يرق للتحالف الجديد من نوعه بين الروس والأمريكان عودة النبض السلمي للثورة السورية، وظهور السوريين ثانية بذات التصميم الذي انطلقوا فيه في اليوم الأول لثورتهم، بعد الهدنة التي أعلنا عنها في نهاية شهر شباط، والتي قسمت المناطق المحررة إلى مناطق مستباحة وأخرى مستثناة من القصف لم تؤت أُكلها على الأرض في نشوء صراع بين الفصائل المقاتلة نتيجة لإضعاف طرف دون آخر كما توقع الأمريكان.

 

ومع بداية شهر نيسان بدأت العملية من قبل "نظام الأسد" وروسيا ضد مدينة حلب تستدعي عدة أهداف أهمها زيادة عدد المهجرين من المدينة للضغط على تركيا والاتحاد الأوروبي من خلفها، وبدأ "نظام الأسد" و الروس بإحراق المدينة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فلم يتركوا مكاناً قد حرمته قوانين الحروب وأخلاقياتها إلا وهاجموه، من المناطق السكنية إلى المشافي و خطوط إمداد المياه ، و مراكز الدفاع المدني وغيرها من المراكز والمناطق التي توصف مهاجمتها بجريمة حرب ضد الإنسانية حسب القانون الدولي.

صمود المدينة هدم كل المخطط الروسي الأمريكي حيال الوضع في حلب، ترافق هذا الصمود مع حملة عالمية بدأها نشطاء سوريون و تضامن معهم غير سوريين على مواقع التواصل الاجتماعي والميديا، حملة فشلت القوى المعادية في الطرف الآخر من صدها، و أظهرت قدرة متطورة ورائعة في إنتاج الصورة والتعامل معها، وتضامنت أعداد كبيرة من المواطنين في شتى أنحاء العالم نصرة للمدينة وحملتها  "حلب تحترق"، ووجد الأمريكيون الذي لم يكونوا صامتين حيال العملية أنفسهم أمام قضية رأي عام عالمي استطاعت الثورة أن تنتجه لأول مرة منذ خمس سنوات، وقرروا أن يزيدوا من المناطق التي شملتها الهدنة الجديدة حول ريف دمشق وريف اللاذقية لتشمل حلب، ولكن هل نفذوا ذلك فعلاً؟ كل ما فعله الأمريكيون أنهم أعطوا الرأي العام الذي تحرك لأجل المدينة حقنة تخدير باسم الهدنة.

منذ أن أعلن البيت الأبيض عن أن الهدنة ستشمل حلب في الخامس من أيار الجاري وما زال شلال الدم مستمراً في المدينة، وحلب ما زالت تحترق، كما أن الأيام الأخيرة شهدت تشديد القصف من قبل الروس وطيران الأسد وخصوصاً على طريق الكاستيلو الشريان الوحيد لمدينة حلب في الداخل، و ما زال أهل المدينة مصممون  على الصمود والبقاء في المدينة وعدم الخروج منها.

 

هذا الصمود يدفع الشعب ثمنه غالياً، فليس من السهل أن ترى ابنك يتقطع أمام عينيك وأنت تجمع أشلاءه من على جدارن بيتك المحطم وتصرخ بأنك صامد، وليس سهلاً أن تسمع صوته من تحت الأنقاض وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وأنت لا تملك ما يساعدك في رفع الأنقاض عنه، يدفع أبناء المدينة حتى اليوم دماءهم ثمن عنادهم في وجه نظام مجرم يدعمه أعتى قوتين في العالم متمسكين بكرامتهم وإنسانيتهم، فهل ترى أيها الجالس بعيداً في خروجك ببعض المظاهرات المتضامنة معهم، وبعض الخواطر التي تكتبها على مواقع التواصل، أو أن تلون صفحتك الشخصية باللون الأحمر أمراً كافياً، وبأنك قمت بما يجب عليك أن تقوم به؟! 

قتل نظام الأسد في سوريا خلال السنوات الخمس من الثورة عقوبة على تهمة المطالبة بالحرية أكثر من نصف مليون شخص، بحدود المائة ألف ضحية في السنة، أي ما يفوق ثمانية ألاف وثلاث مائة ضحية في الشهر، اي ما يقارب مائتان وسبعون ضحية يومياً، هل لك أن تتصور أنك تعيش بعالم فيه مجرم يقتل كل يوم مع أفراد عصابته هذا العدد طيلة خمس سنوات دون أن يأخذ يوم عطلة؟ هكذا أمام ناظريك وناظري العالم، دون أن يفكروا في التخلص منه، بل يعملون على دعمه وتأييده، يقتلهم بعد خمسين سنة من وضع ما يسمى ميثاق "حقوق الإنسان" واختراع "الأمم المتحدة" وبدعم المطلق من مهندسي الميثاق والأمم، هل ما زلت تعتقد أن الأمر لا يمسّك أياً كان مكانك، أن ترى مجرماً قد أطلقت يده في رقاب البشر لينهي حياة مئات الأشخاص منهم يومياً، ثم ماذا؟! تجتمع قوتين عالميتين لمناصرته تقوم الأولى بمساندته في الإجرام بشكل مباشر، في حين تطلب منها الأخرى أن لا تتوقف عن القتل، هل ترى أن كل هذا لا يتطلب منك أكثر من مظاهرة هنا أو رفع لافتة هناك؟ هل ترى نفسك غير قادر على  أن تفعل شيئاً آخر؟ قد لا تستطيع فعل شيء آخر، لكن لتتنازل عن صفة تنسبها لنفسك كما قال أحد مواطني المدينة "لا بأس بأن لا تفعل شيئاً، ولكن لا تسمي نفسك إنساناً" يشير هذا القول للنظرة المتشائمة التي بات يرى فيها أبناء حلب باقي سكان المعمورة، باتوا يرونهم بغرائزهم البهائمية التي لا تلتفت إلا إلى إشباع غاياتها ومصالحها، وهم يشكرون على مضض كل من خرج في مظاهرة هنا ومناصرة هناك للتضامن معهم، لكن ليتأكد الجميع أن أبناء المدينة التي تنساب دماؤهم يومياً من حنفية الأسد غير مقتنعين بالجهد الذي بذلتموه، بل يرونه أقل من المطلوب بكثير.

أبناء المدينة اليوم لا يستنجدون أحداً ولا يطالبون بنصرة أحد لأنهم بدؤوا يعتادون الصمود بمفردهم، مهما بلغت التكلفة، لأنهم قرروا أن لا يتخلوا عن أهم ما يمتلكه الإنسان، كرامته، ولكنهم يتساءلون هل ستفعلون شيئاً؟ ليس لأجلهم، بل لتنقذوا إنسانيتكم، فقد علمتنا التجارب مع المدن العظيمة، وحلب تعتبر من أعظمها، بأن تلك المدن لا تموت، ولكن سيتعلم أبناؤها في كتب التاريخ في مدارسهم يوماً بأن المدينة تعرضت في بدايات القرن لاستباحة مجرم ناصرته القوى العظمى ضمن صمت بهائمي لسكان الأرض.

 

الأخبار الكاذبة: من روسيا اليوم إلى البي بي سي

الأخبار الكاذبة: من روسيا اليوم إلى البي بي سي

محمود عبدالرحمن.

 

"عندما يتحول الأبيض الى رمادي والرمادي الى أسود، فتش عن الاعلام". تبدو هذه المقولة الشهيرة للإعلامي يسري فوده مطابقة تمام للوضع في سوريا.

فالباب هنا بات مفتوحاً على التأويلات والتحليلات المختلفة والمتناقضة. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تعداه الى استخدام صور ضحايا القصف في أماكن مختلفة، فيستخدمها القاتل ليبرر جريمته أو يدعي أنه الضحية.

التقارير الإعلامية الواردة من سوريا، خصوصاً في أثناء القصف الجوي العنيف على حلب في نيسان/ أبريل الماضي غنية بتلك الأخطاء المقصودة أو غير المقصودة، والحصة الأكبر منها لقناة روسيا اليوم المؤيدة لنظام الأسد.

إلا أن الصدمة كانت في الخطأ الذي ارتكبته قناة BBC البريطانية الناطقة بالعربية حين أوردت في تقريرها عما سمته "مجازر المعارضة" صورا وفيديوهات من مناطق سيطرة المعارضة بحلب تحمل شعار مركز حلب الإعلامي AMC تظهر عناصر من الدفاع المدني يقومون بإخراج مصابين من تحت أنقاض البيوت التي قصفها طيران الأسد على أنها مجازر ارتكبتها المعارضة في مناطق سيطرة النظام.

آثار هذا التقرير موجة احتجاجات غاضبة على القناة طالبتها بالاعتذار وتصحيح خطئها في وقفات نظمها ناشطون إعلاميون في مدينة حلب.

عن تلك الأخطاء صرح شامل الأحمد المنسق الداخلي لمركز حلب الإعلامي لفوكس حلب قائلا "كل الفبركة التي تقوم بها قناة روسيا اليوم كانت متوقعة إلا أننا صدمنا بما فعلته قناة BBC التي تدعي الحيادية والموضوعية في تغطيتها للأخبار".

وعن إمكانية كون هذا الخطأ مقصودا يقول شامل "يسود اعتقاد لدى غالبية الإعلاميين هنا أن مجموعة من الإعلاميين المؤيدين للنظام داخل القناة هم من قاموا بفبركة هذا التقرير ولكن وفي أحسن الأحوال إن اعتبرنا ما حدث مجرد خطأ فعلى القناة أن تقدم اعتذارها عبر بثها التلفزيوني".

وكانت قناة BBC قد قدمت اعتذاراً عما جاء في التقرير عبر صفحتها على فايسبوك وتويتر إلا أن ذلك لم يكن مرضيا للناشطين الإعلاميين في حلب حيث طالبها الناشط الإعلامي "ابوفراس الحلبي" في مداخلة له على القناة نفسها بالاعتذار رسمياً عبر بثها الحي، "فالاعتذار على صفحة القناة لن يجدي نفعا" حسب رأي شامل "ومن شاهد التقرير بعينه وصدقه لن يعنيه مجرد اعتذار على صفحة فايسبوك فتأثير الصورة أشد".

وكانت مذيعة القناة السورية ديما عزالدين قد قدمت استقالتها قبل عودتها المفترضة إلى استديوهات القناة بعد نهاية إجازتها احتجاجا على انحياز القناة لنظام  بشار الأسد.

لم يهدأ الصخب الذي تبع خطأ BBC  ليتبعه خطأ أكبر من قناة روسية حيث قامت بعرض مشاهد تظهر اللحظات الأولى لاستهدف مشفى القدس الواقع في مناطق سيطرة المعارضة من قبل قوات الأسد على أنها من مشفى "ضبيط" بمناطق سيطرة النظام والتي ادعى إعلامه أن المعارضة قامت باستهدافه بصاروخ حمم.

وكانت القناة البريطانية الرابعة هي الوحيدة التي حصلت على هذه التسجيلات من مشفى القدس وبشكل حصري، وبحسب قول المسؤولة الإعلامية في المشفى وعد الخطيب "حرصنا على إعطاء هذه الفيديوهات لجهة واحدة وموثوقة كي لا تستخدم في غير مكانها كما قمنا بوضع إشارة علم الثورة على الفيديو كي لا يستخدم من قبل القنوات الروسية وغيرها لكنهم أساؤوا حتى للتزوير، فرغم أنهم قصوا شعار القناة الرابعة إلا أن علم الثورة كان ظاهرا بينما يدعون أن المشاهد مصورة في مناطق النظام".

وكانت قنوات أخرى أوروبية وأميركية تبنت رواية النظام ودعمتها بصور من مجازر النظام  على انها مجازر ترتكبها المعارضة في مناطق النظام كقناة FOX الأميركية وeurnews ولم يتمكن الناشطون السوريون من تصحيح أخطائها.

وبحسب الناشط الإعلامي عبدالرحمن "استطعنا تكذيب أخبار قناة روسيا اليوم و BBC  إلا أن كثيراً من القنوات الأوروبية والأميركية تمرر مثل هذه التقارير لمتابعيها دون أن تتمكن من تصحيحها لعدم وجود قنوات تواصل مع هذه القنوات".

منغ … النزوح الثالث و مخاوف من تحولها قاعدة روسيا

منغ … النزوح الثالث و مخاوف من تحولها قاعدة روسيا

سيطر جيش الثوار مدعوما بوحدات الحماية الكردية والطيران الروسي على قرية منغ بعد أيام من الاشتباكات كان القصف الجوي الروسي سيد الموقف فيها.

ويأتي هذا التقدم ضمن الحملة التي تشنها وحدات الحماية الكردية على ما تبقى من الريف الشمالي ضمن خطتها للسيطرة على الشريط الحدودي الواصل بين عفرين وعين العرب (كوباني) , في الوقت الذي تتعرض له قرى الريف الشمالي لمحاولات تقدم قوات "نظام الاسد" المستمرة بتغطية من الطيران الروسي الذي ارتكب العديد من المجازر في هذه القرى , وتسبب بنزوح أكثر من 50 ألف عائلة ما زالت عالقة على الحدود التركية دون ان تسمح السلطات التركية بدخولها الى أراضيها.

قرية منغ الصغيرة القريبة من اعزاز والتي لا يتجاوز عدد سكانها الخمسة الاف , نالت نصيبها من الحرب المستمرة منذ خمس سنوات بين فصائل المعارضة وقوات "نظام الاسد" من جهة و"تنظيم الدولة" من جهة أخرى , وأخير انضم جيش الثوار ووحدات الحماية الكردية الى القوات التي تريد السيطرة على هذه القرية وطبعا القصف والتدمير يسبق كل محاولة تقدم باتجاهها.

في بداية الثورة السورية كانت منغ من القرى السباقة في الانضمام للحراك الشعبي الذي عم معظم قرى الريف الشمالي , ما دفع قوات "نظام الاسد" المتمركزة في مطارها والذي يشغل معظم مساحتها الى استهداف القرية بالمدفعية والرشاشات الثقيلة , الامر الذي دفع سكانها للنزوح واصحبت القرية خالية تمام من السكان لتعيث فيها قوات النظام خرابا وسرقة بحسب شهادات سكان القرية.

وفي أواخر عام 2012 أعلن ثوار القرية ومن ازرهم من القرى المجاورة لها معركة لتحرير القرية والمطارالذي كان يستهدف معظم مناطق الريف الشمالي بالقذائف والرشاشات الثقيلة.

وبعد أكثر من عشرة أشهر من المعارك المستمرة قرب المطار قدمت فيها القرية أكثر من 300 شاب من ابناءها , سيطرت فصائل المعارضة على المطار بعد هروب الضباط والجنود المقربين منهم بأربع دبابات باتجاه مدينة عفرين التي رفضت تسليمهم للثوار.

لم تدم فرحة التحرير طويلا حيث سيطر "تنظيم الدولة" على مطار منغ وبدأ يتمدد باتجاه القرية , وعين اميراً له عليها الى ان خرج من مدينة حلب وقرى الريف الشمالي في أوائل عام 2014 ليكون التحرير الثاني للقرية.

واليوم وبعد عامين من خروج "تنظيم الدولة" من القرية , تسبب الحرب التي يشنها جيش الثوار ووحدات الحماية الكردية والقصف الروسي المستمر على القرية بنزوح سكانها للمرة الثالثة , في ظل مخاوف ان يتحول مطار القرية الى قاعدة عسكرية للقوات الروسية والميلشيات المتحالفة معها.

 

 

قائد جيش الثوار

حلب تحترق بيد الأسد وتنظيم الدولة

حلب تحترق بيد الأسد وتنظيم الدولة

 

تقدم “تنظم الدولة” في الريف الشمالي، و نفذت “قوات الأسد” وحليفتها روسيا أكثر من /٤٠/ غارة جوية على مدينة حلب وريفيها الغربي والشمالي، تم توثيق ٣٤ قتيل بينهم اطفال ونساء.

 

 

سيطر “تنظيم الدولة” على قرى "نيارة, طاط، كفر كلبين، بريشة، تل حسين، جنحات" صباح اليوم، مما أدى لقطع الطريق الواصل بين مدنتي مارع واعزاز ومحاصرة مدينة مارع، ومازالت المعارك مستمرة بين داعش والجيش السوري الحر.

 

بالتزامن مع هذه المعارك نفذت الطائرات المروحية والحربية التابعة لـ”قوات الأسد” وحلفائه الروس ٤٠ غارة جوية وقصف بالمدفعية وراجمات الصواريخ حتى ظهر اليوم على أحياء مدينة حلب وقرى وبلدات في الريف الغربي والشمالي لحلب.

خريطة لريف حلب الشمالي بعد تقدم "تنظم الدولة"

 

عمليات الطائرات الحربية:

استهدفت الطائرات الحربية بصواريخ فراغية ( الأتارب، حريتان، كفر حمرة، عندان، خان العسل، الراشدين، محطة تحويل الكهرباء في الصاخور، مؤسسة المياه في بستان الباشا ).

واستهدفت أيضاً مدن حريتان وحيان وعندان وكفر حمرة شمال حلب وبلدة ياقد العدس وبابيص غربي حلب بقنابل عنقودية.

 

عمليات الطائرات المروحية:

استهدفت الطائرات المروحية أحياء حلب الشرقية بـ ١٦ برميل متفجر ، وهي ( الميسر، طريق الباب، الصاخور، مساكن هنانو، الحيدرية، بعيدين، المواصلات القديمة).

واستهدفت ايضاً ببرميلين متفجرين حي المرجلة بالتزامن مع خروج المصلين من المساجد بعد انتهاء صلاة الجمعة.

وقامت مروحيات “قوات النظام” باستهداف منطقة الملاح بألغام بحرية.

 

عمليات المدفعية وراجمات الصواريخ:

قامت “قوات الأسد” المتمركزة في تلة المياسات شمال حلب باستهداف طريق الكاستلو بعدة قذائف مدفعية، ونفذت أيضاً “قوات الأسد” المتمركزة على تلة الشيخ يوسف شرقي حلب عدة عمليات قصف مدفعي مُكثف على أحياء (مساكن هنانو، الصاخور، طريق الباب). وتم استهداف بلدة حيان أيضاً بعدة قذائف مدفعية تحوى على قنابل عنقودية، وتم استهداف حي الحرابلة أيضاً بـ ٥ قذائف مدفعية مصدرها “قوات الأسد” المتمركزة في مطار حلب العسكري.

 

استمرار المجازر: 

ارتكبت الطائرات الروسية مجزرة بحق المدنيين في مدينة حريتان إثر استهدافها فرناً للخبز بـ ٣ صواريخ فراغية من أصل ١٠ غارات على المدينة، أدت لوقوع العديد من القتلى بين المدنيين، وتم توثيق ٤ صواريخ عنقودية ألقتها الطائرات على المدينة.

في حي طريق الباب ارتكبت “قوات الأسد” مجزرة راح ضحيتها ٦ اشخاص بينهم امرأة وطفليها، وارتكبت “قوات الأسد” أيضاً مجزرة راح ضحيتها ٤ قتلى بينهم طفل وامرأة مع جنينها في كفر حمرة، أما في حيان فقد نتج عن استهداف البلدة بالقذائف التي تحوي قنابل عنقودية عدة جرحى بينهم أطفال.

 

استمرار استهداف البنى التحتية والممتلكات العامة: 

قامت “قوات الأسد” وحلفائها الروس باستهداف فرناً للخبز في مدينة حريتان، وطريق الكاستلو المنفذ الوحيد لمدينة حلب، والذي يقصده الناجين من القصف في رحلة نزوحهم، واستهداف محطة تحويل الكهرباء في حي الصاخور بعد استهداف لمؤسسة المياه في حي سليمان الحلبي، ويذكر ان محطة الكهرباء في الصاخور هي المغذية الاقرب والوحيدة لمؤسسة المياه.

 

 

 

 

 

قصف مستمر وإلغاء صلاة الجمعة في مدن عندان وحريتان وكفر حمرة وحيان

قصف مستمر وإلغاء صلاة الجمعة في مدن عندان وحريتان وكفر حمرة وحيان

إلغاء صلاة الجمعة في مدن "حريتان – عندان – كفر حمرة – حيان" بريف حلب الشمالي بسبب حملة القصف المكثفة من الطيران الحربي والمروحي.

الدفاع المدني في حريتان ينذر الأهالي بالمدينة بعدم الإقتراب من القنابل العنقودية التي لم تنفجر والبقاء في الطوابق السفلية وعدم الخروج إلا للضرورة، ومنع الأطفال من التجوال بالشوارع حفاظاً على سلامتهم في ظل التصعيد الجوي على المدينة، كما تم توثيق 10 شهداء في مدينة حريتان و 4 شهداء في مدينة كفر حمرة حتى اللحظة وذلك بحسب مركز حريتان الاعلامي وشهبا برس.

يذكر أن البارحة الخميس تم استهداف مدينة عندان بقذائف صاروخية تحوي قنابل عنقودية مما ادى لإشتعال حرائق في المدينة ، وتم توثيق 3 شهداء وأكثر من  15 جريح جراء القصف بـ 18 برميل متفجر استهدف كلاً من عندان – حريتان – وكفر – حمرة – حيان – بيانون.