في بستانه على الطريق الواصل بين قرية عبريتا ومدينة حارم، ببلدة إسقاط شمالي إدلب، يحاول عنتر العنتر تجنب لسعات حشرة الدبور الأحمر، أثناء قطف ثمار التين الناضجة.
بيده اليمنى فقط، اعتاد عنتر أن يهتم بأشجاره بعد أن فقد اليسرى نتيجة قصف سابق عام 2014، وقد لفت انتباهه أن موسم هذا العام، يشهد نشاطًا متزايدًا للدبور الأحمر الذي يتغذى على ثمار التين. يقول عنتر: “لاحظت أن أعداد الدبور الأحمر هذا العام فاقت كل الأعوام السابقة، وضرره على التين تزايد لدرجة أنه أتلف نصف المحصول الناضج لدي تقريبا”.
وبحسب مزارعين في إدلب تراجع إنتاج التين في العام الحالي مقارنة بأعوام سابقة نتيجة عوامل مختلفة، ومع هذا التراجع وجدوا أنفسهم أمام حشرة “الدبور الأحمر” الذي ازداد انتشارًا هذا العام، ما ألحق أضرارًا بالثمار الناضجة وزاحم الفلاح على مصدر رزقه الضعيف أساسًا.
لكن الدبور ليس العامل الوحيد الذي يفسر تراجع موسم التين في إدلب هذا العام. فالمزارعون وتقارير إعلامية تحدثت عن تأخر نضوج “التوب”، وهي النورات المذكرة اللازمة لإتمام تلقيح التين، إلى جانب الآفات الزراعية والقوارض والتبدلات المناخية التي رافقت مراحل نمو الثمار.
وتشير بيانات شعبة الإحصاء في مديرية زراعة إدلب إلى أن إنتاج المحافظة من التين تراجع خلال العام الحالي إلى 10,934 طنًّا، مقابل 13,274 طنًّا في العام السابق، مسجلًا نسبة انخفاض تبلغ نحو 18 بالمئة.
وتوزع إنتاج هذا العام بين 2,187 طنًّا للاستهلاك الطازج و8,747 طنًّا للتجفيف، نتج عنها 2,274 طنًّا من التين المجفف، أما في العام السابق فقد سجلت بيانات شعبة الإحصاء 2,655 طنًّا للاستهلاك الطازج و10,619 طنًّا للتجفيف نتج عنها 2,761 طنًّا من التين المجفف.
ويمثل التين محصولًا موسميًّا مهمًّا لكثير من المزارعين في قرى جبل الزاوية وريف معرة النعمان الغربي جنوبي المحافظة، حيث يواجه المزارعون موسمًا أقل إنتاجًا، كما في بستان عنتر، لكنهم يختلفون في تقدير الأسباب وحجم تأثير كل منها.
كسار الحسني من مدينة كفرنبل، واحد من الفلاحين الذين اشتكوا من ازدياد أعداد حشرة الدبور الأحمر بشكل ملحوظ هذا العام، مفسرًا ذلك بغياب أبناء المنطقة عنها خلال سنوات النزوح الماضية، ما تسبب في إهمال الأرض وتحولها لأرض بور، وهي برأيه “بيئة مناسبة ليبني الدبور أعشاشه ويتكاثر فيها”.
كذلك يخبرنا سلطان قناطري، الخبير الزراعي وابن بلدة حزارين بريف إدلب الجنوبي، أنه تعرض للسع الدبور الأحمر خلال قطاف الموسم الحالي، وبحكم عمله ضمن الوحدة الإرشادية في بلدته يُرجع سبب تزايد أعداد الدبابير لندرة المفترسات التي كانت تتغذى عليها، منها الثعلب الذي كان يهاجم أعشاش الملكات ويتغذى على يرقاتها.
وبرأيه فإن كلًّا من الدبور وعصفور التين تسببا بتلف نسبة من المحصول، بينما لم تسلم الثمار الناضجة التي تسقط على الأرض من هجوم النمل الأسود الكبير، ما ضاعف من حجم الخسارة في المحصول.
ويؤكد خالد خطيب مهندس زراعي ومدير سابق للوحدة الإرشادية في كفرنبل، ازدياد أعداد الدبور الأحمر هذا العام والضرر الذي يسببه لثمار التين الناضجة، فهو يتغذى على عصارتها حلوة المذاق، ويترك الثمرة مجوفة وغير صالحة للبيع، أو حتى الاستهلاك، نافيًا أن يكون لعصفور التين أي خطر على مواسم التين، كما يشاع بين المزارعين، فهو “يتغذى على الحشرات التي تحط على الأشجار ولا يعتبر التين وجبة رئيسة له”.
وبحسب الخطيب فإن مديرية الزراعة في الأعوام السابقة، كانت تنفذ حملات تهدف لجمع ملكات الدبور، خلال شهر شباط وما يليه من كل عام، وكانت الوحدات الإرشادية تقوم بمنح مكافأة مالية للمزارع، تقدر بعشرة ليرات سورية مقابل كل ملكة يقوم باصطيادها.
كما ذكر مجموعة من طرق المكافحة الفردية التي كانت متبعة، كأن يتم تعليق أكياس نايلون شفافة بداخلها مياه على أغصان التين، لتسهم بدورها بطرد الدبور بسبب انعكاس ضوء الشمس عليها.
في المقابل قللت مديرية الزراعة في إدلب عبر رئيس دائرة الإرشاد فيها، الأستاذ خالد طكو، من أثر الدبور الأحمر على التين وحصر ضرره على خلايا النحل من جهة وعلى ثمار أخرى ومنها العنب من جهة أخرى، وهذا ما كان يدفع المديرية لشن حملات مكافحة وجمع لملكات الدبور بغية التقليل من أعدادها. يضيف طكو: “نحن على تواصل دائم مع الفلاحين والمهندسين الزراعيين في أرياف المحافظة كلها، ولم تردنا شكوى أو ذكر أي ازدياد لأعداد الدبابير من أي جهة هذا العام”.
وحول دور الوحدات الإرشادية في الريف الجنوبي والتابعة لها، بيّن طكو أن تلك الوحدات أعيد تشكيلها حديثًا بعيد عودة أبناء المنطقة إليها، ولم يتسنّ لها الوقت الكافي للقيام بدورها في إرشاد المزارعين أو إجراء حملات مكافحة دورية.
أما أستاذ علم الحشرات في كلية الزراعة بجامعة إدلب، الدكتور محمد عبد الحي، فيؤكد أن الدبور الأحمر يمكن أن يسبب ضررًا مباشرًا لثمرة التين. يقول: “يتمثل ضرره على ثمار التين بالقرض المباشر للثمار، إذ ينجذب الدبور لرائحة السكريات العالية في ثمار التين عند بدء نضجها، فيمزق القشرة بأجزاء فمه القارضة ويتغذى على اللب الداخلي مفرغًا الثمرة جزئيًّا أو كليًّا”.
ولا يتوقف الضرر عند القضم بحسب الدكتور عبدالحي، مؤكدًا أن الجروح الناتجة عن القضم تجعل الثمار عرضة للتخمر ودخول جراثيم مثل عفن الرشاشيات والبنسليوم، بالإضافة لجذب آفات أخرى مثل ذبابة الفاكهة وذبابة الخل، ونتيجة لذلك تصبح الثمار غير صالحة للأكل الطازج أو التجفيف أو البيع.
ويرجع الدكتور محمد الازدياد الحاصل في أعداد الدبور الأحمر للتغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة ما سرّع من تطور الحشرة وقلل من نسب موت النسل الناتج، كما أن انخفاض معدلات الصقيع وموجات البرد القارس يزيد من معدل بقاء الملكات حية حتى الربيع.
وحول سبل مكافحة الدبور الأحمر بيّن الدكتور مجموعة من السبل منها، صيد الملكات في الربيع والبحث عن الأعشاش وتدميرها بالإضافة إلى وضع مصائد معدنية للدبابير.
ليس الدبور وحده المسؤول عن تراجع إنتاج التين هذا العام، ففي قرى جبل الزاوية وريف معرة النعمان الغربي يتكرر الحديث عن عامل آخر ارتبط مباشرة بعملية تلقيح الثمار. “متل التوب للتين” يقول أحمد النجار، مزارع من بلدة كنصفرة في جبل الزاوية، موضحًا أهمية ثمرة التوب لنضج ثمار التين.
ويتفق النجار مع غالبية مزارعي التين بأن تأخر نضوج التوب المذكر، ساهم في تساقط الموجة الأولى من الثمار التي لم تلقح. وشدد النجار على أن محاولات الاستعاضة عن ثمرة التوب بأدوية ما، أو برش المياه على الثمار المؤنثة لا تجدي نفعًا كما يظن البعض.
ويقول إن تأخر نضوج التوب هذا العام أدى إلى تساقط الموجة الأولى من الثمار التي لم تحصل على التلقيح اللازم، مؤكدًا أنه اضطر إلى تكرار عملية نشر التوب في بستانه نحو خمس مرات، ما ساعد، بحسب تقديره، في تحسين إنتاجه مقارنة ببساتين مجاورة.
وتتم العملية، كما يشرح، بضم ثمار التوب على شكل قلائد وتعليقها على أغصان أشجار التين، وخصوصًا في الجهة التي تهب منها الرياح، بما يساعد الحشرات الملقحة على الانتقال من الثمار المذكرة إلى المؤنثة.
ويشير النجار إلى ضعف مكافحة بعض الآفات الزراعية وفئران الحقل في الوقت المناسب. ويقول إن زراعة التين، التي كانت تُعد من المواسم الأقل تكلفة نسبيًّا، أصبحت تحتاج اليوم إلى مزيد من الرعاية والأدوية والأسمدة وشراء التوب، ما يرفع كلفة الإنتاج ويقلل العائد.
وتبلغ المساحة المزروعة بأشجار التين في محافظة إدلب نحو 3,896 هكتارًا، تضم 890.6 ألف شجرة، منها 780.6 ألف شجرة مثمرة، وفق بيانات رئيس شعبة الإحصاء مصطفى رفاعي. كما تشير البيانات إلى اقتلاع أو قطع نحو 100 ألف شجرة من إجمالي الأشجار المزروعة.
ويُقدّر المهندس خالد الخطيب أن تراجع إنتاجية بعض بساتين التين لهذا العام وصلت لحدود 80% عما كان عليه سابقًا، وبرأيه شكل تأخر نضوج النورات المذكرة العامل الرئيس في هذا التراجع، وبالتالي تأخر التلقيح وتساقط الوجبة الأولى من الثمار، ويربط الخطيب ذلك بالتبدلات المناخية وارتفاع معدلات الرطوبة خلال شهر تموز لهذا لعام.
يعتمد تلقيح التين بشكل أساسي على “برغش التين” الذي يعيش داخل الثمار المذكرة وينقل حبوب اللقاح إلى الثمار المؤنثة، وهو يحتاج لطقس حار وشبه جاف لينشط. لذلك يشدد الخطيب على مزارعي التين المذكر بعدم استخدام المبيدات الحشرية عشوائيًّا، لتجنب القضاء على هذا الحشرات النافعة وخسارة المحصول كما حدث هذا الموسم.
ويشير كذلك إلى أضرار حفار الساق، وفئران الحقل التي تقضم لحاء الأشجار وتضعفها مايؤثر في قدرتها على إنتاج الثمار في المواسم اللاحقة. وبينما يتراجع الإنتاج يواجه المزارعون مشكلة أخرى في نهاية الموسم، وهو انخفاض الأسعار وتحكّم التجار والوسطاء.
يقول أبو أحمد من بلدة حزارين بريف إدلب الجنوبي، إن سعر كيلوغرام التين الجيد لم يتجاوز هذا العام أربعة دولارات، وهو سعر لا يغطي من وجهة نظره تكاليف رعاية الأشجار على مدار العام ولا يحقق عائدًا مناسبًا مقارنة بالموسم السابق الذي وصل فيه سعر الكيلوغرام إلى نحو عشرة دولارات.
يرى أبو أحمد أن استمرار انخفاض المردود المادي قد يدفع بعض المزارعين إلى التخلي عن زراعة التين بخاصة بعد ما تعرضت له بساتين المنطقة من قطع وتعديات خلال سيطرة قوات الأسد على المنطقة.
ويؤكد عبد الواحد الخلف، من أبناء قرية ابلين في جبل الزاوية، وأحد تجار التين المجفف أن سعر التين لهذا العام انخفض لحدود أربعة دولارات أمريكية للكيلوغرام الواحد، بعد أن وصل بداية الموسم إلى ستة دولارات ونصف الدولار.
يخالف هذا التراجع ما كان يتوقعه المزارعون إذ يفترض أن يقلل انخفاض الإنتاج من المعروض ويرفع الأسعار، لكن ماحدث كان مختلفًا، وفقًا للخلَف، بسبب آلية التسويق وسيطرة كبار التجار والمصدّرين على شراء المحصول.
يقول الخلف: “بعد أن أمّن المصدرون كميات أولية تسد متطلبات التصدير الحالي من إنتاج التين في مرحلته الأولى راحوا يتحكمون بالسعر ويفرضون تسعيرة أقل لشراء الكميات اللاحقة”. يضيف: “لا توجد آلية تحمي المزارع، فالتاجر يسعى لزيادة أرباحه، ونحن نقوم بدور الوسطاء نجمع الإنتاج مقابل نسبة محددة مسبقًا ولا نملك حق التحكم في السعر”.
هكذا ينتهي موسم التين في إدلب أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد تراجع كمية المحصول، فالمزارع يخسر جزءًا من الثمار بسبب تأخر التلقيح، والآفات، والتقلبات المناخية، ويواجه في الوقت نفسه الدبور الأحمر الذي يهاجم ما نجا من الثمار الناضجة، ثم لا يجد في نهاية الموسم سعرًا يعوّض تكلفة الزراعة والرعاية.
