فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

focusaleppo

حضورهم ضمانهم الوحيد.. عمال في القطاع الخاص بحلب دون تأمين

محمد دعبول

يضطر عاملون في القطاع الخاص إلى البحث عن عمل إضافي لتأمين احتياجات العائلة. ويختار بعضهم الوظيفة الأعلى أجراً حتى لو لم توفّر تأميناً اجتماعياً أو عقداً مسجلاً

تعمل فاطمة ناصر، أم محمد، في معمل للمواد الغذائية بمدينة الشيخ نجار الصناعية، من أجل إعالة أطفالها الخمسة. تدرك أن دخلها يرتبط بعدد ساعات العمل، والجهد الذي تستطيع تحمّله. لذلك تلجأ مثل غيرها إلى الساعات الإضافية أملاً في رفع الأجر الأسبوعي إلى نحو خمسة آلاف ليرة سورية جديدة.

لا ترى فاطمة أن العمل في القطاع الخاص سيئاً لكنها لا تشعر فيه بالاستقرار. تقول إن الموظف الحكومي يملك عقداً وتأميناً وبطاقةً صحيةً بينما يرتبط أجر العامل في المعمل بعدد أيام حضوره. فأي غياب يعني اقتطاع جزء من الراتب مهما كان السبب.

تختصر تجربة فاطمة جانباً من أسباب عزوف العمال عن العمل في المدينة الصناعية بحلب وغيرها من أماكن العمل الخاصة. فالأجور لا تكفي والضمان الاجتماعي ليس متاحاً للجميع. لذلك تعتمد عائلات كثيرة على عمل أكثر من فرد، بينما يبحث آخرون عن فرص خارج المعامل.

يعمل في المدينة الصناعية بحلب 81 ألفاً و475 عاملاً ضمن 1553 منشأةً منتجةً، بحسب المسؤول الإعلامي في المدينة الصناعية، يحيى المرعي، الذي قال إن النساء والعمال المياومين يشكلون النسبة الأكبر من اليد العاملة، لافتاً إلى وجود نقص مستمر في العمال أصحاب الخبرات المتخصصة.

بحسب أرقام المرعي، لا تتجاوز نسبة العمال المسجلين في التأمينات الاجتماعية 20 بالمئة. ويوضح أن أجور القطاع الخاص تزيد على أجور القطاع الحكومي بضعفين على الأقل وتتراوح بين 20 ألفاً و40 ألف ليرة سورية جديدة، وفقاً للخبرة والالتزام والنظام الداخلي لكل منشأة.

يشير المرعي إلى تفاوت كبير في الأجور بين معمل وآخر. فالحدود الدنيا تبدأ مما يقرب من ألفين وخمسمائة ليرة سورية جديدة سبوعياً، وقد يصل الأجر إلى عشرين ألف ليرة جديدة أسبوعياً. ويتوقف ذلك على المهمة ونوع المعمل وعدد ساعات العمل.

خارج المدينة الصناعية يبدأ فاروق علي صباحه في معمل للبسكويت والحلويات بمنطقة الصاخور. يعمل في المكان ذاته منذ نحو سنتين، من أجل إعالة أسرته المؤلفة من سبعة أفراد. لكن انتهاء دوامه لا يعني انتهاء يومه لأنه يتجه مساءً للعمل سائقاً على سيارة أجرة.

يتقاضى فاروق نحو 14 ألف ليرة شهرياً. ويصل دوامه في المعمل إلى 12 ساعةً يومياً. وعلى الرغم من عمله في مهنتين يقول إنه يصل إلى نهاية الشهر مديناً وغير قادر على تغطية جميع احتياجات أسرته.

طالب فاروق مع زملائه بتحسين الأجور أكثر من مرة. وكانت الإجابات ترتبط بارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلب سعر الدولار. لكنه يرى أن العامل يؤدي المطلوب منه ولا يجب أن يتحمل وحده نتائج هذه التكاليف ويسأل “ما ذنب العامل بكل هذه الأمور”.

هذا الواقع يدفع بعض العمال إلى البحث عن وظائف إضافية، بينما لا يملك آخرون القدرة على ذلك. علاء فطير يبدأ عمله كمساعد فني كهربائي عند الثامنة صباحاً وينتهي عند الخامسة مساءً، مقابل ألف ليرة في اليوم.

يقدّر علاء حجم الجهد في مهنة الكهرباء بما يتراوح بين 60 و70 بالمئة من طاقته اليومية. لذلك يحتاج فيما يتبقى من يومه للراحة، ويخشى أن يؤدي العمل في وظيفة ثانية به إلى الملل وعجزه عن الاستمرار.

في مهنة الخياطة يتقاضى أحمد صيرفي البالغ من العمر 23 عاماً نحو عشرة آلاف ليرة شهرياَ، لا يغطي الأجر احتياجاته واحتياجات أسرته لذلك تعتمد العائلة أيضاً على الراتب التقاعدي لوالده، إذ إنّ أحمد لا يستفيد من التأمينات الاجتماعية أو أي حقوق عمالية أخرى.

صخر الجبل البالغ من العمر 18 عاماً يتقاضى نحو خمسة آلاف ليرة أسبوعياً. يعيل مع شقيقه أسرةً من ثمانية أفراد ويرى أن دخلهما لا يتناسب مع ارتفاع تكاليف الحياة. وهو أيضاً غير مسجل في التأمينات ولا يحصل على حقوق عمالية.

تتكرر المشكلة في معمل لصناعة “كعوب الأحذية والنعال”، يشرف عليه جهاد عموري. تضم الوردية الواحدة أربعة عمال يعملون نحو 10 ساعات يومياً وتتراوح أجورهم بين 3500 إلى 6 آلاف ليرة أسبوعياً، ويختلف الأجر بحسب الخبرة وطبيعة المهمة، وفقاً لعموري.

يربط عموري سقف الأجور بانخفاض هامش الربح في هذا القطاع، على الرغم من أن المهن نفسها تمنح العامل دخلاً أعلى في دول الجوار، وفقاً لقوله. ويضيف أن بعض عمال المعمل مسجلون في التأمينات الاجتماعية بينما ما يزال آخرون يعملون من دون هذه المظلة.

ضعف الأجور لا يقتصر على المعامل والحرف. ففي القطاع السياحي، يقول علي خليل إن ضعف الرقابة على تطبيق قوانين العمل سمح ببقاء أجور عدد من الموظفين عند مستويات متدنية. ولا يتجاوز دخل أفضل الموظفين في منشآت خاصة كثيرة ما يعادل 100 دولار شهرياً.

هذا المبلغ يغطي أجرة المنزل فقط بينما تبقى احتياجات الأسرة الأخرى من دون تغطية. يقول خليل إن عمالاً كثر ينفقون رواتبهم خلال الأسبوع الأول ثم يلجؤون إلى الاستدانة أو المساعدات حتى نهاية الشهر.

يعمل خليل منذ خمس سنوات، لكنه لا يعرف حتى الآن إن كان مشمولاً بأي تأمين اجتماعي يحفظ حقوقه عند الإصابة أو المرض أو نهاية الخدمة والتقاعد. ويؤكد أن العمال لا يطلبون أكثر من تطبيق الحد الأدنى للأجور، وتحسين بيئة العمل، بما يحفظ كرامتهم.

من جانبه، يقول أحمد سندة مدير معمل في شركة ومنشرة أبناء الحاج عبد القادر سندة للحجر والرخام إن أصحاب المعامل يواجهون ارتفاعاً متواصلاً في تكاليف التشغيل. فالمازوت والمواد الأولية في ارتفاع، بينما يحاول أصحاب المنشآت الحفاظ على الإنتاج والعمال معاً.

تتراوح الأجور في معمل سندة بين 8 آلاف وخمسمائة إلى 15 ألف ليرة سورية أسبوعياً. ويتقاضى عدد من المشرفين نحو عشرة آلاف ليرة أسبوعياً، لكن سندة يقر بأن هذا الدخل لا يكفي لمتطلبات الحياة. ويقول إن الأجور تتحسن كلما سمحت ظروف الإنتاج بذلك.

يرى سندة أن الإجراءات الإدارية والورقية أسهمت في بقاء بعض المنشآت خارج مظلة التأمينات الاجتماعية. لكن غياب التأمين يزيد شعور العمال بعدم الاستقرار ويدفع بعضهم إلى تفضيل عمل آخر، وفقاً للأجر.

تقدم شركة السجادون السوريون صورةً مختلفةً نسبياً. تقول المديرة الإدارية غزوة الأحمد إن منشآت الشركة تضم بين 200 إلى 300 عامل موزعين على معمل للسجاد وآخر للخيط إضافةً إلى المصبغة. وتتراوح الرواتب بين عشرين ألف إلى ثمانين ألف ليرة شهرياً.

لكل عامل متعاقد ملف خاص واشتراك في التأمينات الاجتماعية. أما العمال الجدد فلا يسجلون خلال فترة التجربة وعليهم أن ينتظروا انتهاءها، وفقاً للمديرة الإدارية. على الرغم من مستوى الأجور والتأمينات في الشركة، تشير الأحمد إلى، أن عمالاً يتركون العمل وينتقلون إلى شركات أخرى بسبب تدني الرواتب.

تسجيل العمال في التأمينات يتم بطريقتين وفق ما أوضحه إعلامي التأمينات الاجتماعية محمد لوله لفوكس حلب، الأولى عبارة عن استمارة التحاق يقدمها صاحب العمل لتسجيل العمال. أما الثانية فتأتي بعد كشف تفتيشي ينفذه مفتشو التأمينات خلال زيارة مفاجئة للمنشأة.

يقدّر لوله نسبة المسجلين بنحو 65 بالمئة من العدد الفعلي للعمال في القطاع الخاص، لكنه يؤكد أن الوصول إلى رقم دقيق ما يزال أمراً غير ممكن. ويعود ذلك إلى غياب الاتفاقيات والربط الإلكتروني مع معظم الجهات التي تملك سجلات للمنشآت والعمال.

يشمل هذا التعاون مكاتب السفر والحج والعمرة والرحلات وقطع التذاكر إضافةً إلى المقاهي. لكنه لا يشمل المطاعم والفنادق. كما لا يوجد أي ربط مع السجلين الصناعي والحرفي وهو ما يمنع التأمينات من حصر العدد الحقيقي لعمال القطاع الصناعي، وفقا للمسؤول الإعلامي.

يوضح لوله أن معظم أصحاب العمل يسجلون العمال على الحد الأدنى للأجور البالغ 12 ألف و 560 ليرة. ويوجد حد أدنى أعلى بقليل لبعض المهن. لكن تحديد الأجور ليس من اختصاص التأمينات بل تتولاه مديرية العمل عبر اجتماعات دورية على مستوى الوزارة. يقول لوله إن معظم عمال مدينتي الشيخ نجار والليرمون الصناعيتين مسجلون في التأمينات، لكنّ تسجيل العمال في المنشآت الصناعية بمنطقتي الباب والراعي ما يزال في مراحله الأولى.

تكشف شهادات العمال وأصحاب المعامل أن انخفاض الأجور ليس السبب الوحيد للعزوف عن العمل الخاص، فغياب التأمين والعقود الواضحة يدفع العمال إلى البحث عن وظائف توفر لهم دخلاً أفضل وضماناً أكبر.