اشتكت حياة العلي، وهي سيدة خمسينية من منطقة جبل الزاوية بريف إدلب، من اضطرابات عصبية ونفسية بدأت أعراضها بالظهور قبل حوالي أربع سنوات أثناء إقامتها في تركيا. وبحسب ذويها، بدأت حالتها بنوبات تشبه الصرع ترافقها هلوسة وفقدان تدريجي للذاكرة، وكانت تخضع آنذاك لمتابعة طبية وتتلقى أدوية ساهمت في إبقاء وضعها الصحي ضمن حدود مقبولة نسبياً.
ولكن بعد عودتها إلى سوريا قبل نحو عام وسبعة أشهر، تدهورت حالتها الصحية وبدأت تفقد القدرة في التعرف على الأشخاص المحيطين بها، فكانت في البداية تنسى الأقارب الأبعد، ثم أصبحت غير قادرة على تمييز أشقائها، قبل أن تصل إلى مرحلة لم تعد تتعرف فيها حتى على أبنائها قبل أن تفارق الحياة.
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو شخص واحد من كل خمسة أشخاص يعيشون في مناطق النزاعات والطوارئ يشكو من اضطراب نفسي، وهو ما يعني أن ملايين السوريين معرضون للاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة وغيرها من المشكلات النفسية.
وتؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من 16.7 مليون شخص داخل سوريا كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2024، بينما تواصل منظمات الإغاثة توسيع خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي باعتبارها إحدى الاحتياجات الأساسية للسكان المتضررين من الحرب.
ورغم هذا الطلب المتزايد، لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين العاملين داخل سوريا 70 طبيباً وفق الطبيب وائل الراس، مدير مديرية الصحة النفسية، وهو رقم يكشف الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات الفعلية والقدرة المتاحة لتقديم الرعاية المتخصصة.
وتواجه معظم المحافظات السورية نقصاً حاداً في اختصاص الصحة النفسية وقلة عدد الكوادر المتخصصة، إذ يقيم العدد الأكبر منهم خارج سوريا، ما يخلق نقصاً حاداً في الاختصاصيين مقارنة بعدد السكان.
ولا يقتصر التحدي على قلة الأطباء فحسب، بل يمتد أيضاً إلى اختلال التوزع الجغرافي للخدمات النفسية، إذ تخلو محافظات كاملة من وجود أطباء نفسيين، مثل محافظة الرقة، بينما يقتصر وجود الاختصاصيين في محافظة دير الزور على طبيب واحد متقاعد عاد إلى العمل لتغطية هذا النقص.
البحث عن جهة طبية متخصصة قادرة على تشخيص حالة السيدة حياة بدقة، في ظل عدم توفر خدمات متخصصة كافية في المنطقة ساهم في تدهور حالتها النفسية، إذ تشير الأعراض التي رافقتها إلى احتمال إصابتها باضطرابات عصبية معقدة تجمع بين نوبات الصرع والتدهور المعرفي الشديد، أو ما يشبه الخرف المبكر، رغم أن عمرها كان دون الأعمار التي يُسجل فيها هذا النوع من الحالات بشكل شائع، بحسب رواية أفراد العائلة.
يقول ذووها إن حياة كانت شديدة التعلق بأبنائها، ولا سيما ابنها الأكبر وحفيداتها، ما جعل فراقهم يشكل عبئاً نفسياً كبيراً عليها وانعكست آثار ذلك على صحتها العقلية والإدراكية بشكل واضح. حيث أصيبت في الأيام الأخيرة من حياتها بنوبات عصبية حادة ترافقت مع بكاء وصراخ متواصلين وتجوال لساعات طويلة، وأحياناً تنتهي بانهيارها على الأرض نتيجة الإرهاق.
تنقلت العائلة بين عدد من الأطباء والمستشفيات في إدلب وحلب بحثاً عن تشخيص أو علاج مناسب لها وزاد تأخر العلاج من سوء حالتها النفسية والصحية، توضح العائلة أن تراكم سنوات طويلة من الضغوط والصدمات التي عاشتها خلال فترة الحرب وابتعاد أبنائها عنها، ولّد لديها شعوراً متزايداً بالوحدة والعزلة.
ولمواجهة نقص الكوادر المتخصصة عملت وزارة الصحة عبر إدارة الصحة النفسية على تدريب أطباء مراكز الرعاية الصحية الأولية ضمن برنامج “رأب فجوة الصحة النفسية”، بهدف تمكينهم من التعامل مع الاضطرابات النفسية الشائعة، بما يسمح بتغطية نحو 60 بالمئة من الشكاوى النفسية في المراحل الأولية.
إضافة إلى العمل على تفعيل نظم الإحالة إلى المراكز التخصصية، وإطلاق خطوط ساخنة في عدة مناطق لتقديم الدعم والاستشارات النفسية للمواطنين الذين يواجهون صعوبة في الوصول إلى الخدمات العلاجية.
يوضح أبو راس أن منظومة خدمات الصحة النفسية في سوريا تضم حالياً ثلاث مستشفيات متخصصة تعمل تحت إشراف وزارة الصحة، وهي مستشفى ابن رشد في دمشق، ومستشفى ابن سينا في ريف دمشق، ومستشفى ابن خلدون في حلب.
إلى جانب هذه المؤسسات المتخصصة، جرى دمج خدمات الصحة النفسية ضمن منظومة الرعاية الصحية الأولية، ولا سيما في مراكز الرعاية من المستوى الثالث “المتقدم”، بهدف توسيع نطاق الوصول إلى خدمات الدعم والعلاج النفسي إضافةً إلى مركز سرمدا في محافظة إدلب الذي كان يعمل سابقاً كوحدة استشفاء بإدارة منظمة إنسانية ونقل اشرافه إلى مديرية صحة إدلب هذا العام.
في وقت ظل فيه النظام الصحي غير قادر على الاستجابة لهذه الاحتياجات، كان مجال الصحة النفسية ضعيف التطور حتى قبل الحرب، مع محدودية مسارات التعليم، وارتفاع مستويات الوصمة، وضعف دمج التخصصات النفسية ضمن الهيكل الصحي الوطني، ما أدى إلى غياب الاستثمار الكافي وندرة الكوادر المتخصصة، وفق ما أكده هاني العبدالله مسؤول مشروع في الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) لفوكس حلب.
وأظهر تقييم أجرته سامز للكشف عن الارتفاع الكبير في الاحتياجات المتعلقة بالصحة النفسية في سوريا بعد سنوات من الحرب، أن خدمات الصحة النفسية في شمال سوريا كانت تعتمد بشكل شبه كامل على المنظمات غير الحكومية، في ظل وجود عدد محدود جداً من الأطباء النفسيين والمقيّمين النفسيين والأخصائيين النفسيين.
وكشف التقييم أن غالبية القوى العاملة تتكوّن من عاملين نفسيين اجتماعيين غير متخصصين، الأمر الذي حدَّ من قدرة النظام على تقديم خدمات متقدمة أو رعاية متخصصة وقد تفاقم هذا النقص نتيجة غياب برامج تدريب رسمية في الطب النفسي، وهجرة الكفاءات، والقيود الأمنية التي أعاقت تقديم الخدمات.
يرجع التقييم ارتفاع الاضطرابات النفسية إلى التعرض المستمر للعنف والنزوح وانعدام الأمن، مع تأثر النساء والأطفال بشكل خاص، إذ بقيت فرص التدريب والتطوير المهني مجزأة وغير مبنية على استراتيجية طويلة الأمد، ما خلق فجوات كبيرة في الخدمات، خاصة للفئات الأكثر هشاشة وللحالات المعقدة مثل الإدمان والانتحار والذهان والصدمات المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي.
يقول العبدالله إن المرحلة الانتقالية في سوريا تتطلب دمج مفاهيم الرفاه النفسي في الرعاية الصحية الروتينية، وتوسيع دور المتخصصين في التأثير على السياسات والممارسات. وأكد على الحاجة الملحّة لمسارات تعليمية متقدمة ومعتمدة مثل، برامج الماجستير والدبلومات المهنية، كحلول طويلة الأمد لمعالجة النقص الحاد في الكوادر المتخصصة، وإعادة بناء فرص التعليم والعمل التي تعطلت خلال سنوات الحرب.
وكان أحد أبرز الفجوات التي كشفها التقييم هوغياب مسار رسمي لتعليم التمريض النفسي إذ أن الممرضين العاملين في المستشفيات النفسية هم ممرضون عامّون دون تدريب متخصص، يعتمدون على الخبرة العملية فقط، في ظل عدم وجود تخصص أكاديمي للتمريض النفسي في النظام التعليمي السوري.
استجابةً لهذه الحاجة، أطلقت سامز برنامج الدبلوم المهني في التمريض النفسي بالشراكة مع الجامعة الهاشمية في الأردن، ويعتمد البرنامج المنهاج المعتمد في الجامعة ويدرس بالكامل باللغة العربية، و يحصل الخريجون على شهادة دبلوم رسمية صادرة عن الجامعة الهاشمية.
امتد البرنامج لمدة عام واحد، متضمناً ثمانية أشهر من الدراسة النظرية وأربعة أشهر من التدريب العملي. خلال العامين الماضيين، تخرّج ثلاث دفعات، أولها عام 2024 خرجت نحو 20 طالباً وطالبةً في شمال غرب سوريا بالتعاون مع جامعة حلب، و الدفعة الثانية 12 خريجاً آخرين في شمال شرق سوريا بالتعاون مع جامعة الشرق، وفي عام 2025 تخرج 26 خريجاً إضافياً ضمن الدفعة الثالثة أكملوا البرنامج. حازم الصليبي، 36 عاماً، واحدٌ منهم، تخرج في الدفعة الثانية من دبلوم التمريض النفسي والصحة النفسية، في معهد تمريض حلب.
يقول حازم الذي يعمل حالياً رئيس التمريض العام في مستشفى حلب للأمراض الداخلية “إن الحاجة إلى تخصص الصحة النفسية ازداد في الوقت الحالي، خاصة مع وجود مستشفيات نفسية و مصحات عقلية، ومراكز علاج الإدمان التي بدأت بالافتتاح أخيراً، فضلاً عن العيادات النفسية الموجودة ضمن بعض المراكز الصحية والمستوصفات”. وأضاف “لدينا عيادة نفسية تقدم خدمات للمرضى، بينما يتم تحويل الحالات الشديدة إلى مستشفى ابن خلدون التي تتطلب قبولاً متخصصاً”.
أجري التدريب العملي في مركز سرمدا للأمراض النفسية، إضافة إلى مركز مارس في عفرين، حيث تلقى الطلبة تدريبات ميدانية في هذه المراكز، أما الجانب النظري فكان في جامعة حلب الحرة في أعزاز.
وتوزع البرنامج على ثمانية أشهر من الدراسة النظرية وأربعة أشهر من التدريب العملي، يقول حازم “أجري خلال التدريب العملي مقابلات سريرية مع المرضى، وتعلم الطلاب كيفية أخذ القصة المرضية، إضافة إلى أساليب العلاج ووضع الخطط العلاجية، ويُعد الممرض النفسي ممارساً في هذا المجال ويعمل على تقديم الرعاية والعلاج للمرضى إلى جانب الطبيب”.
شمل الجوانب المتعلقة بالتمريض النفسي والصحة النفسية كافة، يقول حازم “تلقينا مختلف المعارف الأساسية من خلال محاضرات أكاديمية في جامعة حلب”. مؤكداً أن بعد هذه البرامج التعليمية، أصبح هناك ممرضون حاصلون على دبلوم في التمريض النفسي.
بالوقت الذي حصل فيه صليبي على فرصة عمل في مجال الصحة النفسية عقب تخرجه، لم يتمكن عدد كبير من الخريجين إلى الآن من العمل ضمن هذا الاختصاص. يرجع صليبي السبب إلى ارتباط فرص التوظيف باختلاف جهات التوظيف الحكومية أو المنظمات.
يكمل “المنظمات التي تفتتح مراكز للصحة النفسية تعطي الأولوية عادةً لحملة شهادات التمريض النفسي والصحة النفسية، أما التوظيف ضمن مؤسسات الدولة، فيخضع لسياسات وآليات مختلفة، تتطلب إجراءات ودراسات محددة، وغالباً ما تكون مرتبطة بعقود أو شروط خاصة، ولا يكون التوظيف فيها مباشراً أو مضموناً بعد التخرج”.
مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الخريجين لم تتح لهم فرصة العمل في مجال اختصاصهم، رغم الحاجة القائمة لهذا القطاع. متأملاً أن تفعيل العيادات النفسية ضمن المراكز الصحية والمستوصفات، سواء كانت عيادات للطب النفسي أو للعلاج والدعم النفسي يمكن أن يفتح مجالات عمل إضافية أمام المختصين.
لضمان استدامة البرنامج على المدى الطويل، بعد مرحلة سقوط نظام الأسد، عملت سامز بالتنسيق مع وزارة الصحة على خطة انتقالية، ويجري العمل على نقل البرنامج إلى النظام الوطني، مع توسيعه ليشمل جميع أنحاء سوريا وتلبية احتياجات الكوادر التمريضية الحالية من خلال برامج دبلوم مهني تُدار تحت إشراف الوزارة.
بدورها أعربت وزارة الصحة عن نيتها استيعاب خريجي البرنامج ضمن النظام الصحي العام، وتوزيعهم على المستشفيات النفسية الجديدة والقائمة، حيث الحاجة كبيرة جداً للتمريض النفسي المتخصص. ويمكن أيضاً دمجهم في المستشفيات العامة ضمن جهود تعزيز خدمات الصحة النفسية في الرعاية الصحية الشاملة.
تكشف قصة حياة العلي وغيرها من قصص المرضى النفسيين جانباً من الثمن الخفي الذي يدفعه المرضى، بعد سنوات الحرب الطويلة في سوريا، إذ لم تقتصر آثارها على الدمار المادي، بل امتدت إلى الصحة النفسية لملايين السوريين، ورغم الحاجة إلى خدمات الدعم والعلاج النفسي، مايزال النقص حاداً في الكوادر المتخصصة والبنى العلاجية تحد من وصول العلاج إلى من يحتاجه قبل أن تتحول المعاناة الصامتة إلى مأساة جديدة.
