على إسفنجة صغيرة داخل غرفة متواضعة في أحد مخيمات دير حسان شمالي إدلب، يرقد الطفل خالد الحسن، ذو الأعوام الخمسة، بعد أيام قليلة من خضوعه لعملية جراحية لاستئصال كتلة من أمعائه، لكن والده اضطر إلى إخراجه من المستشفى الخاص بعد ثلاثة أيام لعجزه عن سداد تكاليف العلاج، معتقدًا أن متابعة حالته في المنزل ستكون ممكنة.
لم يمض سوى يومين حتى بدأت حالته تتدهور. ازداد ألم بطنه، وشحب وجهه، وغارت عيناه أكثر. مسحت والدته جبينه بقطعة قماش مبللة، بينما وقف والده يحمل هاتفه باحثًا عن سرير شاغر في أي مستشفى دون جدوى.
استعار سيارة أحد جيرانه وتوجه نحو مستشفى القدس في مدينة الدانا، لكنه فوجئ بأبوابه المغلقة. أخبره أحد المارة أن المستشفى توقف عن العمل مع بداية شهر حزيران الجاري بعد انقطاع الدعم. جلس الأب على الرصيف يرسل نداءات استغاثة عبر مجموعات “واتس آب”، قبل أن يعلم أن مستشفى باب الهوى، الذي كان ملاذًا لآلاف المرضى، خرج هو الآخر عن الخدمة قبل أشهر من خروج مستشفى القدس.
يشهد القطاع الصحي في شمال غربي إدلب تراجعًا غير مسبوق بعد توقف دعم عشرات المستشفيات والمراكز الصحية المجانية، إثر انسحاب عدد من الجهات المانحة وإعادة توجيه التمويل إلى أولويات أخرى. وأدى ذلك إلى خروج منشآت طبية رئيسة من الخدمة، وتقليص الخدمات المقدمة في أخرى، ما زاد الضغط على المستشفيات المتبقية، ورفع تكلفة العلاج على المرضى، وترك الكوادر الطبية بين البطالة والعمل التطوعي، في وقت تؤكد فيه الجهات الصحية أنها تعمل على وضع خطط لإعادة تنظيم القطاع وتعويض جزء من النقص.
مستشفى القدس الذي أغلق باب الطوارئ فيه أخيرًا، وخلت ممراته من المرضى المنتظرين ومن حركة الممرضات، كان يستقبل نحو 6500 مريض شهرياً بين العيادات والإسعاف، إضافة إلى إجراء نحو 200 عملية جراحية كل شهر. بحسب المدير الطبي للمستشفى، الدكتور محمد بحوش. يقول الدكتور بحوش: “في شهر أيار الفائت من هذا العام تلقينا بلاغًا من المانح أن هذا الشهر سيكون آخر شهر للدعم. وبعد أربعة أيام فقط من توقف التمويل توقف العمل بالكامل وتحولت هذه الأرقام إلى أصفار بعد إغلاق المستشفى”.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يغلق فيها مستشفى القدس أبوابه. ففي 27 نيسان/أبريل 2016 استهدفه الطيران الروسي أثناء عمله في حي السكري بمدينة حلب، ما أدى إلى خروجه عن الخدمة ومقتل 55 شخصاً، معظمهم من المرضى والكادر الطبي، بحسب إدارة المستشفى. وبعد سنوات من انتقاله إلى مدينة الدانا واستئناف خدماته، عاد ليغلق أبوابه مجددًا، لكن هذه المرة بسبب توقف الدعم المالي، وليس بسبب القصف.
توقف الدعم لم يقتصر على مستشفى القدس. ففي سلقين وكفرتخاريم وأرمناز ومنطقة حارم، خرجت مستشفيات ومراكز صحية عدة عن الخدمة، بينما تحول مستشفى الرحمة في دركوش إلى استقبال حالات الطوارئ فقط. كما أُبلغ العاملون في مستشفى أطمة للنسائية والأطفال ومركز كفرعروق الصحي بانتهاء عقود الدعم، بحسب موظفين يعملون في تلك المنشآت.
وخلال النصف الأول من عام 2026، أغلقت عشرات المستشفيات والمراكز الصحية التي كانت تقدم خدمات مجانية لمئات آلاف السكان والنازحين في شمال غربي إدلب. تقول رقية سليمان، وهي ممرضة في إحدى المستشفيات التي توقفت عن العمل: “لم يعد هناك مستشفى مجاني عام في المنطقة. يضطر المرضى من القرى والمخيمات إلى السفر نحو مدينة إدلب. تستغرق الرحلة مسافة طويلة، بينما لا تسمح الظروف الاقتصادية لمعظم السكان بتحمل تكاليف النقل والعلاج”.
حالة الطفل خالد لم تكن الوحيدة التي وجدت أبواب مستشفيات عامة مغلقة. أسامة محمد (45 عاماً)، وهو نازح من ريف حلب الجنوبي يقيم في مخيمات كفرلوسين، اضطر أيضًا إلى إدخال والدته إلى أحد المستشفيات الخاصة في مدينة الدانا بعد أن تعذر إيجاد سرير في المستشفيات المجانية العاملة.
في البداية قصد أسامة مستشفى “سكن” القريب من مكان إقامته، فأخبره الحارس أن قسم الجراحة غير مفعل، ولا يتوفر في الوقت الحالي إلا عيادة داخلية وهضمية. حالة والدته التي لا تتحمل الانتظار بسبب حاجتها للقبول في العناية المشددة إثر التهاب رئوي تشكو منه منذ أكثر من سنة، أجبرته على دخول إحدى المستشفيات الخاصة في مدينة الدانا. يقول: “أدفع يوميًا 250 دولارًا، بالإضافة لمبالغ أخرى ثمن تحاليل وتصوير ومستلزمات تحتاجها والدتي”.
يتابع أسامة: “المستشفيات المجانية المتبقية في مدينة إدلب تبعد ما لا يقل عن 50 كيلومترًا عن مكان إقامتي، وتكلفة نقل المريض قد لا تقل عن 100 دولار، وقد لا نجد سريرًا شاغرًا”.
أما ليلى السليم (50 عامًا)، فتوجهت إلى مستشفى باب الهوى بعد إعلان مديرية الصحة تفعيله تحت مسمى مستشفى باب الهوى الوطني، وتوزيع خدماته على منشآت مختلفة في المنطقة، لكن الطبيب المختص لم يحضر إلى العيادة حين قصدت المستشفى، واضطرت بعد انتظار ساعات إلى الاستدانة لإجراء تنظير المعدة في مستشفى خاص. تقول: “بعد إغلاق مستشفى باب الهوى، خربت بيوتنا أجور المستشفيات الخاصة”. تتابع بحسرة: “ليتني سمعت من جارتي واختصرت الوقت على نفسي حينما أخبرتني أنها ذهبت هي الأخرى لمستشفى شام الجراحي ولم تجد الاختصاص التي تقصد”.
أبو محمد 60 عامًا من بلدة قورقانيا شمالي إدلب، حاله حال من التقيناهم، يقول: “صرنا أمام خيارات ضيقة، إما مستشفيات ومراكز صحية مغلقة، أو متطوعة لا يتوفر فيها أطباء، وإن عثرنا على الطبيب لا نجد الأدوية والتحاليل ونضطر لشرائها وإجرائها على حسابنا الخاص، وهو ما لا يمكننا تحمله بسبب غلاء ثمنها”.
وفي سلقين، تواجه سماح الرحيم، 27 عامًا، وهي مريضة كلى، صعوبات مشابهة بعد توقف الخدمات في مستشفى أرمناز، ما اضطرها للانتقال إلى مستشفى خاص أو انتظار سرير شاغر في إدلب. يقول زوجها وهو يتذمر من الحال الذي هم فيه “خربت بيوتنا أجور المستشفيات الخاصة، نحن عم نموت قبل مايجينا الموت وماحدا حاسس فينا” يتابع مرددًا قول: “فعلًا الجرح ما بيوجع غير صاحبه”، ليببقى المريض وعائلته في معركة خاسرة مع المرض.
يرى المنسق الطبي في منظمة “يداً بيد”، إياد رعدون، أن تغير أولويات المانحين كان السبب الرئيس وراء هذا الواقع المؤلم. موضحًا أن ست منشآت طبية كانت تدعمها منظمة مالتيزر الألمانية توقفت بالكامل خلال الشهرين الماضيين، بعد انتهاء التمويل وعدم وجود جهة بديلة.
وبحسب تقديره فإن نحو 60 بالمئة من المنشآت الطبية المجانية في شمال غرب إدلب خرجت عن الخدمة. ويضيف أن بعض الجهات المانحة باتت تعتبر أن سوريا دخلت مرحلة التعافي، لذلك اتجه جزء من التمويل نحو مناطق أخرى، بينما أصبحت المدن الكبرى مثل حلب، ودمشق وحمص وحماة تحظى بالأولوية مقارنة بالمخيمات والبلدات الصغيرة.
يقول رئيس دائرة المنشآت الصحية في مديرية صحة إدلب، الدكتور سامر عبد العال، إن توقف الدعم عن هذه المنشآت سيؤدي إلى زيادة الأعباء المالية على المرضى، وسيجبرهم على السفر بحثًا عن الخدمات الطبية في مستشفيات أخرى. ويشير إلى أن نحو 40% من المستشفيات المدعومة من وزارة الصحة والمنظمات الداعمة توقفت عن العمل، مؤكداً أن المديرية تعمل على إعداد خريطة صحية جديدة للمحافظة وفق التوزع السكاني والحاجة الجغرافية، من خلال إعادة توزيع بعض المستشفيات أو دمجها، بما يضمن استمرار تقديم الخدمات.
وقد وُضع، يوم أمس الأحد، حجر الأساس لمستشفى سراقب التخصصي ومركز للعلاج الشعاعي، في مدينة سراقب جنوب شرقي إدلب. غير أن هذه المشاريع، رغم أهميتها، لن تعالج في الوقت القريب احتياج المرضى في شمال وغرب إدلب حيث تتركز معظم المنشآت التي توقفت عن العمل.
ولأن تداعيات توقف الدعم لا تتوقف على المرضى وحدهم، بل تمتد إلى الكوادر الطبية التي وجدت نفسها خارج سوق العمل بين ليلة وضحاها، تحاول فيه مديرية صحة إدلب احتواء المشكلة بخطط ما تزال قيد التنفيذ.
يشير الدكتور عبدالعال إلى أن المديرية رفعت طلبات للتعاقد مع نحو 1400 موظف من العاملين في المستشفيات التي توقف دعمها، وقد تمت الموافقة عليها، إلا أن تنفيذها ما يزال بانتظار استكمال الاعتمادات المالية المرتبطة بوزارات وجهات حكومية أخرى.
لكن هذه الخطط لم تنعكس بعد على واقع الكوادر الطبية التي فقدت مصدر دخلها مع توقف التمويل، ففي الوقت الذي تتحدث فيه التصريحات الرسمية عن عقود قيد الاعتماد وخطط لإعادة تنظيم القطاع الصحي، تبقى الكوادر رهينة الانتظار ومنهم من يغادر أماكن عملهم، لعجزهم عن تحمل تكلفة الوصول إلى المستشفى.
يقول المدير الطبي لمستشفى القدس، الدكتور محمد بحوش، إن قسمًا محدودًا من العاملين تمكن من الاستمرار في وظائف أخرى، بينما أصبح معظم الكادر بلا عمل بعد أربعة أيام فقط من توقف الدعم. ويوضح أن استمرار العمل بشكل تطوعي لم يكن خيارًا قابلًا للاستمرار، فالكادر يحتاج إلى تأمين تكاليف المواصلات والطعام، في حين تعجز إدارة المستشفى عن تغطية أي نفقات تشغيلية بعد توقف التمويل.
ويشير بحوش إلى أن الأجهزة الطبية ما تزال داخل المستشفى بعد جردها من قبل مديرية الصحة، بانتظار قرار يحدد مصيرها، سواء بإعادة تشغيل المستشفى أو نقلها إلى منشآت أخرى، مضيفًا أن المحافظة أبلغتهم أخيرًا بوجود توجه لدعم بعض المنشآت الصحية المتوقفة، إلا أن آلية التنفيذ وجدولها الزمني ما يزالان غير واضحين.
واصل أحد ممرضي مستشفى أرمناز عمله متطوعًا لمدة شهرين بعد توقف الدعم، متحملًا تكاليف التنقل اليومية من مدينة إدلب إلى أرمناز على نفقته الخاصة، على أمل أن تتحول الوعود بالتعاقد إلى واقع. ومع مرور الوقت، لم يعد قادرًا على الاستمرار، على حد قوله. يقول: “لا أملك القدرة المادية على السفر بشكل شبه يومي من إدلب إلى أرمناز من دون راتب، ففترة انقطاع الراتب استنزفت ما أملك”.
يؤكد معظم من التقيناهم إلى أن تبدل المشهد السياسي بعد سقوط نظام الأسد وعودة مهجرين إلى مناطقهم الأصلية أسهما في تغيير أولويات التمويل، إلا أن المرضى لم يغادروا، ولم تتراجع الحاجة إلى العلاج، بل بقيت تفوق قدرة ما تبقى من المستشفيات المجانية على الاستيعاب.
يقول المدير الطبي لمستشفى القدس، الدكتور محمد بحوش، إنه لم يلحظ أي انخفاض في أعداد المرضى، موضحًا أن من عادوا إلى مدنهم وقراهم حلّ مكانهم آخرون قدموا من لبنان وتركيا، ومن مناطق كانت خاضعة سابقًا لسيطرة نظام الأسد، إضافة إلى عائدين من دول أوروبية. ويضيف أن الكثافة السكانية، ولا سيما في المخيمات، ما تزال مرتفعة، بينما انكمشت خريطة المستشفيات المجانية إلى عدد محدود من المنشآت في مركز المحافظة، لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى.
لا يعرف والد خالد إن كان سيجد بابًا مفتوحًا إن احتاج ابنه إلى العلاج مجددًا، كما لا تعرف ليلى كيف ستؤمن تكلفة عمليتها التالية، ولا أسامة أين سينقل والدته إن تدهورت حالتها، ولا سماح أين ستجري جلسة غسيل الكلى القادمة.
أسئلة صغيرة يحملها المرضى معهم كل يوم، لكنها ترسم في مجموعها صورة قطاع صحي لم يعد المرض فيه وحده ما يرهق الناس، بل الطريق إلى العلاج أيضًا.
