عاد المزارع الخمسيني سليمان الحلبي إلى قريته في سهل الغاب بريف حماة، محملاً بأعباء الفقر والدين. وصل البلدة على أمل زراعة أرضه وسداد ديونه وترميم منزله المدمر، لكنه مثل غيره من مزارعي سهل الغاب اصطدم بشح المياه وتأخر عمليات ترميم وصيانة السدود وقنوات الري، ما أبقى القطاع الزراعي في حالة تراجع مستمر.
يقف الحلبي، الذي عاش أكثر من 10 سنوات في مخيمات النزوح، أمام أرضه الممتدة على مساحة 30 دونماً وقد غدت صفراء قاحلة مليئة بالأشواك والأعشاب المتيبسة، متحسراً على عدم زراعتها للعام الثاني على التوالي، مثقلاً بالإحباط، وقد تبدّدت آماله في زراعتها وإحيائها من جديد.
يتخيّل نفسه يقوم بحراثة أرضه وزراعتها فيقول “قلة المياه حرمتني رزقي، كنت أعد الساعات للعودة والعمل فيها، وأخطط لزراعتها بعد سنوات من الإهمال، أفكر بأفضل المواسم وأكثرها إنتاجاً، لكن آمالي اصطدمت بواقع قاسٍ وأرض متيبسة ومياه شحيحة”.
يمتد سهل الغاب على طول 80 كيلومتراً بين محافظتي حماة وإدلب، ويعتمد آلاف المزارعين فيه على شبكات الري المرتبطة بالسدود والقنوات المائية التي كانت تؤمن احتياجات الأراضي الزراعية على امتداد المنطقة إضافة إلى نهر العاصي والأبار الجوفية.

مع عودة قسم كبير من السكان إلى قراهم وبلداتهم في سهل الغاب، برزت الحاجة لإعادة تأهيل السدود وشبكات الري لإنعاش الزراعة في المنطقة، يقول سليمان إن خروج سدي قسطون وزيزون عن الخدمة، والأضرار الكبيرة التي لحقت بقنوات الري والبنية التحتية المائية، أدت إلى فقدان أحد أهم مقومات النشاط الزراعي في المنطقة. ويضيف أنه إلى اليوم لم يتم العمل بشكل جدي على إصلاحها وتوفير المياه.
يقول من تحدثنا إليهم من أهالي المنطقة “نحن بحاجة إلى ترميم محطات الضخ وخطوط جر المياه إلى الأراضي الزراعية لينهض الفلاح وتنتعش الزراعة وإلا فالمنطقة متجهة نحو التصحر والجفاف”.
في ناحية الزيارة ومناطق عديدة من سهل الغاب تراجعت زراعة المحاصيل الصيفية التي تحتاج إلى مياه وفيرة بشكل واضح، ومع ارتفاع تكاليف استجرار المياه إلى الأراضي الزراعية وعدم تأهيل خطوط المياه تخلى كثير من المزارعين عن زراعة أراضيهم.
من جانب آخر، لعب غياب المياه وعدم توفرها دوراً في استبدال المحاصيل الصيفية مثل الخضروات والشوندر السكري والقطن والذرة بأنواعها، بمحاصيل شتوية أقل احتياجاً للمياه أو بعلية مرتبطة بالأمطار الموسمية مثل البرسيم والقمح وحبة البركة، في حين لجأ عدد قليل من المزارعين إلى حفر آبار ارتوازية رغم التكلفة المرتفعة.
القطن والذرة والدخان والشوندر وكثير من الخضروات الصيفية لم تعد تجد مكاناً لها في حقول سهل الغاب كما كانت من قبل. يقول سليمان الحلبي إن الاعتماد على الزراعات البعلية قلل التنوع الزراعي وخفض حجم الإنتاج مقارنة بالسنوات التي سبقت تعطل السدود وشبكات الري، ما تسبب بتراجع المساحات المزروعة بمحاصيل كانت تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الزراعي المحلي.
يرجع المهندس الزراعي أنس طربوش اندثار هذه الأصناف إلى شح المياه واقتصار المزارعين على زراعة محاصيل بعلية أو التخلي نهائياً عن العمل بالزراعة، فضلاً عن اضطرار كثير منهم إلى الاعتماد على الآبار الجوفية متحملين أعباء إضافية من مشقة وتكاليف مادية مرتفعة.
كما أدت زراعة محاصيل شتوية محددة إلى إجهاد خصوبة التربة ما قلل الإنتاج وسبب خسارة للمزارع على مدار السنوات العشر الماضية، إضافة لعدم تغذية التربة بشكل مناسب خلال الصيف سواء بالمغذيات الصناعية أو الطبيعية وتزويدها بالمياه، يقول طربوش “إن مؤشرات التصحر بسهل الغاب أصبحت واضحة وتجلت بقلة الإنتاج لغالبية سكان سهل الغاب”.

يصف المزارع أحمد نعسان، 33 عاماً، غياب مياه الري بتهديد الأمن المائي في المنطقة، والأثر السلبي لذلك على الزراعة عموماً والأهالي خصوصاً، يقول “خسر المزارع أحد أهم مقومات الزراعة المنتظمة والدائمة، وبدأ يبحث عن طرق بديلة للحصول على مياه الري من بينها حفر آبار ارتوازية تصل تكلفة حفر 100 متر نحو ثلاثة آلاف دولار، وهو مبلغ مرتفع جداً” وفقاً لقوله.
لم يعد سهل الغاب بيئة مناسبة للكثير من المزروعات والحيوانات أيضاً، يرى المهندس أنس طربوش أنّ لشح المياه والتغيرات المناخية آثار بيئية أخرى، منها انقراض أنواع من الطيور والحيوانات البرية، كانت متأقلمة مع طبيعة المنطقة. يقول “ارتبط وجود الكثير من الطيور سابقاً بوجود المياه في السدود، لكن بعد كارثة انفجار سد زيزون عام 2002 وغياب الضخ عن سدي قسطون و أفاميا، إضافة إلى تضرر معظم محطات الضخ وأنابيب المياه بسبب الحرب انقرضت أنواع من الحيوانات أيضاً”.
ويحذر طربوش من استمرار تعطل السدود وقنوات الري التي قد تدفع المنطقة نحو مزيد من التدهور البيئي والزراعي. يقول “مع تزايد مؤشرات التصحر وانخفاض خصوبة الأراضي وتقلص الموارد المائية المتاحة، تراجع النشاط الزراعي الذي يعتمد عليه جزء كبير من الأهالي كمصدر رئيس للمعيشة”.
كذلك تسبب تراجع الهطولات المطرية وانخفاض تدفق نهر العاصي وقلّة الينابيع المغذية له، بجفاف أجزاء واسعة من مجرى النهر وتراجع الموارد المائية المخصصة للري، فانعكس ذلك مباشرة على القطاع الزراعي، إذ أعلنت الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب العام الماضي خروج نحو 7784 هكتاراً من القمح من الإنتاج، منها 5247 هكتاراً مروياً، من أصل 48 ألف هكتار من إجمالي المساحات المزروعة.
يشق نهر العاصي مدينة حماة ويعد شريانها المائي الذي يغذي سهل الغاب، إلا أنه لم يعد كافياً لتعويض نقص مياه الري، يقول سليمان الحلبي، إن بعد مجرى النهر عن الكثير من الأراضي الزراعية والجفاف الذي طاله خلال السنوات السابقة في فترة زراعة المحاصيل الصيفية سبب خسائر في المحاصيل المزروعة على ضفاف النهر.

إضافة لنهر العاصي والآبار الجوفية تشكل السدود أحد أهم مصادر المياه في سهل الغاب وهي مصممة لإرواء أكثر من 20 ألف هكتار في منطقتي أفاميا والزيارة، غير أن خروج سدي قسطون وزيزون عن الخدمة وعدم إصلاح شبكات الري شكّل أحد أبرز التحديات التنموية في المرحلة الحالية.
يوضح مدير مكتب الموارد المائية في حماة، المهندس طراد النهار، أن سد زيزون خرج عن الخدمة والاستثمار منذ تاريخ انهياره وتوقفت أعمال إعادة تأهيله منذ عام 2011، أما سد قسطون فقد تعرض لبعض الأضرار والتخريب الذي طال المنشآت الملحقة به خلال فترة الحرب، ويتعذر حالياً استثماره قبل إعادة تأهيله.
وبيّن في حديثه لفوكس حلب أن سبب تأخر عملية إعادة تأهيل السدود هو التكاليف المرتفعة وعدم توفر التمويل لها، وارتباط إعادة تأهيل منظومة الري ببعضها من محطات ضخ وسدود وأقنية وشبكات ري مطمورة ، وضرورة البدء بإعادة التأهيل لكافة المكونات وعدم فصلها عن بعضها البعض، فضلاً عن ضعف الإمكانيات، مؤكداً أنه لا توجد خطة زمنية لذلك إلى اليوم.
الأولوية اليوم وفق ما يراه المزارعون، هي لإعادة تأهيل البنية التحتية بدءاً من تأهيل السدود وقنوات الري الناقلة من الجنوب إلى الشمال، إضافة إلى إعادة تأهيل القنوات الترابية وتعزيلها وترميمها، وإعادة تأهيل وتفعيل مؤسسة الري الحديثة، وتقديم قروض لهم لتتحول الزراعة من التقليدية إلى الزراعات الحديثة، وتوفير المياه أثناء الري والمحافظة عليها.
تحّول سهل الغاب الذي كان يعد من أهم سلال سوريا الغذائية من منتج إلى مستهلك، لعدم وجود منظومة ري متكاملة تنقل المياه من السدود إلى الأراضي الزراعية، واقعٌ يصفه المزارعون بأنه يحرم المنطقة من هويتها الخضراء ويدفعها نحو التصحر، كما يدفعهم إلى التخلي عن مهنتهم ومصدر رزقهم.
