لم يكن أبو محمد، مزارع من مدينة سرمين غربي إدلب، يتوقع أن تتحول الطبقة البيضاء التي غطّت أشجار الزيتون في بستانه إلى نذير خسارة لموسم علّق عليه آمالاً كبيرة. فالاقتراب من الأشجار التي بدت من بعيد وكأنها اكتست بالثلج، يكشف مستعمرات كثيفة من حشرة المنّ القطني (بسيلا الزيتون) التي اجتاحت بساتين واسعة هذا العام، مهددةً محصول الزيتون، مصدر دخل آلاف العائلات في المنطقة.
يتنقل أبو محمد بين صفوف أشجار الزيتون في أرضه غربي سرمين، متفحصاً الأغصان التي أثقلتها كتل بيضاء دقيقة غطّت الأوراق والعناقيد الزهرية. يملك الرجل نحو مئة شجرة كان يعوّل على محصولها لتأمين نفقات دراسة ابنته الجامعية، لكن المشهد الذي يراه اليوم دفعه إلى مراجعة حساباته مبكراً.
يقول: “طوال عشرين عاماً من العمل في زراعة الزيتون لم أشهد إصابة بهذا الحجم”. ويضيف أن محاولات المكافحة لم تحقق النتائج المرجوة، فالأشجار رُشت بالمبيدات قبل فترة تكاثر الحشرة، ومع أن كميات الرش زادت مقارنة بالأعوام السابقة، إلا أن الإصابة واصلت انتشارها. يعتقد أن اعتدال درجات الحرارة وارتفاع الرطوبة وفّرا ظروفاً مناسبة لبقاء الحشرة وتكاثرها على نطاق واسع هذا الموسم.
على بعد عشرات الكيلومترات شمالاً، يتابع أحمد كلش، وهو مزارع من قرية بسنيا التابعة لمنطقة حارم، المشهد ذاته بين نحو 200 شجرة زيتون يعتني بها منذ سنوات. يتذكر كيف بدأت الإصابة بالظهور مع بدايات الربيع، في وقت كانت الأشجار تدخل مرحلة الإزهار التي يراهن عليها المزارعون لتحديد ملامح الموسم.
يقول كلش: “عندما هطلت الأمطار هذا العام اعتقدنا أننا مقبلون على موسم استثنائي، لكن الرطوبة واعتدال درجات الحرارة وفّرا بيئة مثالية لتكاثر الحشرة”. ويشير إلى أن الإصابة تمددت سريعاً بين البساتين، حتى إن بعض المزارعين باتوا يتحدثون عن خسائر قاربت 80 بالمئة من الإنتاج في بعض المواقع.
ولم تتوقف الأعباء عند تراجع المحصول فحسب، بل امتدت إلى تكاليف المكافحة. فبحسب كلش، تحتاج الأشجار المصابة إلى رشات متكررة بفواصل زمنية لا تقل عن عشرة أيام، إلى جانب تأمين المبيدات والمياه وأجور العمال. ويضيف: “كل رشة تعني مصروفاً جديداً، وفي بعض الحالات قد تصل تكلفة معالجة مئة شجرة إلى نحو 130 دولاراً، من دون أي ضمان لتوقف انتشار الحشرة بشكل كامل”.
ومع اتساع رقعة الإصابة، لم يعد التحدي مقتصراً على خسارة جزء من المحصول، بل امتد إلى تفاصيل المكافحة اليومية وما تفرضه من أعباء إضافية على المزارعين. يوضح صاحب إحدى الصيدليات الزراعية في سوق مدينة كفرتخاريم، أن اختيار المبيد يرتبط بالمرحلة التي وصلت إليها الحشرة. ويشير إلى أن المكافحة في بداية الإصابة تعتمد على مبيدات مثل دلتا مثرين وسايبر مثرين ولامبدا سايهلوثرين وأسيتامبريد، بينما تُستخدم مواد أخرى في المراحل اللاحقة، منها السالوت وديسيس دي. ويقدّر تكلفة كل ألف ليتر من مياه الرش بنحو 36 دولاراً، قبل احتساب ثمن المبيدات وأجور العمال.
المهندس الزراعي موسى البكر يرى أن تفسير ما جرى هذا الموسم لا يقتصر على برامج المكافحة أو نوعية المبيدات المستخدمة، بل يبدأ من الظروف الجوية التي سبقت ظهور الإصابة. ويوضح أن بيوض حشرة بسيلا الزيتون كانت موجودة خلال السنوات الماضية أيضاً، إلا أن موجات الحر التي كانت تتزامن مع فترة الفقس حدّت من قدرتها على البقاء والتكاثر.
وخلال الأعوام الماضية تزامنت فترة فقس البيوض مع موجات حر مرتفعة قضت على أعداد كبيرة من الحشرة، أما هذا العام فقد ساعدت درجات الحرارة المعتدلة والرطوبة المرتفعة على زيادة الفقس والتكاثر بشكل واسع، على حدّ قوله.
تبدأ الإصابة بظهور تجمعات قطنية بيضاء حول الحشرات الصغيرة على الأغصان والأوراق الفتية، قبل أن تمتد آثارها إلى الأزهار والعقد، ما يؤدي إلى تساقط الأزهار والثمار الصغيرة وانخفاض الإنتاج، يشرح البكر مشيراً إلى أن المناطق الشمالية من سوريا كانت الأكثر تأثراً نتيجة ارتفاع معدلات الرطوبة فيها، مؤكداً أن بعض البساتين فقدت ما بين 70 و80 بالمئة من محصولها بسبب تساقط الأزهار وضعف العقد.
الممارسات الخاطئة، سبب آخر يضيفه المهندس البكر رلى الأسباب التي ساهمت في تفاقم المشكلة. فمن بين الأخطاء الشائعة، الاعتقاد بأن الكتل القطنية البيضاء التي تظهر على الأشجار لا تؤثر في الإنتاج، أو محاولة إزالتها برش المياه فقط، إضافة إلى استخدام المبيدات خلال ساعات الظهيرة، عوضاً عن الصباح الباكر أو المساء عندما تكون الحشرة أقل نشاطاً.
ويربط الخبير البيئي أنس الرحمون بين التفشي الواسع للحشرة والتغيرات المناخية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. ويوضح أن لكل حشرة أو مرض نباتي نطاقاً حرارياً ورطوبياً محدداً يسمح له بالنشاط والتكاثر، وأن أي تغير في هذه الظروف ينعكس مباشرة على أنماط انتشار الآفات الزراعية.
يقول: “شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة امتداداً لفصل الشتاء نحو الربيع، مع استمرار الأمطار وانخفاض درجات الحرارة خلال شهري آذار ونيسان، ما وفر بيئة مثالية لتكاثر حشرة بسيلا الزيتون”. ويضيف أن الدراسات تشير إلى أن درجات حرارة تقارب 30 درجة مئوية تحد من نشاط الحشرة، في حين تؤدي درجات حرارة تتجاوز 35 درجة إلى إيقاف تكاثرها والقضاء على جزء كبير منها.
وفي مؤشر على حجم المشكلة هذا العام، أفادت الوحدة الإرشادية في منطقة حارم التابعة لمديرية الزراعة في إدلب بأن تصنيف حشرة بسيلا الزيتون ارتفع إلى مستوى وبائي، بعدما كانت تُعد خلال السنوات الماضية آفة ثانوية محدودة التأثير.
أما مديرية الزراعة في إدلب فتؤكد أن حجم الأضرار لم يُحسم بشكل نهائي بعد، مشيرة إلى أن فرقها الفنية تواصل جمع البيانات الميدانية وإعداد الإحصاءات المتعلقة بنسبة الضرر في بساتين الزيتون. كما تتابع تطور الآفة ومراحلها ومناطق انتشارها بهدف تقييم حجم الإصابة وتحديد الإجراءات المناسبة للحد من آثارها.
وفي ظل هذه المؤشرات، يرى الرحمون أن التكيف مع المتغيرات المناخية لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة في البيئة الزراعية. ويتطلب ذلك تطوير أصناف أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية المتبدلة، وتعديل مواعيد بعض العمليات الزراعية، إلى جانب تكثيف الدراسات والأبحاث المتعلقة بالآفات والأمراض المرتبطة بالمناخ.
يسهم فهم دورة حياة الحشرة نفسها بتقدير الوقت المناسب للمكافحة، فبحسب دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة Crop Protection المتخصصة بوقاية النبات، تبدأ حشرة بسيلا الزيتون دورة حياتها بوضع البيوض على البراعم الزهرية والنموات الحديثة، فيما تتركز أضرارها خلال مرحلتي الإزهار والعقد. وبعد أيام من الفقس، تخرج حوريات صغيرة تتغذى على العصارة النباتية وتفرز مادة شمعية بيضاء تشبه القطن، وهي تلك الكتل البيضاء التي تغطي الأغصان والأزهار في البساتين المصابة.
ومع انتقال الحشرة عبر عدة أطوار نمو حتى تصل إلى مرحلة البلوغ، يزداد تأثيرها على الأزهار والعناقيد الزهرية، ما قد يؤدي إلى ضعف عقد الثمار وتساقط جزء منها، وبالتالي تراجع الإنتاج عند ارتفاع كثافة الإصابة.
ولا تقتصر المخاوف على ما شهده الموسم الحالي فحسب، إذ تشير تقديرات ودراسات دولية إلى أن مثل هذه الآفات قد تصبح أكثر حضوراً مع استمرار التغيرات المناخية. وتحذر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من أن تبدل الأنماط المناخية يسهم في زيادة انتشار الآفات الزراعية وتوسع نطاقها الجغرافي، بما يشكل تهديداً متزايداً للإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
كما تُصنف دراسات أكاديمية حديثة حشرة بسيلا الزيتون بين أبرز الآفات التي تهدد بساتين الزيتون في دول حوض البحر المتوسط، مشيرة إلى ارتباط كثافة انتشارها بدرجات الحرارة و الهطولات المطرية ومستويات الرطوبة، وهي عوامل يُتوقع أن تشهد مزيداً من التقلبات مع تسارع التغيرات المناخية.
ومع اقتراب نهاية موسم الإزهار، يواصل المزارعون مراقبة أشجارهم على أمل إنقاذ ما تبقى من المحصول. لكن ما تركته الكتل البيضاء على الأغصان هذا العام يتجاوز خسارة موسم واحد، إذ يكشف عن هشاشة متزايدة تواجهها الزراعة أمام تغيرات مناخية باتت قادرة على تحويل آفة محدودة التأثير إلى تهديد واسع يطال محصولاً يشكل ركيزة اقتصادية لآلاف العائلات في شمال سوريا.
