لم يستطع سكان محافظة إدلب شحن عدادات الكهرباء التي توفرها شركة Green Energy التركية إلا بعد دفع رسوم خدمة المياه عن أشهر سنة 2025، سواء من خلال زيارة مركز الشركة أو عبر تطبيق شام كاش الذي يتيح للمستفيدين شراء شرائح الكهرباء مسبقة الدفع.
ومع نهاية شهر آذار الفائت طالبت إدارة تطبيق شام كاش المستفيدين بتحميل التحديث الأخير رقم 2.2.5 بعد إتاحة دفع مستحقات المياه في خانة خدمات شركة الكهرباء، لكن الأهالي فوجئوا أن عليهم دفع ضريبة المياه عن كامل سنة 2025 الفائتة وإلا لن يتمكنوا من تعبئة رصيد الكهرباء.
أم محمد، وهي أم لستة أطفال من أهالي مدينة إدلب، تجد نفسها أمام تحد كبير بعد أن أصبح العثور على منزل للإيجار بمبلغ معقول في إدلب شبه مستحيل بسبب ارتفاع أجور المنازل، ما دفعها للانتقال أخيرًا إلى حي الميدان في مدينة أريحا جنوبي إدلب، على أمل أن تجد استقرارًا نسبيًا لعائلتها، لكن الواقع كان مختلفًا.
أجبرت أم محمد عند شحن الكهرباء على دفع رسوم المياه والنظافة معًا رغم أنها لاتستفيد من هذه الخدمة، لأن المياه في الحي الذي تقطنه لا تصل إلى المنازل بسبب عطل قديم في الخط، ورغم الشكاوى المتكررة من السكان لمؤسسة المياه، لم تُصلح الأعطال بعد.
وجدت أم محمد نفسها مضطرة للاعتماد على صهاريج المياه. تخبرنا أنها تشتري أسبوعيًا خمسة براميل بتكلفة 125 ليرة تركية على أقل تقدير (تقريبًا 3,5 دولار). تقول: “أرهقتنا صهاريج المياه والفواتير، أنا أدفع ثمن خدمة لا أستفيد منها وهذا ليس عدلًا”.
حددت جباية المياه برسوم قدرها 2.2 دولار عن الشهر الواحد أي ما يعادل 272 ليرة سورية بالعملة الجديدة. ورسوم النظافة 0.65 دولار، أي ما يعادل 100 ليرة سورية. وتتقاضى شركة الكهرباء 0.13 دولار عن كل كيلو واط من الكهرباء، أي ما يعادل نحو 18 ليرة سورية.
“هذا المبلغ ليس بسيطًا كما قد يراه البعض”، تقول أم محمد التي بالكاد تستطيع تأمين قوت عائلتها اليومي واحتياجات طفلها الصغير. تخبرنا أنها في منزل سابق اضطرت لدفع فواتير مياه متراكمة تعود لمستأجرين قبلها، بعد أن رفض مالك المنزل تحمّلها.
ولا تقتصر هذه الحالة على أم محمد وحدها، بل تشمل شريحة واسعة من السكان الذين يُطلب منهم تسديد رسوم المياه رغم عدم استفادتهم الفعلية من الخدمة، منهم سكان الطوابق العليا الذين لا تصلهم المياه حتى مع استخدام المضخات، إلا أنهم لن يتمكنوا من شحن عدادات الكهرباء دون دفع الرسوم الموحدة على الجميع دون وجود عدادات تحسب الاستهلاك الفعلي.
كما تمتد المشكلة إلى سكان قرى لم تصلها شبكات المياه بعد، أو تلك التي وصلت إليها حديثًا دون انتظام في الضخ، منها قرية ابديتا ومشون و ابلين، التي تقتصر عملية تزويدها بالمياه على فترات متباعدة قد تصل إلى مرة كل عشرين يومًا، مقارنة بمراكز المدن التي تشهد ضخًا أسبوعيًا.
طارق، أحد أهالي إدلب الذين عادوا حديثًا من تركيا، يجد نفسه مجبرًا على دفع تكاليف لا ترتبط باستهلاكه الفعلي. فعند محاولته شحن الكهرباء، يُطلب منه تسديد فواتير مياه متراكمة عن عام كامل، كشرط أساسي لإتمام عملية الشحن، “رغم أن شركة الكهرباء جهة خاصة، منفصلة عن مؤسسة المياه” يقول.
يتساءل باستغراب: “كيف تصبح شركة خاصة مسؤولة عن جباية المياه ورسوم النظافة التي تقدمها مؤسسة حكومية؟”. المشكلة، كما يراها طارق، لا تتوقف عند آلية الجباية فقط، بل تمتد إلى ما يعتبره ظلمًا مباشرًا للمستأجرين مثله، إذ اضطر لدفع فواتير ستة أشهر لم يكن خلالها موجودًا في سوريا أساسًا.
ويطرح طارق، الذي يعيش اليوم قلقًا حقيقيًا مع اقتراب موعد انتهاء عقده، أحاديث يتداولها كثيرون، متسائلًا: “ما ذنبي حتى أدفع فواتير ليست لي؟ وإذا أخرجني صاحب البيت الشهر القادم، ربما سأدفع عن بيت جديد أيضًا”. وبرأيه، ينبغي إعادة النظر في هذه الآلية، من خلال فصل ملف الكهرباء عن المياه، ووقف فرض الرسوم على السكان غير المستفيدين من الخدمة.
يشير طارق إلى ارتفاع تكلفة الكهرباء في إدلب والتي تصل إلى ضعف ما كان يدفعه في تركيا، ويرى أن ربط دفع المياه بالكهرباء “طريقة غير مناسبة”، مضيفًا أن من الأفضل إصدار فواتير شهرية مستقلة لكل خدمة،عوضاً عن فرضها دفعة واحدة وبشكل إلزامي حتى لغير المستفيدين.
المحامي، زياد المحمد، يوضح أن فرض رسوم مقطوعة على السكان دون تحديد حجم الاستهلاك الفعلي يُعد تجاوزًا من الناحية القانونية، كونه يفتقر إلى معايير العدالة في تحصيل الأجور مقابل الخدمة.
ويشير إلى أن معالجة مشكلة تخلّف بعض المشتركين عن الدفع لا ينبغي أن تتم عبر تعميم الإجراءات على جميع الأهالي، إذ إن تحميل الجميع تبعات عدم التزام فئة محدودة يشكّل خللًا قانونيًا واضحًا. ويضيف أن الإجراء الإيجابي يكمن في تنظيم عملية الجباية وضمان التزام المستفيدين، لكن ذلك يجب أن يتم من خلال آليات رقابية فعالة، تضمن إلزام المشتركين الفعليين فقط بالدفع، دون فرض أعباء على غير المستفيدين من الخدمة.
كما يحذّر المحمد من التوسع غير المنظم في خصخصة الخدمات، موضحًا أن وجود شركات خاصة في بعض القطاعات قد يكون مقبولًا، إلا أن المؤسسات العامة، وخاصة الخدمية منها، يفترض أن تعمل وفق مبدأ تقديم الخدمة لا تحقيق الربح. ويشير إلى أن الواقع الحالي يظهر تداخلًا بين الطابع الخدمي والربحي، ما ينعكس سلبًا على المواطنين ويزيد من الأعباء المفروضة عليهم.
وسط هذه الضغوط، يرى من التقيناهم أن الحل لا يكمن في فرض المزيد من الرسوم، بل في تحقيق العدالة، عبر تركيب عدادات مياه لكل منزل، فيدفع كل شخص حسب استهلاكه الفعلي، ما يخفف العبء عن العائلات ويحدّ من الهدر في الوقت نفسه.
