فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

من سهل إلى جبل.. رحلة النحل في مواجهة الجفاف والمبيدات

إيمان سرحان

لا تتوقف المشكلات عند المناخ فقط، فإلى جانب الجفاف، أسهم انتشار الزراعة المكّثفة واستخدام المبيدات الحشرية في تقليص المراعي الطبيعية، وفي بعض الحالات أدى رش المبيدات في الحقول إلى نفوق أعداد كبيرة من النحل

على غير العادة، يبدأ يوم محمد داوود هذه الفترة مع حلول المساء. ينقل خلايا النحل الخشبية إلى شاحنته، وينطلق بحثاً عن مرعىً جديدٍ في سهول محافظة القنيطرة. مثل غيره من النحّالين يبدّل مكان خلاياه عدّة مرات سنوياً ضمن وجهات تتجدّد وفقاً للطقس وتفتّح الأزهار.

يعمل داوود نحّالاً منذ 25 سنة. بدأ تعلّقه بالنحل عندما كان طالباً في كلية الهندسة الزراعية وأنجز مشروع تخرج عن طفيليات تلتصق بالنحل وتفقده المناعة. يقول “إنّ علاقتي بالنحل أكثر من مجرّد مهنة، وتجاوزت ذلك إلى تعلّق وحبّ لهذا المخلوق العجيب”.

في محافظة القنيطرة، يتبع النحالون مساراً موسمياً واضحاً، يتغّير تبعاً للمناخ وتوفّر المراعي. يوضح داوود أن كثيرين من النحالين يفضلون قضاء الشتاء في المناطق الجنوبية من المحافظة بسبب دفئها النسبي، قبل أن يبدؤوا مع تحسن الطقس بنقل النحل تدريجياً نحو الشمال.

يتميّز القطاع الشمالي من القنيطرة بتنوّع مراعيه، بحسب داوود، ففي الربيع تكثر أزهار النفل ومراعي الكينا، إلى جانب أزهار اللوزيات والتفاحيات. ويرتبط هذا التنوع بوجود مرتفعات في  المحافظة، إذ تقع بعض المناطق على ارتفاع يقارب 400 متر فوق سطح البحر، فيما تتجاوز مناطق أخرى 1200 متر.

يسهم هذا التباين بخلق تنوع مناخي يسمح بظهور أنواع متعددة من النباتات الزهرية التي يعتمد عليها النحل في غذائه. وفي الخريف، تنمو نباتات أخرى مثل الطيون، الذي يشكّل مصدراً إضافياً للرحيق في نهاية الموسم.

أخيراً، لم يعد هذا المسار الموسمي مستقراً، يقول داوود، إن التغيّرات المناخية أثرت بشكل واضح على تربية النحل في المنطقة، كما أنّ تراجع معدلات هطول الأمطار وانحسار الغطاء النباتي الذي يعتمد عليه النحل في غذائه كبّدا النحّالين خسائر كبيرة.

لا تتوقف المشكلات عند المناخ فقط. فإلى جانب الجفاف، أسهم انتشار الزراعة المكّثفة واستخدام المبيدات الحشرية في تقليص المراعي الطبيعية، وفي بعض الحالات أدى رش المبيدات في الحقول إلى نفوق أعداد كبيرة من النحل، كما أدّى القطع الجائر لأشجار الغابات خلال سنوات الحرب إلى تراجع الأشجار الرحيقية التي يعتمد عليها النحل في جمع الرحيق.

يرى داوود أن حماية هذا القطاع تتطلب جملة من الخطوات، أبرزها إعادة زراعة الغابات الصناعية، ولا سيما الأشجار الرحيقية مثل الكينا والسدر، إلى جانب الحفاظ على سلالة نحلة العسل السورية والاستفادة منها في برامج التهجين.

ويشدّد على ضرورة تحديث التشريعات التي تنظم تربية النحل وتحمي المراعي والمربين، وإنشاء جسم نقابي يجمع النحالين ويدافع عن حقوقهم، فضلاً عن تخصيص دوائر لتطوير تربية النحل ضمن مديريات الزراعة لمنع تهميش هذا القطاع.

شمالاً في قرية شنان الواقعة بريف إدلب، كان غياث عبدو فتح الله ينقل خلاياه إلى منطقة تكثر فيها أزهار الربيع واللوزيات وزهر المحلب جنوبي جبل الزاوية. وفي الوقت نفسه كان يتواصل مع صديق من أجل نقلها لاحقاً إلى محيط مدينة أعزاز في ريف حلب الشمالي، للاستفادة من أزهار الكزبرة وحبة البركة واليانسون.

يعمل فتح الله في تربية النحل منذ عام 2018. يقول إنّه بدأ العمل في هذا المجال لتأمين مصدر دخل إضافي، لكنه اليوم تفرّغ له بشكل كامل، فهذا العمل وفقاً لقوله، يتطلّب استنفاراً طوال العام من أجل ملاحقة مواسم الأزهار.

تزداد عملية نقل الخلايا صعوبة مع دخول فصل الصيف، بحسب فتح الله، وذلك لتراجع رقعة المراعي، ما يدفع النحالين إلى الاعتماد على المشاريع الزراعية. ويصف هذه المرحلة بأنّها “عيشٌ على الأعصاب”، لأن النحل يصبح معرضاً لمواجهة المبيدات الكيميائية التي قد تقضي عليه خلال وقت قصير. “في سنوات الجفاف تصبح تربية النحل تجارة خاسرة”، يقول غياث فتح الله، إذ تتم تغذية النحل بمحاليل مصنوعة من السكر كي يبقى حياً.

خلال الأعوام الفائتة شكا النحالون من ضيق المساحات الزراعية، إذ كانت أعداد كبيرة من الخلايا تتكدس ضمن رقع صغيرة. أما اليوم ومع اتساع المناطق بات بإمكان النحالين الوصول إلى مناطق جديدة، فنقل فتح الله خلاياه أخيراً إلى الساحل السوري، مستفيداً من دفء الطقس هناك.

نقل الخلايا إلى المناطق الساحلية يساعد في تقويتها، وفقاً لفتح الله، إذ تنشط الملكات في وضع البيض، ما يزيد عدد النحل ويؤدي لاحقاً إلى إنتاج كميات أكبر من العسل.

يقول أمين قابقلي، رئيس اللجنة الرئيسية لمربي النحل في اتحاد الغرف الزراعية في سوريا، ومدير مكتب اتحاد النحالين العرب في اللاذقية إنّ رحلة نحالي الساحل السوري السنوية تبدأ مع نهاية فصل الشتاء، ففي هذه الفترة، ينشغل النحالون بتغذية خلاياهم وتجهيزها للموسم الجديد.

ويضيف أن الساحل السوري أصبح اليوم وجهة مفضّلة لمربي النحل، وخاصة عندما تبدأ أشجار الحمضيات في اللاذقية بالإزهار، وكأنها ترسل إشارة لجلب المناحل إليها، لكن هذا الإزهار لا يستمر طويلاً، وفقاً لقوله.

لا يطول موسم الحمضيات أكثر من 20 إلى 25  يوماً، وبعدها تصبح المنطقة الساحلية فقيرة بالرحيق، ما يدفع النحالين إلى نقل خلاياهم نحو مناطق أخرى في الداخل السوري.

عندها، تتجه الشاحنات المحملة بالخلايا إلى أرياف حماة وحمص وإدلب، بحثاً عن مناطق يزرع فيها اليانسون والكزبرة وحبة البركة، هذا الموسم يمتد لنحو شهرين، وبعد هذه الرحلة يتجه النحالون إلى البحث عن مناطق تتفتح فيها النباتات البرية مثل القبار والزعتر والخزامى، أو إلى مناطق الجزيرة السورية حيث تنتشر زراعات القطن والبرسيم وعباد الشمس.

يرى القابقلي أنّ المراعي النحلية في الساحل تعتمد على موسم الحمضيات والموسم الجبلي. كما يشير إلى أن انتشار أشجار الصنوبر غير الرحيقية في الغابات الساحلية جعلت هذه المراعي أقل فائدة للنحل. كثير من المناطق الزراعية الواسعة بقيت لفترات طويلة خارج متناول النحالين، بحسب القابقلي، الأمر الذي أجبرهم على العمل ضمن مساحات محدودة، فانعكس ذلك سلباً على الإنتاج.

يشير القابقلي إلى أن المبيدات من أكبر المخاطر التي تهدد القطاع، مؤكداً أنّ رشها على الأعشاب البرية في ذروة نشاط النحل يؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة منها، وأنّ منعها خلال فترة إزهار الأشجار، التي لا تتجاوز 20 يوماً، كفيل بحماية آلاف الخلايا.

يقول ياسر العبد الله، رئيس جمعية النحالين إن السنوات الأخيرة كانت الأصعب على مربي النحل، والسبب ليس الحرب وحدها، بل التغيرات المناخية التي أثرت في طبيعة المراعي. ويضيف أن عام 2025 كان من أشد الأعوام قسوة عليهم، بسبب الجفاف وتراجع المراعي الطبيعية.

بحسب تقديرات جمعية النحالين، يبلغ عدد المربين في البلاد نحو 30 ألفاً، منهم نحو 4500 نحال وما يقارب 50 ألف خلية في إدلب وحلب، لافتاً إلى أن هذه الأرقام تبقى أقل بكثير مما كانت عليه قبل عام 2011.

وبهدف تطوير هذه المهنة، يعمل الاتحاد، بحسب العبد الله، على مشروع لإعادة إنتاج السلالة السورية الأصلية من النحل، بعدما دخلت إلى البلاد خلال السنوات الماضية ملكات مستوردة من مصادر مختلفة، تسببت بظهور أمراض جديدة أو أضعفت قدرة النحل على التكيف مع المناخ المحلي.

وإلى جانب حماية النحل، يسعى الاتحاد إلى حماية سمعة العسل السوري في الأسواق، خاصة بعد انتشار الأعسال المغشوشة، من خلال طرح فكرة إنشاء نظام تعريفي خاص بالنحالين ومنتجاتهم يتيح تتبع مصدر العسل وضمان جودته.


“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”