لوحة صدئة تروي ما مرّ بالمكان، كوّة ليست للضوء بل للقتل، أعمدة خرسانية تركت وحدها لأزيد من عقدين ونصف العقد من الزمن، تشققات أورثتها الحرب والزلزال والإهمال لمبنى كان يوماً صوتاً قبل أن ينقطع الأثير، بيانو مهمل في غرفة تجمعه بنقيضه من صوت مولدة كهرباء، صامتة هي الأخرى، وحكايات رويت وأخرى لم تروَ بعد.. ما تشاهده وأنت تتنقل في إذاعة حلب.
حديث الطريق.. قلعة وقناص
قلعة حلب مكان ثابت لا تحتاج فيه إلى خرائط جوجل لتصل إليه، فقط اسلك أي شارع يوصلك إلى سورها أو أحد أبراجها المحيطة بالمكان. برج آخر لا يمكن تحديده، اليوم، في حلب المترامية الأطراف، برج الإذاعة وجهتي التي يحجب النظر عنه بيوت حلب القديمة المهدّمة، مبانٍ تداخلت مع قدم المدينة بعد سنوات من الغبار والحرب، مآذن هدّمتها الحرب والقصف.
يقطع الصمت والحيرة رجل خمسيني بسيارة أجرة، يشير بيده إلى أين.. وأكتفي بالإجابة “إذاعة حلب .. هل تعرفها؟”، يهزّ برأسه ويغيّر الاسم إلى “قناص المدينة”. سنوات النزوح التي زادت عن عقد من الزمن لم تفلح في نسيان، أبو عدي، سائق سيارة الأجرة المهجّر من حلب، لمعالم المدينة وذاكرتها. تحوّلت إلى موقع عسكري ومكان لقنص الأهالي القادمين من حلب الشرقية، يقطع أبو عدي غربتي عن المدينة وهو يشير إلى طريق عريض.

هنا كان الممر الذي يعبره سكان المدينة ذهاباً وإياباً، قبل إغلاقه وإحكام الحصار على أحياء حلب الشرقية، يشترون حاجياتهم، يزورون أقاربهم وأطباءهم وجامعاتهم، وحمل اسم “معبر الموت”، يتنهد أبو عدي الذي تحوّل إلى دليل رحلتي.
من هناك، يشير إلى مبنى مرتفع أطلق عليه”القصر البلدي”، و جبل مرتفع يقابله، أسماه “جبل الأنصاري”، كان القناصون يمارسون هوايتهم في قتلنا.
في الجبل، أو في أعلى نقطة منه تقبع الإذاعة التي بثت الموت عوضاً عن الأغنيات وصوت أهالي المدينة وشكواهم. “إن شاء الله بشوفِك عالتلفزيون يا عمو”، ودّعني أبو عدي بهذه الكلمات قبيل مبنى الإذاعة وهو يدّلني على طريق الوصول إليها، فيما كنت منشغلة بحكايات الموت. عند وصولي بحثت في المكان، ورأيت كوّة القناص.
إذاعة من “غبرة”
سور غير مكتمل، هدّمت أجزاء منه، حجارة هنا وهناك، آثار طلقات نارية، غبار وغبار ما يحيط بكتل مباني الإذاعة، أبرزها مبنى ضخم رمادي اللون لم يكتمل بناؤه بعد، إلى جانبه ثلاثة أبراج باللونين الأبيض والأحمر.

دخلتُ من الجهة المخصّصة لدخول الموظفين الحاليين ومن يحملون تصريحًا خاصًا، وهو ما كنت قد حصلتُ عليه لغرض زيارة المبنى. المشهد العام كان يوحي بفوضى معمارية، المسار ضيّق بالكاد يتسع لسيارة، وعلى جانبيه مبانٍ مختلفة الشكل واللون، بعضها حديث البناء، وبعضها الآخر قديم. أمّا الأعمدة والأجهزة التالفة فكانت متناثرة هنا وهناك كقطع مبعثرة.
كمن يمشي خشية أن يتعثر، وصلت إلى غرفة صغيرة تضم أربعة موظفين يحيطون بطاولة وحيدة قديمة أكل الغبار أطرافها، جدرانها باهتة، ملامح البلاط تكاد تختفي تحت طبقة من التراب، والغبار يتسلل إلى كل زاوية فيها. تأملت المكان للحظات قبل أن أنسحب، ثم رافقتُ الموظفين في جولة داخل المبنى.
ذاكرة البث
عامر مصحلي، المحرر الذي شغل عدة مناصب داخل هذا المجمّع الإعلامي، قال وهو يشير بيده كمن يقلب صفحاتٍ قديمة: “أولى بدايات البث الإذاعي في حلب تعود إلى عام 1949، عندما بدأ العمل من مبنى الهاتف في شارع اسكندرون، لتكون حلب ثاني إذاعة سورية بعد دمشق، وواحدة من أقدم الإذاعات العربية”.
يقول عامر وهو يستعيد تفاصيل تلك اللحظة التاريخية:في مساء الأول من كانون الأول من ذلك العام، أعلن مذيع دمشق عبر الأثير: “والآن أعزاءنا المستمعين، ننتقل بكم إلى زملائنا في محطة إذاعة حلب الإضافية”. تلاه مذيع حلب، عادل أشرفي، قائلاً:”هنا محطة إذاعة حلب الإضافية”.
بعدها قُرئت آيات من الذكر الحكيم بصوت الشيخ عبد الجواد العطار، ثم ألقى الفنان فؤاد رجائي آغا القلعة كلمة الافتتاح، معلنًا انطلاق واحدة من أقدم الإذاعات العربية.
من الصوت إلى الصمت.. رحلة نزوح
انتقلت إذاعة حلب في عام 1950 إلى مبنى البريد في ساحة سعد الله الجابري، قبل أن تستقر نهائيًا عام 1964 في مبناها الحالي على جبل الأنصاري. كان مبنى وسط حديقة خضراء تتوزع فيها أشجار التوت والزيزفون والكرمة، ويطل على مشهدي الحسين والدكة التاريخيين، العائدين إلى العهدين الحمداني والزنكي.
الأرشيف الإذاعي لتلك الحقبة ثروة حقيقية، أصيل ونادر، يضم تسجيلات لأئمة الطرب. إلا أن جزءًا كبيرًا منه فُقد مع الزمن، إذ كان البث المباشر آنذاك لا يعتمد على أجهزة تسجيل تحفظ ما يمرّ عبر الأثير، لتضيع معه لحظات فنية وتاريخية لا تُقدَّر بثمن، بحسب مصلحي الذي رافقني في الجولة على المبنى.

منذ نهاية عام 2012، تحوّل مبنى الإذاعة والتلفزيون إلى منطقة عسكرية تابعة لنظام الأسد، وتمركزت قواته في المبنى غير المكتمل بسبب صلابته وقدرته على التحصين. ومع هذا التحوّل، اضطر العاملون في الإذاعة إلى الانتقال والعمل من مبنى القصر البلدي، بينما أصبح الدخول إلى المبنى الأصلي مشروطًا بإذن خاص، يُمنح فقط لغايات محددة مثل إحضار أشرطة التسجيل أو نقل المعدات الضرورية للعمل، يضيف عامر.
المبنى الرئيسي.. إذاعة بلا صوت
تقرأ على لوحة حديدية صدئة بحروف نافرة على واجهة المبنى الرئيسة اسم “الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون –المركز الإذاعي والتلفزيوني حلب”. بفعل مقاوم لما مرّ بالمكان من تغيّرات، تصمد لافتة الإذاعة التي بدئ العمل بها منذ عام 1964، في مبنى مؤلف من طابقين يطلّان على حلب بأكملها، وتكاد حين الوقوف فيهما أن تلمس المدينة، ليست المدينة وحدها بل طبقات من ذاكرة سكانها وحكاياتهم.
داخل المبنى كانت الأعمدة متشققة والزجاج مكسورًا والفراغ يخيّم على المكان، يقول محمد صباح، مدير الإرسال وموظف بالمبنى منذ عام 1995: “بدأ المبنى العمل منذ سنوات طويلة، وكان نسخة تكاد تتطابق في تفاصيلها المعمارية مع مبنى الإذاعة والتلفزيون على جبل قاسيون بدمشق. ويتطابق معه أيضًا في تجهيزاته وبنيته التحتية، إذ قام المهندس نفسه بتصميم المبنيين”.

احتوى الطابق الأول على استوديو تلفزيوني وآخر إذاعي، مع كونترول خاص بكل منهما، إضافة إلى غرف إدارية مثل الأرشيف والديوان. أما الطابق الثاني فقد خُصص لأجهزة الإرسال، ومن هذا الموقع بثت البرامج الإذاعية والتلفزيونية على مدار سنوات طويلة في مدينة حلب. ويضيف محمد صباح ” كتلة البناء هذه هي أقدم مباني الإذاعة، فيما بعد استحدثت مبان أخرى لدعمه وتوسيع طاقته التشغيلية”.
استوديو الفترة:
على يمين المبنى الرئيس بناء آخر شاحب اللون يُعرف باسم “استوديو الفترة”، شُيّد في ثمانينات القرن الماضي لدعم المبنى الأساسي. صعدتُ الدرج المؤدي إلى الطابق الثاني، لم يكن هناك سوى الصمت.
اقتربت من الشرفة المهدّمة. في مقدمة المشهد براميل كبيرة ممتلئة بالأتربة والحجارة الصغيرة، توحي بأنها كانت دشماً للحرب. وما إن أشحت ببصري عنها حتى رأيت حلب بكل تفاصيلها.
تحصينات عسكرية صدئة تحيط بحافة السطح، تصنع إطاراً بصرياً من سواتر الحرب وصوت حلب، من هنا تستطيع رؤية القلعة، مبنى القصر البلدي، مآذن المساجد وقبابها، شوارع الأحياء القديمة.. لا عائق يحول بينك وبينها.
حين عدت إلى الغرفة كانت أوراق صفراء اللون مرمية على الأرض، تحمل تاريخ عام 1990، دوّنت قائمة بأسماء العاملين في الإذاعة الذين نالوا ترقية في مواقعهم. بعض الأسماء ربما ما زالوا على قيد الحياة، بعضهم الآخر ربما رحل برصاصة قناص أُطلقت من أعلى مبنى الإذاعة نفسه، آخرون بقوا في المكان.
في الغرفة ذاتها، تناثرت قطع الزجاج المتكسرة لأدوات الاستوديو على الأرض، بجانبها أوراق متناثرة لنصوص إعلامية قديمة غطّاها الغبار. هذه الأوراق كانت الشيء الوحيد الذي يشي بأننا في إذاعة.
يشرح محمد أن هذا المبنى يتألف من طابقين، خصّص الطابق الأول للإدارة والخدمات، بينما يحتوي الطابق الثاني على استوديو يطل على المدينة. كانت تسجَّل فيه برامج تظهر فيها المدينة خلف المذيعين، وقد أنشئ بعد زيادة ساعات البث وظهور الحاجة لتكثيف التسجيل، ليكون دعمًا للمبنى الرئيس.
يبدو المبنى، اليوم، آيلًا للسقوط، تشققات أحدثتها الآلة العسكرية والزلزال في المكان، يقول محمد “عندما غادر نظام الأسد المكان، وجدنا بقايا مبنى تحوّل إلى ثكنة عسكرية ممتلئة بالذخائر والرصاص والخراب، شاهدة على سنوات من التدمير والإهمال”.

“منذ عام 2014، انقطع البث وحل مكانه صوت الرصاص. تحوّل هذا المكان بأكمله إلى منطقة عسكرية، وانتقلنا للعمل في مبنى القصر البلدي في المدينة”، يقول محمد وهو يسير بي إلى كتلة مهملة أخرى في الإذاعة .
مبنى خارج الخدمة
على يسار المبنى الرئيس، تبرز كتلة خرسانية ضخمة رمادية اللون غير مكتملة البناء ، تخرج منها أسياخ حديدية حادة. تتخللها غرف متداخلة بلا نوافذ، عند مدخلها لوحة حجرية كُتب عليها عام 1998.
توضح ميرفت، مهندسة الإرسال في الإذاعة أن مساحة “المبنى تبلغ أكثر من خمسة آلاف متر مربع، وُضع حجر أساسه عام 1998 ليكون مجمعًا إعلاميًا أو ما يشبه مدينة إعلامية مؤلفة من ثلاثة طوابق متداخلة”. حين دخلنا إليه شعرت وكأنني في متاهة حقيقية. هو الآخر “تحوّل لاحقًا إلى نقطة عسكرية بسبب متانة تسليحه، وإعادة تأهيله اليوم مكلفة للغاية.”
نللي مرجان، مشرفة هندسية عملت في الإذاعة لأكثر من 34 سنة، أخبرتنا أنها شاركت عام 2019 في لجنة لتقييم المبنى، واقترحت استكماله ليصبح معهدًا إعلاميًا ويضاف للإمكانات المتاحة للإعلاميين، إلا أن اقتراحها تم استبعاده من اللجنة.
تقول نللي “في التسعينات، عندما وضعوا حجر الأساس للمبنى غير المكتمل، فرحنا بما يمكن أن يفتحه لنا من أفق مهني. واليوم، بعد تقاعدي، ما يزال المبنى على حاله”. وأكملت “رُفضت عدة مشاريع لترميم البناء، بعضها برعاية مهرجان الأغنية العربية، وبعضها للاستثمار السياحي. وبقي المكان كما هو: أجهزة منقولة، غرف مهجورة، وأرشيف مهدد بالضياع.”

تسيطر العشوائية والتناقض على المشهد: أجهزة معطّلة، سيارات بث قديمة، أوراق متناثرة في كل زاوية. داخل غرفة الكهرباء والمولدات الكهربائية وفي إحدى الزوايا ، بيانو تآكلت أطرافه وبهت لونه وصمت صوته.
تقول ميرفت “نُغذّي المبنى بخط أمني خاص بالكهرباء، لكن إن حدث عطل في المحطة، ينقطع البث تمامًا”، و تشغيل مولدات الكهرباء يحتاج إلى صيانة وتكاليف باهظة. “وماذا تفعلون حينها؟”، تجيب بابتسامة باهتة : “لا شيء.. ينقطع الصوت، ويصمت الأثير”.
يضم الموقع، بحسب ميرفت، مجموعة مبانٍ صغيرة وغرف متفرقة: غرفة للبث الإذاعي تبث حاليًا محطات حلب ودمشق والثورة والقرآن الكريم، وأخرى للبث التلفزيوني لكنها بلا بث فعلي بعد تحويل الإرسال إلى جامعة حلب، إضافة إلى غرفة كهرباء وغرف محروقات ومبيت وحراس ومستودع. في الساحة تنتصب ثلاثة أبراج: اثنان منها للبث والإرسال، والثالث للاتصالات.
أمام المبنى الذي خرجت منه غارقة بالكثير من التفاصيل، وعلى المنحدر الخارجي، كان الأطفال يلعبون فوق الأرض التي كانت يومًا حديقة خضراء تحيط بمبنى كان يبث صوت المدينة وصورتها. نظرتُ إليهم ثم إلى الأبراج الصامتة فوق الجبل، وراودني شعور غريب بأن هذا المكان، رغم كل ما أصابه، ما زال يحمل صوت حلب الذي لم يخفت تمامًا.. بل ينتظر من يعيد بثّه من جديد.
