فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

بداية جديدة بعمر السبعين.. بعض الأرواح مهما شاخت لا تعرف الاستسلام

سحر زعتور

لا مكان لليأس في قلب هذين الزوجين، أبو محمد سبعيني يعيد بناء ما هدمته الحرب بأدوات بسيطة وأمل كبير

رغم تجاوزهما السبعين من العمر، اختار أبو محمد وزوجته أم محمد العودة إلى مدينتهما كفرنبل، بريف إدلب الجنوبي، بعد سقوط نظام الأسد، في حين بقي أبناؤهما في المخيمات شمالًا. قرر الزوجان مواجهة ظروف الحياة القاسية في مدينة مدمرة وشوارع خاوية إلا من الركام.

عاد أبو محمد إلى كفرنبل، المدينة التي هجّرته الحرب عنها خمس سنوات، ليعيد بناء منزله بنفسه، يقول: “ما زال في العمر بقية للبدء من جديد”. كل يوم يتنقل بين الجدران المتضررة، مستذكرًا ابنه البكر الذي قتل عام 2011، “ملامحه مازالت عالقة في زوايا البيت، أتخيله يتجول معي في كل مكان” يقول بنبرة حزينة.

أبو محمد يتجول في الطرقات القريبة من منزله، 
كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور
أبو محمد يتجول في الطرقات القريبة من منزله، كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور

التقدم في العمر لم يمنعه من العودة لمهنته في صبّ الأسقف والأعمدة، ليمدّ يد العون لمن عاد من جيرانه. ورغم انعدام الماء والكهرباء وغياب الخدمات الأساسية يقضي يومه في أعمال الترميم، ويواصل العمل بإمكانات بسيطة. في البداية، كان يؤمّن المياه من بلدة “البارة” القريبة.

العودة إلى المدينة كانت بالنسبة لأبي محمد بمثابة عودة للحياة، بعد أن عاش في ما يصفه ب “سجن المخيم” لسنوات، محاطًا بالغربة وتشتت العائلة. يزوره أبناؤه من المخيمات أسبوعيًّا، لكن لم يستطع أحد منهم البقاء في المدينة، فقد تحوّلت منازلهم إلى أنقاض.

أبو محمد وزوجته يخططان لاستكمال وإصلاح المنزل بعد تجميع الركام، 
كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور
أبو محمد وزوجته يخططان لاستكمال وإصلاح المنزل بعد تجميع الركام، كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور

كل صباح يتنقل أبو محمد في أرضه، يتأمل الأشجار التي احترقت أو قُطعت، يطعم الدجاجات، يتفقد “الحاكورة” حيث زرع بعض الخضروات بعد عودته، ويستعيد صور الماضي. يشرح ظروف المدينة التي كانت يومًا تضج بالحياة: “لم يسلم شيء من الحرب، الكل تضرر، البشر، الشجر والحجر”. 

أم محمد أيضًا تكيفت مع الحياة البدائية، تعيد إشعال النار لطهي الطعام وإعداد خبز “التنور”، بينما يساعدها زوجها في تجهيز الحطب والنار. زرعت أم محمد الزهور في أحواض وأصص حول المنزل، تسقيها وترعاها، تخطط “سأجعل البيت ينبض بالحياة من جديد، إنه جنتي على الأرض”.

أبو محمد يجهز قالبَ صبّ الأسقف لترميم سقف أحد البيوت، 
كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور
أبو محمد يجهز قالبَ صبّ الأسقف لترميم سقف أحد البيوت، كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور
أم محمد تشعل تنور الجيران لإعداد الخبز، 
كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور
أم محمد تشعل تنور الجيران لإعداد الخبز، كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور
أم محمد تخبز على تنور جيرانها بعد أن هدمت الحرب التنور في منزلها، كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور
أم محمد تخبز على تنور جيرانها بعد أن هدمت الحرب التنور في منزلها، كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور

تلاحق المخاطر حياة السكان في كفرنبل، فالألغام المزروعة في الطرق والأراضي الزراعية تسببت بمقتل ثلاثة أطفال من عائلة مجاورة لأبي محمد، بالإضافة إلى طفل آخر فقد حياته أثناء تنظيف منزله.

تتحدث أم محمد عن المخاطر اليومية التي تواجههم منذ حلول فصل الصيف، قائلة: “كثُرت الأفاعي حولنا، والحشرات تنتشر في كل مكان”. في ظل غياب شبه كامل للبنية التحتية، من ماء وكهرباء ومدارس ومستشفيات، تزداد التحديات يومًا بعد يوم. ورغم ذلك، يتمسك أبو محمد بالبقاء، يعمل بين الركام، يبني في الحجارة أملًا، يضحك و يقول: “بعض الأرواح، مهما شاخت، لا تعرف الاستسلام”.

أبو محمد ينثر البذور للدجاجات لإطعامها، كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور
أبو محمد ينثر البذور للدجاجات لإطعامها، كفرنبل، ريف إدلب، أيار 2025- تصوير: سحر زعتور

قرار العودة إلى المدينة في هذه الظروف لم يكن سهلًا، لكن كل شيء لن يكون أصعب من شعور الغربة عن البيت والأرض حسب وصفهما. لقد اختارا البقاء ليشجعا باقي أهالي المدينة على اللحاق بهما. “عودتنا اليوم شكل من أشكال المقاومة” يقولان بابتسامة لا تفارق وجهيهما.