على أطراف أرضه المتشققة من العطش، يقف المزارع كمال حنجيك، من مدينة أعزاز، يتأمل محصول الكمون الذي كان من المفترض أن يدرّ عليه أرباحًا مجزية مثل كل عام. لكن توقعاته لم تصب هذه المرة، إذ لا أمطار كما كان متوقعاً، ولا حصاد كذلك.
“خسارتي ستتجاوز ثمانية آلاف دولار، نقودي ذهبت مع الريح”، يتمتم كمال بينما يحمل في كفه عيّنة من المحصول الذي لن يغطي نفقات الإنتاج أو إيجار الأرض. “لم أرَ موسمًا بهذا السوء منذ عقود”، يتابع كمال الذي زرع 11 هكتارًا من الكمون بتكلفة 11 ألف دولار، ولم ينتج الهكتار الواحد سوى مائة كيلوغرام بينما كان ينتج طنًّا في سنوات سابقة، أي أقل بنسبة تسعين بالمئة من المتوقع.
مزارعو الكمون في أعزاز وريفها واجهوا موسمًا زراعيًا خاسرًا، تسببت به قلة الأمطار وتغيرات المناخ بخسائر تجاوزت ثمانين بالمئة من إنتاج الكمون، أحد أهم المحاصيل في المنطقة، بحسب المهندس الزراعي أنور شيخ فاضل.
على مدى عشرين عامًا، راكم كمال حنجيك خبرة طويلة في زراعة الكمون، لكنه لم يتخيّل أن يمرّ عليه موسم بهذا السوء. ورغم كل محاولاته لتفادي الخسارة، لم تسعفه الظروف. يقول: “هيّأت التربة، وتابعت مع مهندس زراعي، واستخدمت المبيدات والأدوية، على أمل تحسين الإنتاج، وعوضاً من أن تقلّ الخسائر، زادت التكاليف وازداد الندم”.
تفاوت إنبات.. وتفاوت خسائر
زرع الفلاحون الكمون هذا الموسم في فترات متباعدة. الزراعة التي تمت بعد منتصف شباط كانت الأشد تأثرًا بالجفاف. كما ساهم تأخر الأمطار بتفاوت الإنبات، فظهرت نباتات بطول 25 سنتيمتراً إلى جانب أخرى لم تتجاوز خمسة سنتيمترات، نتيجة تخلخل في النمو وعدم تجانس البذار.
يقول شيخ فاضل: “هذا الموسم من أضعف المواسم إنتاجًا، فبينما كان الهكتار الواحد في السنوات الجيدة يعطي من ستمائة كيلوغرام إلى طن، لم يتجاوز الإنتاج هذا العام ثلاثمائة كيلوغرام”.
بسبب قلة الرطوبة سجل هذا الموسم انخفاضًا في الأمراض الفطرية مقارنة بالسنوات الماضية، ما مكّن بعض الفلاحين من تقليل استخدام مواد المكافحة. لكن، كما يضيف فاضل، “غياب المرض لم يعوّض غياب المحصول”.
محاولات بديلة
في محاولة يائسة لتقليل الخسائر، لجأ بعض المزارعين في ريف أعزاز إلى حراثة الأرض مجددًا وزراعة الحمص عوضاً عن الكمون، لكن التجربة لم تُفلح. يقول فاضل: “إن غياب الأمطار الربيعية، مع ضعف الرطوبة المتبقية في التربة، أدى إلى فشل المحصول البديل تمامًا”.
محمد هنداوي، أحد مزارعي المنطقة، اضطر هو الآخر للتخلي عن محصوله بعد أن تجاوزت خسائره سبعة آلاف دولار. يروي: “في بداية الموسم كانت التوقعات مبشرة. زراعة الكمون معروفة بأنها رابحة، لكن هذا العام تغيّرت كل المعادلات، الإيجارات والتكاليف مرتفعة، والأمطار شحيحة”.
لم يجد هنداوي جدوى من الحصاد، فترك المحصول للمواشي كعلف لتوفير أجور العمال وتكاليف التنظيف. يضيف بنبرة حزينة: “لم أمر بخسارة بهذا الحجم منذ بدأت الزراعة”. ورغم أن الزراعة تمثل مصدر الدخل الأساسي له، إلا أنه قرر التوقف عن زراعة الكمون في المنطقة، ويبحث الآن عن بدائل أو أراضٍ أخرى توفر ظروفًا زراعية أفضل من حيث المياه والبنية التحتية.
أرض تنتظر المطر
تعتمد مدينة أعزاز وريفها على الزراعة البعلية، بنسبة تصل إلى ثمانين بالمائة، ما يجعل المزارعين تحت رحمة المطر. الشتاء الفائت انخفض معدل الهطولات المطرية ليسجل حتى شهر نيسان نحو 229 ملم في مدينة أعزاز، مقارنة بمعدل مفترض يقدّر بما يقارب 498 ملم.
الأزمة لم تكن محلية فقط، بل امتدت لتشمل مختلف المحافظات السورية، إذ سجل موسم 2024-2025 كأحد أسوأ مواسم الجفاف في السنوات الأخيرة. تقارير أممية حذّرت من تفاقم أزمة الأمن الغذائي إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة لدعم القطاع الزراعي وتأمين مصادر المياه.
وبحسب التقديرات، فإن أداء الموسم المطري خلال الفترة من أيلول وحتى نهاية آذار جاء ضعيفًا على مستوى البلاد، مع تسجيل نسب هطول ضئيلة مقارنة بالموسم الماضي، ما ينذر بتأثيرات طويلة الأمد على الزراعة والثروة الحيوانية.
خلل في البذار والتوقيت
إلى جانب شح الأمطار، واجه مزارعو الكمون هذا الموسم تحديات إضافية ساهمت في تراجع المحصول، أبرزها وفق ما يوضحه المهندس الزراعي أنور فاضل، الاعتماد على بذار مستوردة من تركيا تختلف في دورتها الإنتاجية عن البذار المحلية. فبينما يُزرع الكمون السوري عادة في شهر شباط، يحتاج التركي إلى الزراعة في شهر كانون الثاني، الأمر الذي أدى إلى حصاد غير مكتمل، إذ لم تُتم بعض النباتات دورتها النمائية.
يؤكد فاضل أن آذار يُعد الشهر الحاسم في تقرير مصير محصول الكمون، ومع غياب التوقيت المناسب للبذار، خسر كثير من المزارعين فرص النجاح. ويقترح فاضل إجراءات استباقية للموسم المقبل، على رأسها تقديم موعد الزراعة نحو أسبوعين، واختيار بذار أكثر تحمّلًا للجفاف، لمواكبة الواقع المناخي الجديد وتعويض ما لم تحققه مواسم المطر الأخيرة.
غياب الدعم للمزارعين
تكررت مشاهد الخسارة في موسم الكمون لهذا العام، إذ لم يتجاوز متوسط الإنتاج خمسين كيلوغرامًا للهكتار الواحد، بحسب تقديرات مديرية الزراعة في أعزاز، التي أشارت إلى أن إجمالي المساحات المزروعة بلغ نحو 250 هكتارًا.
يقول محمود لحموني، مدير المديرية: “الخسائر كبيرة وتتطلب تدخلاً أوسع، لكن إمكانياتنا محدودة”. ويوضح أن المديرية تسعى إلى التواصل مع المنظمات الزراعية وتقديم الدعم الفني للمزارعين، خصوصًا في رصد الأمراض الفطرية ومتابعة نمو المحاصيل.
لكن الدعم المقدم، كما يشير لحموني، يتركز بشكل أساسي على محاصيل استراتيجية مثل القمح، حيث تُوزع البذار والسماد وتُقدم خدمات المتابعة، ما قلّل من خسائر القمح مقارنة بالكمون، الذي لم يحظَ بأي دعم مماثل. “خسارة القمح اقتصرت على الأرض فقط، أما مزارعو الكمون فخسروا كل شيء”، يضيف لحموني.
تحذيرات أممية
في ظل موسم زراعي متدهور وجفاف غير مسبوق، حذّرت وكالات أممية من أن أكثر من 14.5 مليون شخص داخل سوريا يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي، بينما يواجه نحو 5.4 ملايين آخرين خطر الجوع الشديد، في ظل تراجع الموارد وتدهور سبل العيش، خاصة في المناطق الزراعية المتضررة مثل ريف حلب الشمالي.
وأكدت الوكالات أن الأشهر الممتدة من تشرين الأول 2025 حتى منتصف عام 2026 قد تشهد مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة لتدارك الوضع. ودعت إلى تحرّك سريع يشمل تحسين وصول المزارعين إلى مياه الري، وتوفير مستلزمات زراعية عالية الجودة بشكل مبكر، إلى جانب دعم تغذية المواشي وتلقيحها، والعمل على ترميم البنية التحتية الزراعية المتضررة بسبب الجفاف والإهمال المتراكم.
وشدّدت الوكالات على أن دعم المزارعين يجب أن يتم بشكل فوري، ليس فقط لمجابهة الأزمة الراهنة، بل أيضًا لضمان استقرار الإنتاج الزراعي في الموسم المقبل (2025–2026)، بما يستوجب تنسيقًا جادًا بين المجتمع الدولي والحكومة السورية والجهات المحلية المعنية.
الموسم الذي لم يأتِ
في عامٍ سجّل أحد أسوأ معدلات الجفاف، لم تُنتج الحقول سوى خسائر متراكمة. الكمون، الذي كان يومًا مصدر رزق موثوق، تحوّل إلى عبء ثقيل على كاهل الفلاحين، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع زراعي قاسٍ. كمال حنجيك ومحمد هنداوي، و عشرات المزارعين في ريف أعزاز، لم يحمل لهم موسم الكمون هذا العام سوى الخيبة.
