بالقرب من دوار “حمود العبد” وسط مدينة دير الزور، يقف فراس علوش، 34 عامًا، صباح كل يوم إلى جانب شبان آخرين امتهنوا توصيل الركاب والطلبات باستخدام دراجاتهم النارية. يراقب المارة ذهابًا وإيابًا استعدادًا لاصطياد أي زبون قد يلوّح له.
فراس، الذي كان مجندًا سابقًا في جيش نظام الأسد، وجد في الدراجة النارية وسيلةً يعيل بها عائلته، “الدراجة لم تعد ترفًا، بل ضرورة ومصدر رزق”، يقول فراس بينما يمرر يديه على مقدمة الدراجة وكأنه يدلل حيوانًا أليفًا: “أُوصل الزبون بعشرة آلاف ليرة سورية فقط (دولار تقريبًا)، بينما السيارة تطلب منه أربعين ألفًا”.
لكن ما يراه فراس باب رزق صار في نظر آخرين بابًا للفوضى، بعد أن غزت الدراجات شوارع المدينة عقب سقوط نظام الأسد من دون أي تنظيم أو ضوابط، وأصبحت أداةً للسباق، والتشفيط، وأحيانًا للتحرش أو ارتكاب الجرائم.
تضارب مصالح
مع عودة أهالي المدينة دخل عدد من سائقي الدراجات النارية إلى سوق توصيل الركاب، فسرعتهم في التنقل وانخفاض أجورهم مقارنة بسيارات الأجرة ووسائط النقل العامة جعلت منهم خيارًا شعبيًا، وبالتوازي أصبحت هذه الدراجات مصدر رزق رئيس لبعض العائلات، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
فراس الذي كان يعمل بتمديد الكهرباء فترة خدمة العلم الإلزامية ليؤمّن مبلغًا شهريًّا يدفعه للضابط المسؤول عنه مقابل بقائه في المدينة، تنفس الصعداء بسقوط نظام الأسد، واستأنف عمله في مجال الكهرباء، وبدأ باستخدام الدراجة النارية كمصدر دخل إضافيّ يستطيع من خلاله سداد ديونه المتراكمة.
لكن في الوقت الذي يرى فراس وزملاؤه من سائقي الدراجات النارية، في عملهم ضرورة اقتصادية، يتحدث سائقو سيارات الأجرة عن خسائر متراكمة وتراجع دخلهم اليومي بسبب منافسة غير عادلة.
يقول الأربعيني رائد العبود، سائق سيارة أجرة: “خسرت نسبة كبيرة من زبائني بسبب مضاربة أصحاب الدراجات، أجورهم أقل لأن تكلفتهم التشغيلة أقل”، لذا يطالب وزملاؤه سائقي السيارات بتنظيم أدوار هذه المركبات.
يتأمّل العبود سيّارة من نوع سابا يعمل عليها ويتقاسم الغلّة مع صاحبها، ثم يشرح كيف كانت غلّة سيّارة الأجرة تجني ضعف غلّة اليوم، كثير من الزبائن يتجهون للدراجات النارية وبالكاد يركب معي زبون كل ساعة أو ساعتين.
شوارع أم مضمار سباق
المشهد الذي بات مألوفًا اليوم، لسائقي دراجات نارية دون خوذ، معظمهم أطفال ومراهقون، يمرون بسرعة جنونية قرب سوق شعبي أو حديقة مزدحمة بعد أن تحولت معظم شوارع المدينة، مثل شارع نادي الضباط وشارع المياه والبريد إلى حلبات سباق واستعراض العضلات في التشبيب والحركات البهلوانية، فبات الخروج اليومي مشقةً وخطرًا يقلق الأهالي على أبنائهم ويقيّد تحركاتهم.
لهذا السبب تقف ريم الخلف (اسم مستعار لمعلمة أربعينية) قبل خروجها رفقة بناتها إلى الحديقة العامة في دير الزور، عند باب البيت لتلقنّ بناتها تعليمات عبور الطريق: “أمسكن حقائبكنّ جيدًا حتى لايسرقها سائق دراجة نارية طائش، وامشينَ خلف بعضكنّ البعض، نريد أن نتنزه لا أن نكون ضحايا الحوادث المرورية”.
بدأت ريم وأرباب أسر التقيناهم في دير الزور يربطون الخروج من المنزل بسلسلة مخاوف نتيجة الفوضى المرورية التي تسببها الدراجات النارية في الشوارع والساحات.
“جمال المدينة لم يعد كافيًا للشعور بالراحة فالتوتر يرافقنا في نزهاتنا”، تقول ريم مؤكدة أن الخوف لم يعد محصورًا بخروج البنات فقط، بل يشمل ابنها الصغير ذي السنوات العشر، الذي تخشى عليه من الحوادث المرورية المتزايدة.
“يمرّون كلمح البصر” تقول إيناس الفيصل، مهندسة تعمل في إحدى الدّوائر الحكوميّة وأم لطفلين، معاوية ومحمد، 17 و 10 سنوات.
قبل أيام تعرض الطفلان لحادثين منفصلين في اليوم نفسه. تقول: “في البداية جاء معاوية عند السّاعة الحادية عشر صباحًا يعرج والدّم يملأ بنطاله وأخبرني بأنّ درّاجة نارية أصابته. أما محمد فصدمته درّاجة ثانية عند ذهابه إلى بيت جدّه في الحي المجاور. لم تكن إصابته خطيرة، ولكن الصدمة تسببت له برعب شديد وأضرار في درّاجته الهوائيّة التي كان يقودها”.
ما قبل التحرير.. ومابعده
قبل سقوط نظام الأسد، لم تكن الدراجات النارية غائبة عن شوارع دير الزور، لكنها كانت أقل عددًا وأكثر خضوعًا للضوابط القانونية. إذ كان يُشترط على سائقيها الحصول على ترخيص رسمي وامتلاك شهادة سياقة، ومن يخالف يُعرّض نفسه لغرامات مالية، حجز المركبة، وربما السجن.
لكن تلك القوانين، رغم صرامتها نظريًا، لم تكن تُطبق بعدالة على أرض الواقع، المال والواسطة كانتا كفيلتين بإخراج المخالف من التوقيف، فيما يُترك الفقير للمحاسبة.
أحمد الويسي، شاب من مدينة دير الزور، يستعيد ذكرى مؤلمة من عام 2020 حين دفع ثمن دراجة نارية “غير مرخصة” ليستخدمها في تنقلاته اليومية، ولم يتوقع أن الأمر سينتهي به موقوفًا ومُهانًا.
يقول أحمد: “خلال فترة قصيرة من امتلاكها، أوقفتني دورية اقتادتني إلى المركز، وهناك تعرّضت للضرب والإهانة لأيام، قبل أن تتمكن عائلتي من تأمين خروجي بدفع رشوة قدرها خمسين ألف ليرة، مايعادل 16 دولار حينها، عبر وسيط يعرف أحد العناصر”.
اليوم، تخلّص الأهالي من قبضة عناصر نظام الأسد والميليشيات المنتشرة في المنطقة، لكنّ الخوف لم يغب عن الشوارع، فالازدياد العشوائي في أعداد الدراجات النارية ضمن شوارع المدينة المحدودة الناجية جزئيًا من الدمار بعد سقوط نظام الأسد، فاقم من الاختناقات المرورية، ورفع معدلات الحوادث.
أول ما يلفت انتباه المتجول في مدينة دير الزور هو انتشار الدراجات النارية الواسع في أحيائها، يرجع سائقون التقيناهم السبب إلى زوال الحواجز التي كانت تبتز السكان وترهب الشبان باقتيادهم إلى خدمة العلم الإلزامية، وإلى انخفاض سعر الدراجات غير المرخصة والسماح لها بالدخول والتجول في المدينة، فسعر دراجة يابانية الصّنع ذات جودة متوسطة من نوع بارت عيتاني مثلًا، انخفض من عشرة ملايين ليرة سورية كانت تعادل 650 دولار تقريبًا، إلى ثلاثة ملايين وتعادل اليوم 300 دولار تقريبًا.
الضجيج أيضًا حوّل شوارع دير الزور، خاصة المناطق الحيوية مثل سوق سينما فؤاد وشارع الوادي، إلى مصدر إزعاج للسكان وتحوّل بعضها إلى مسرح لحالات التحرش والسرقة، ينفذها البعض مستغلين سرعتهم للفرار دون مساءلة.
أطفال يدفعون ثمن الفوضى
تحكي ملاك عيسى (اسم مستعار)، وهي ممرضة في مشفى وائل الهويدي بمدينة دير الزور، عن المشاهد المؤلمة التي باتت جزءًا من يومياتها، تقول: “معظم ضحايا حوادث السير الذين نستقبلهم في المستشفى هم من الأطفال، إمّا بسبب دهسهم أو نتيجة قيادتهم بأنفسهم لدراجات نارية”.
يوم الأربعاء 18 أيار، نُقل إلى المشفى طفل يبلغ من العمر عشر سنوات كان يقود دراجة نارية قبل أن يصطدم بـ صهريج محروقات لاذ سائقه بالفرار وتمكّنت قوى الأمن من إلقاء القبض عليه لاحقًا، لكنّ الطفل فارق الحياة بعد دقائق من وصوله. “وضعه كان حرجًا جدًا، ولم نستطع إنقاذه” تقول ملاك.
تضيف: “أرواح أولادنا في خطر حقيقي. هذا الاستهتار لم يعد يُحتمل، وعلى الجهات المسؤولة أن تتحرك فوراً. قبل أيام فقط، اكتشفت أن ابني، 12عامًا، خرج دون علمي وقاد دراجة صديقه. الأطفال باتوا يقلّدون بعضهم البعض، ولم يعد من السهل على الأهل السيطرة عليهم، ما لم تستعد الدولة هيبتها وتفرض قوانين صارمة تحمي المجتمع من هذه الفوضى”.
قرارات تنفذ ببطء
مع بداية شهر تمّوز أصدرت قيادة شرطة دير الزور قرارًا بمنع دخول الدراجات النارية إلى سوق سينما فؤاد والشارع الممتد من دوار حمود العبد إلى المركز المصرفي، تحت طائلة الحجز. لكنّ القرار لم يُنفّذ فعليًّا على الأرض بشكل حازم.
فالمتجول في أكثر الأسواق ازدحامًا (سوق سينما فؤاد وشارع الوادي) يرصد استمرار حركة الدراجات النارية بكثافة. ورغم تطبيق القرار مؤقتًا خلال فترة عيد الأضحى، فإن عودة هذه الدراجات للتجول بحرية لاحقًا أعاد المشكلة إلى واجهة المشهد، في ظل غياب الرقابة المستمرة والتطبيق الجاد، لتبقى الفوضى المرورية والخطر على المارة واقعًا يوميًا في شوارع المدينة.
تطبيق القرار يؤثر على سائقي الدراجات النارية الذين يعتمدون عليها كمصدر دخل، مثل فراس الذي يخشى من مخالفة القرار فيمتنع عن إيصال الزبائن أو الطلبات إلى الأحياء المذكورة، يوضح فراس أن المشكلة تكمن بقيادة المراهقين دون رخص، يصدرون الضجيج، ويتسابقون في الشوارع، ما يهدد سلامة المارة، ويضرّ حتى بالعاملين. “من غير المنطقي منع الدراجات كليًّا. لو حددوا تراخيص وأماكن وفرضوا مخالفات على المستهترين، لتحسن الوضع”.
نجدت محمد الصالح، مدير النقل والمواصلات في دير الزور، صرح لفوكس حلب أنه سيتم افتتاح مديرية النقل عما قريب من أجل ترخيص المركبات ومنح تراخيص عمل لأصحاب الدراجات العاملة، فالمبنى القديم تعرض للنهب والسرقة بعد سقوط نظام الأسد. وأوضح الصالح أن مديرية النقل تسيّر أمور المواطنين في المحافظة بعد افتتاحها منذ أيام لمبنى مؤقت ريثما يتم إعادة تفعيل المبنى الرئيسي.
وعود بتكثيف الجهود
رئيس فرع المرور في دير الزور، عمار سليمان كبيش، أكد لفوكس حلب أن الفرع يواصل بشكل يومي تنفيذ قرار منع دخول الدراجات النارية إلى شارع سينما فؤاد والطريق الواصل بين دوار حمود العبد والمصرف المركزي، مشيرًا إلى حجز 87 دراجة نارية ارتكبت مخالفات وحوادث مرورية وتحرير مخالفات بحق 76 أخرى خلال شهر أيار وحده.
وأوضح كبيش أن شرطة المرور تُنسق مع قيادة الشرطة في المدينة لتسيير دوريات مشتركة على مدار الساعة في حملة بدأت منذ التّاسع من يونيو الحالي، رغم التحديات المتعلقة بقلة عدد العناصر والآليات المتوفرة.
كما كشف أنه تم تسجيل 20 حالة وفاة، وأكثر من 100 إصابة بين أضرار مادية وجسدية جميعها ناجمة عن حوادث دراجات نارية. وفي ختام تصريحه، وعد كبيش أن فرع المرور في المدينة سيواصل الجهود للحد من ظاهرة انتشار الدراجات النارية المخالفة، خاصة في المناطق المزدحمة، ضمن الإمكانات المتاحة.
من وسيلة نقل إلى أداة جريمة
منذ سقوط نظام الأسد، لم تقتصر خطورة الدراجات النارية على الفوضى المرورية أو الحوادث المميتة فحسب، بل تحولت في بعض الحالات إلى أداة لتنفيذ جرائم قتل، غالبًا ما تكون بدوافع الثأر أو خلافات شخصية.
ففي الثاني عشر من شهر حزيران من العام الحالي قتل محمود جاسم العبدالله 37 عامًا، على يد مجهولين يستقلون دراجة ناريّة. في تلك اللحظة كان محمود يمارس عمله في دكّان الحلاقة بحيّ العمّال بصحبة أطفاله الثلاثة، تقول شقيقته سميّة إنّ أخاها قتل غدرًا وظلمًا بسبب خلاف مع أحد الأشخاص، “استغلّ ذلك الشّخص فرصة الإنفلات الأمني وقتل أخي أمام أطفاله”.
لم تكن هذه الجريمة الوحيدة التي استخدم منفذها الدراجة النارية في تنقله، بل تتكرر حوادث مشابهة كل فترة. الجناة يفضّلون استخدام الدراجات النارية لسرعتها وقدرتها العالية على المناورة، ما يسهّل عليهم الهروب من موقع الجريمة والاندماج بين المارة والازدحام.
كما يوفّر غياب لوحات التسجيل الرسمية، وقيادة الدراجة بوجه ملثّم، فرصة لمرتكبي الجرائم لتنفيذ فعلتهم دون التعرّف عليهم، مما يجعل مهمة تعقبهم أكثر تعقيدًا على الجهات الأمنية.
في دير الزور تتحرك الدراجات في كل اتجاه، بعضها يحمل خبزاً وبعضها رعباً، وبينهما يعيش الأهالي في انتظار نظام يعيد المكان آمناً للجميع.
