فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أبو حبيب.. رحلة طبابة شعبية في دير الزور

سوزان العلي

قصة هذا الرجل تسلط الضوء على معالجين غير مختصين ومرضى لا يملكون خيارًا سوى الوثوق بهم

يتنقل القرباطي أبو حبيب، الرجل الخمسيني، بين القرى الموزعة على ضفتي نهر الفرات في ريفي دير الزور الشرقي والغربي، وصولًا إلى أحياء المدينة. يحمل حقيبته الجلدية قاصدًا زبائنه لمعالجة أسنانهم.

العلاج عند أبي حبيب وترتيب المواعيد لا يحتاج إلى عيادة ولا سكرتارية، ولا يتطلب سوى اتصال هاتفي يتخلله اتفاق على المكان والموعد ومفاوضات على التكلفة. المعاينة الأولى للتشخيص المبدئي تكون مجانية، ثم يدفع المريض عربونًا لشراء مستلزمات الجلسات التالية. “علاج الأسنان في العيادات الطبية أصبح في السنوات الأخيرة من الرفاهيات التي لا يقدر عليها سوى قلّة من السكان” تقول أم أنس، إحدى زبائن أبي حبيب.

جلسة أولى.. على ضوء ولاعة

في إحدى الجلسات التي حضرتُها، كانت الخمسينية “أم أنس” والتي فقدت جزءًا من أسنانها تسعى لتفصيل تركيبة أسنان أو مايعرف محليًا باسم “بدلة”. أثناء معاينة فكيها اشتكت أم أنس من رائحة السجائر المنبعثة من يدي أبي حبيب الذي لم ينزعج من طلبها بغسلهما، ثم بدأ بترتيب أدواته، وأشعل ولاعته ليعاين فمها على ضوئها.

وعندما سألته عن طريقة تعقيم أدواته، أجاب بثقة: “الكلور، بعد كل معاينة”. تم الاتفاق على السعر، وأودعت أم أنس عربونًا عنده لبدء العلاج.

أبو حبيب اثناء تركيبه بدلة اسنان لسيدة في مدينة دير الزور، أيار 2025.
أبو حبيب اثناء تركيبه بدلة اسنان لسيدة في مدينة دير الزور، أيار 2025.

فقر.. وهجرة أطباء

تعكس حالة أبي حبيب صورة الاعتماد على الطب الشعبي لعلاج الأسنان في محافظة دير الزور، في مكان خسر فيه معظم السكان منازلهم وأعمالهم نتيجة الحرب. ومع تدهور الأوضاع المعيشية، وتدني متوسط دخل الفرد، باتت الخدمات السنية من الكماليات.

إذ يغطي راتب الموظف الحكومي السوري، الذي يعادل نحو عشرين دولارًا شهريًا، أقل من 15% من تكلفة السلة الغذائية الأساسية لعائلة مكونة من خمسة أفراد، والتي تبلغ 136 دولارًا. ترافق ذلك مع هجرة شبه جماعية للأطباء المهرة منذ عام 2011 إلى دول الخليج وتركيا وأوروبا، تاركين خلفهم فراغًا ملأه أطباء جدد وصفت أم أنس من زارتهم منهم بأنهم “يفتقرون للخبرة”.

في الوقت الذي تبلغ تكلفة قلع سن واحد نحو خمسين ألف ليرة سورية (قرابة خمسة دولارات)، وسحب العصب أربعمائة ألف ليرة (نحو أربعين دولار)، تتجاوز تكلفة “التلبيسة” نصف مليون ليرة، أي نحو ضعفي راتب موظف حكومي، ما يدفع كثر إلى طرق العلاج الشعبي للتخلص من أوجاعهم ومعالجة أسنانهم.

ورغم وجود مراكز تابعة لجمعيات خيريّة في مدينة دير الزور، مثل “مركز هزّاع” و”مركز سارية”، إلّا أنّ هذه المراكز لا تقدّم خدمات متكاملة، وتقتصر خدماتها على قلع الأسنان وسحب العصب ولأعداد محددة يوميًا.

جميع هذه المسببات دفعت شريحة واسعة من النّاس في المحافظة للبحث عن بدائل مثل السّفر إلى محافظات أخرى (دمشق وحلب) لاستكمال العلاج، أو تركيب التلبيسات عند القرباط ممن تعلّموا هذه المهنة وتوارثوها أبًّا عن جد.

من الهند إلى الفرات

تتعدد الروايات حول أصل القرباط، لكن أكثرها شيوعًا ما ورد في كتاب الدكتور علي الجباوي في كتابه “عشائر النور في بلاد الشام” بأنهم أهم عشائر الغجر، وتعود تسميتهم بهذا الاسم نسبة إلى مكان قدومهم من جبل “الكاربات في أوروبا”. بينما يرجع آخرون أصلهم إلى مدينة قربط في الهند التي هاجروا منها واستوطنوا في سوريا والعراق وتركيا.

أبو حبيب يؤكد هذه الرواية، مضيفًا أن أبناء عشيرته يعملون في مهن حرفية مختلفة، أبرزها تركيب الأسنان، وبيع المسابح، وأعمال يدوية أخرى، بينما تعمل النساء بالتبصير وقراءة الكف.

التجارة أيضًا من الأعمال التي يمتهنها رجال من القرباط، ورغم عدم امتلاكهم بطاقات شخصية رسمية، إلا أنهم يتعاونون مع شركاء من غير القرباط في التجارة، في ظل عقبات قانونية تمنعهم من تسجيل الممتلكات بأسمائهم.

يخبرنا أبو حبيب أنه وجميع إخوته وأبناء عمومته يعملون بمهنة تركيب الأسنان، وأنهم يحظون بشعبية لدى الزبائن ويمتلكون مهارات متقاربة، “توارثنا المهنة عن جدّي، إلّا أننا طورناها نتيجة تعاملنا مع المختبرات السّنية الّتي تمدّنا بجميع احتياجاتنا، فأصبحنا نركب جميع أنواع التلبيسة، مثل الخزف، والذهب”.

زبائن أبي حبيب تجاوزوا حدود المحافظة، وكثيرًا ما يسافر لخدمة زبائن في الحسكة والرّقة أيضًا. كما أن معظم مرضاه من كبار السن، ويرفض معالجة الأطفال أو من يعانون من أمراض مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم وداء السكري ما لم يكن العلاج مقتصرًا على تركيبة أسنان، فهو يخشى حدوث مضاعفات لا يمكنه السيطرة عليها مثل النزيف، ويُقرّ بأنه ليس طبيبًا بل معالجًا بالخبرة والممارسة.

بين الرضا وخيبة الأمل

يروي أبو حبيب أنّ تسعين بالمئة من زبائنه من كبار السّن، منهم من يقصدونه بعد مراجعتهم لطبيب أسنان. أم سليمان، مسنّة من مدينة دير الزّور في نهاية العقد السّادس من عمرها، لجأت إليه لتركيب جسر لأسنانها الأماميّة وتركيبة أسنان لفكّها السفلي، وذلك بعد فترة علاج استمرّت نحو عامين زارت فيها طبيبها في مدينة دير الزّور عشرات المرات وكانت تضطرّ للانتظار لفترات طويلة في كل زيارة، نحو ساعتين على الأقل، دون مراعاة لصحّتها وكبر سنّها.

الجسر الّذي ركبّه على الأسنان الأمامية في الفك العلوي كان يسقط في كلّ مرّة بعد فترة قصيرة من تركيبه، الأمر الذي تكرر عند متابعتها العلاج لدى طبيب آخر في المدينة نفسها. وفي نهاية المطاف قررت اللجوء إلى أبي حبيب الّذي رشّحه لها أحد أقاربها.

تقول هذه السيدة إن سوء معاملة الطبيب لها وعدم استجابته لشكواها المستمرّة من الجسر الذّي يتسبب لها بآلام لا تطاق، كان السبب بتوجهها للعلاج عند أبي حبيب، خاصة أن الطّبيب أصبح يتعمد إبقاءها في قاعة الانتظار لفترات طويلة لـ “تنفيرها”.

خسرت أم سليمان ما يزيد عن ثمانية ملايين ليرة سورية (نحو ثمانمئة دولار)، وكانت على وشك السفر إلى دمشق للعلاج بتكلفة تصل إلى عشرة ملايين ليرة (نحو ألف دولار)، عندما نصحها أحد الأقارب بالعلاج عند القرباط. “ركب لي الجسر الأمامي بمليوني ليرة فقط، وكانت النتيجة أفضل”، تقول أم سليمان. ورغم أنها لم تتأقلم مع البدلة للفك السفلي، لكن أبو حبيب وعدها بإعادة تصنيعها أو إرجاع المال إذا استمر عدم رضاها.

رغم شعور أم سليمان بالرضا عن نتيجة الجسر الأمامي الدائم الذي حصلت عليه أخيرًا، لم تحظَ أم أنس بالنتيجة ذاتها. فبعد بدء العلاج، توقّف أبو حبيب عن الرد على اتصالاتها، ما جعلها عاجزة عن استكمال الجلسات. وبما أنه معالج جوّال لا يمتلك عيادة يمكن مراجعتها، لم يتبقَّ لها سوى رقم هاتف لم يعُد مجديًا. وهكذا، علّقت أملها على مصادفة عابرة في أحد شوارع المدينة، قد لا تأتي أبدًا.

أمراض شائعة

 منظمة الصّحة العالمية ذكرت في تقرير لها أنّ نصف سكّان العالم يشكون من أمراض الفم، إذ يعيش ثلاثة من كل أربعة أشخاص مصابين بها في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدّخل، ويعد تسوس الأسنان (نخر الأسنان) وأمراض اللثة الوخيمة وفقدان الأسنان وسرطانات الفم أكثر أمراض الفم شيوعًا.

ويمثّل تسوس الأسنان غير المعالج الحالة الصحيّة الأكثر شيوعًا على الصّعيد العالمي، ويصاب به ما يقدر بنحو 2.5 مليار شخص. وتشير التقديرات إلى أن أمراض اللثة الوخيمة من الأسباب الرئيسة للفقدان الكامل للأسنان، وتصيب مليار شخص في العالم.

ما بين الحاجة والتحذير

نجود عيسى طبيبة أسنان من محافظة دير الزّور تعمل في أحد المراكز الحديثة، تقول “إن عمل القرباط في علاج الأسنان أمر في غاية الخطورة. معظم هؤلاء المعالجين ليس لديهم الدراية الكافية بكيفية التّعامل مع مشاكل اللثة والأمراض الجسدية الّتي يمكن أن يكتشفها طبيب الأسنان من خلال معاينة المريض مثل الأورام وأمراض القلب”.

ولأن علاج الأسنان بشكل خاطئ يؤثر على صحّة الإنسان عمومًا وليس فقط على صحّة الأسنان والفم، يمكن للمعالج غير المتخصص أن يتسبب بانتشار العدوى بين المرضى ويتسبب لهم بمشاكل صحيّة أخرى.

مجموعة أسنان يعمل أبو حبيب في تركيبها للزبائن، أيار 2025.
مجموعة أسنان يعمل أبو حبيب على تركيبها للزبائن في مدينة دير الزور، أيار 2025.

تتفهم هذه الطبيبة دوافع الأهالي الذين اضطروا للاعتماد على بدائل خلال حصار تنظيم الدولة الإسلامية للمدينة بين عامي 2015 و2019، حين أجبر غياب الأمان والاستقرار العديد من الأطباء على الرحيل. لكنها تؤكد أن “الأمر لم يعد مقبولًا الآن”، وتدعو الحكومة إلى دعم عودة الأطباء المختصين، وتنظيم مهنة طب الأسنان، والحدّ من انتشار الممارسات العشوائية التي قد تؤدي إلى “عواقب وخيمة”.

أما طبيب الأسنان سليمان الجاسم من ريف حماه الغربي فقد أكد في تقرير سابق لفوكس حلب على أن لجوء الأهالي لعلاج الأسنان شعبيًًا ينطوي عليه خطورة كبيرة، إذ يعتمد المعالِج على استخدام مادة “الإكريل المحمى” وهي مادة تلصق على السن، دون تحضير أو مراعاة للحالة التشريحية للثة أو العلاجية للسن الذي توضع فوقه التلبيسة، ما قد يؤدي إلى عفونة السن أو خلل إطباقي بالفك، أو تهتك الأنسجة اللثوية حول السن المحضر، وأحيانًا ينتج عن هذه الأخطاء تآكل بالعظم أو آلام شديدة تلحق بالمريض.

أما التعقيم بالحرارة فيصفه الجاسم بـ “غير المجدي” كونه لا يقتل جميع الميكروبات، بالإضافة لتأكسد الأدوات بسبب غاز ثاني أكسد الكربون الذي يتشكل بفعل الاحتراق، وهو ما يؤدي للإصابة بالعديد من الأمراض التي تنتقل عن طريق الفم واللعاب، مثل التهاب الكبد الوبائي والسل وغيرها.

يبقى أبو حبيب، بما يقدّمه من خدمات، حلًّا مؤقتًا وسط واقع متأزم، فتتباين الآراء حوله بين من يراه منقذًا، ومن خاب أمله بتجربته. لكن المؤكد أن وجوده ووجود أمثاله من “ممتهني علاج الأسنان غير المختصين” يكشف عن ثغرات عميقة في منظومة الرعاية الصحية، يتحول فيها الحق بالعلاج إلى أمر مرهون بظروف الحرب والعوز والاضطرار.