تتكدس الحقائب في زاوية إحدى غرف السكن الجامعي الضيقة في مدينة حلب، بينما يجمع الطالب علي الطهاوي، القادم من اللاذقية، أشياءه مع زملائه الخمسة القادمين من درعا وحمص وحماة ودمشق وحلب. يشربون كوب الشاي الأخير وسط مزاح تتداخل فيه لهجاتهم. بعد انتهاء العام الدراسي الحالي يستعد الطلاب لطي صفحة عام كامل أثبتت فيه المعايشة اليومية قدرتها على تفكيك الصور النمطية، وتحويل الخلافات والمخاوف الأولى إلى صداقة راسخة.
قبل عام، دخل الشبان الستة الغرفة بحذر وتصورات مسبقة عن مدن بعضهم البعض. غير أن تفكيك تلك الأفكار فرضته تفاصيل صغيرة، إبريق متّة مشترك، تقسيم المهام بين من استلم الطهي، “شيف الغرفة” وآخر تولى مهمة مسؤول الشاي، وتوضيب المكان، أما غسيل الصحون فتحسمه لعبة “حجر ورقة مقص”، وسهرات امتحانات تمتد حتى الفجر. ومع الوقت، تسللت مفردات كل محافظة إلى قاموسهم اليومي.
يقول علي إن ما كان يسمعه قبل دخوله السكن عن أبناء بعض المحافظات، لم يصمد كثيراً أمام المعايشة، ويضيف: “بعد روتين المواقف اليومية، تبخرت تلك الأفكار والقوالب الجاهزة عن تلك المحافظات، لأن ما رأيته في زملائي لم يكن مرتبطاً بالمكان الذي جاؤوا منه، بل بما كانوا يملكون من صفات وطباع إنسانية”.
“لكن الصداقة لم تظهر في جلسات الشاي والامتحانات فقط” يقول علي ، ففي إحدى الليالي قرابة الساعة العاشرة أو الحادية عشر، كان صديقه سعيد القادم من درعا، في النادي عندما أُصيب في ساقه، ولم يستطع أن يضع قدمه على الأرض، ولم يكن أمام رفاقه وقت للتفكير، فتكاتف ثلاثة أو أربعة منهم وحملوا سعيد على أكتافهم، وساروا به نحو المستشفى.
في تلك المسافة لم تعد أسماء المحافظات مهمة، لم يكن هناك شاب من درعا يحتاج إلى مساعدة وشبان من حلب واللاذقية ودمشق وحماة وحمص يساعدونه، كان هناك رفيق أُصيب ومجموعة من رفاقه حملوه حتى وصل إلى المستشفى. يقول علي: “كان هذا الموقف ببساطة ما يجب أن يفعله الأصدقاء، لكن تلك الليلة أعتبرها واحدة من الذكريات التي تختصر كيف تحولت علاقتنا تدريجياً من مشاركة غرفة إلى الوقوف معاً خارجها”.
قصة علي وأصدقائه واحدة من قصص طلاب كثر يقيمون في السكن الجامعي، ففي كل عام تستقبل المدن الجامعية آلاف الطلاب القادمين من مختلف المحافظات السورية، وخلف كل باب لا تبدأ حكاية إقامة جديدة فحسب، بل لقاءات وتجارب لم تكن لتحدث لولا الجامعة والسكن الجامعي.
قصص السكن الجامعي لم تبدأ كلها بالطريقة نفسها، فقبل سنوات، دخلت ديانا العلي إحدى غرف السكن الجامعي في دمشق وهي تحمل مفتاحاً يحمل الرقم 522. كانت تعرف أن شريكتها في الغرفة قادمة من حلب، فيما كانت هي من القامشلي.
تتذكر ديانا أن الأسبوع الأول مرّ بحذر شديد، تحية مقتضبة وابتسامات عابرة ومسافة واسعة بين الطرفين. كانت عائلتها قد نصحتها بتجنب المشكلات ووضع حدود واضحة في التعامل مع زميلاتها، فبقيت العلاقة رسمية، وكأن كل واحدة منهما تنتظر انتهاء فترة الإقامة.
ثم بدأ التقارب بكأس شاي، ثم بأغنية اكتشفتا أنهما تحفظان كلماتها، وبعدها بليلة امتحان طويلة تقاسمتا فيها القلق والتشجيع. تفاصيل صغيرة كهذه كانت كافية لتتراجع الأسئلة التي دخلتا بها إلى الغرفة، وتحل محلها معرفة مباشرة بالآخر.
اكتشفت كل واحدة أن الأخرى تشتاق إلى أهلها بالطريقة نفسها، وتضحك لأسباب مشابهة، وتحمل مخاوفها وطموحاتها الخاصة. وبعد التخرج بسنوات، لم تعد العلاقة مجرد ذكرى من أيام الجامعة، وكلما وقع حدث أمني في مدينة إحداهما، كانت الأخرى من أوائل من يتصل للاطمئنان على صديقتها وعائلتها.
ولا تزال ديانا تحتفظ بمفتاح غرفتها القديمة الذي يحمل الرقم 522، تقول ديانا: “هذا المفتاح لم يعد يفتح باب أي غرفة، لكنه بقي شاهداً على علاقة بدأت بالحذر وانتهت بصداقة، وعلى صور نمطية احتاجت وقتاً لتتكون، بينما احتاج تفكيكها إلى فنجان شاي وأغنية وأيام عادية تحت سقف واحد”.
ولا تتوقف حكايات السكن عند حدود المدن القريبة، فأحياناً تكون المسافة بين الطالب وبيته مئات الكيلومترات، كما حدث مع عامر النجم، طالب الهندسة الكهربائية القادم من الحسكة إلى اللاذقية.
غادر عامر مدينته من أجل الدراسة، لكنه وجد في السكن ما لم يكن جزءًا من خطته: أصدقاء جعلوا الغربة أقل قسوة، ومدينة أحبها إلى درجة أنه قرر الاستقرار فيها بعد التخرج. كان أكثر ما يقلقه المسافة التي ستفصله عن والدته، فهو شديد التعلق بها ويعرف أنّ انتقاله إلى اللاذقية سيضع بينهما مئات الكيلو مترات ويجعل الاشتياق جزءًا من أيامه الجديدة.
في الوحدة السكنية، لم يكن عامر وحده القادم من الحسكة، حوله طلاب من دير الزور والرقة ودمشق وحمص وحماة، ثم اتسعت دائرة معارفه لتشمل طلاباً من حلب وطرطوس واللاذقية ودرعا والسويداء، اختلفت اللهجات والعادات، لكن ذلك لم يمنعهم من العيش معاً.
“في هذا المكان لا أحد يكره أو يميز الآخر، على العكس نتعامل كلنا كإخوة”، يقول عامر، بلهجته التي لم تفارقه، ولم يحاول تغييرها ليتشبه بمن حوله، فهو يعتبر أن التقارب لا يعني أن يتخلّى أحد عن طريقته أو عاداته، بل أن يجد مكاناً لها بين الآخرين. وعن زملائه يقول: “أوقات المرض يتكاتفون ليشعروني بالأمان، وأوقات الحزن يقفون بجانبي. صاروا أخوتي وأعتبرهم عائلتي”.
ومع الوقت، تغيرت علاقته بالمدينة التي جاء إليها طالباً. لم تعد اللاذقية بالنسبة إليه محطة مؤقتة تنتهي بانتهاء الدراسة، بل مكاناً قرر أن يبني فيه حياته. يقول: “لم أكن لأكتشف غيري من أبناء المحافظات الأخرى وأنا في الحسكة”.
خارج غرف السكن، تبدو المسافات بين المدن واضحة على الخريطة. الحسكة بعيدة عن اللاذقية، ودرعا بعيدة عن حلب، واللهجات تحمل معها تاريخ المنطقة، وتفاصيل صغيرة تحمل عاداتها وخصوصيتها.
لكن داخل الغرفة، تتغير طريقة قياس المسافة، ولا يعود الطالب مضطراً إلى تخيل الآخر من خلال ما سمعه عنه. يصبح الآخر شخصاً يراه كل صباح، يعرف كيف يحتسي الشاي، وماذا يفعل عندما يتوتر، وما الطعام الذي يشتاق لتناوله في منزله، وكيف يتصرف عندما يمرض أحد زملائه.
غير أن هذه الصورة الإنسانية البراقة للتعايش لا تخفي الوجه الآخر الأشد قسوة لواقع السكن الجامعي، إذ لا تقف التحديات عند حدود التكيف الاجتماعي، بل تتعداها إلى بيئة خدمية متهالكة تضع الطلاب أمام اختبارات يومية معقدة.
فإلى جانب ضغط الاكتظاظ الذي يفرض إقامة خمسة إلى ستة طلاب في غرفة واحدة بين الجدران المتهالكة، واقع خدمي يثقل كاهلهم، وعليهم خلق الفرص المناسبة لتجاوزها كمجموعات.
ولهذا فإن ما يحدث في غرف السكن الجامعي يتجاوز قصص الصداقة الفردية، فالغرف التي تجمع طلاباً من محافظات وبيئات مختلفة تصبح من دون تخطيط مسبق، نماذج مصغّرة لمجتمع يستطيع أن يكشف المشترك بين أفراده بعيداً عن الصور المسبقة التي يحملها كل طرف عن الآخر.
لا يعني ذلك أن الخلافات تختفي. فالغرف المشتركة تعرف نقاشات حول النظافة والنوم والطعام والضوضاء والخصوصية، وقد تتحول أحياناً إلى مشادات صغيرة. لكن حتى هذه الخلافات تضيف طبقة أخرى إلى العلاقة، إذ يتعلم سكان الغرفة كيف يضعون حدوداً ويتفاوضون ويتنازلون ويعودون إلى الحياة المشتركة.
بالنسبة لعلي ورفاقه، قد تنتهي السنة بإغلاق باب الغرفة وتوزيع الحقائب على السيارات والحافلات المتجهة إلى المدن المختلفة، لكن ما حدث داخلها لا ينتهي بالمغادرة. فالغرفة التي جمعت ستة شبان من مدن مختلفة لم تغيّر عناوينهم، لكنها غيّرت شيئاً في الطريقة التي يرون بها بعضهم.
