يطلق طه، 42 عاماً، المعروف بين جمهور نادي أهلي حلب لكرة السلة بـ”جابو المدرجات”، الهتافات من إحدى زوايا صالة الشهباء في حي الجميلية. تجيبه عشرات الأصوات من مختلف المدرجات، وتتداخل الهتافات مع أصوات الطبول والتصفيق، فيما ترتفع الأعلام الحمراء، بألوان النادي، فوق الرؤوس.
في الصالة تبدأ المباراة قبل ساعات من صافرة الحكم، حين يدخل المشجعون تباعاً، يحجزون أماكنهم ثمّ يُخرجون ما جهّزوه من “لافتات وخيوط وطبول وزمامير” كما لو أنهم يرتبون منزلاً يحفظون كل زاوية داخله.
أنشئت الصالة في ستينات القرن الماضي، وافتتحت رسمياً عام 1978 باسم “صالة الأسد الرياضية”، قبل أن يصبح اسمها “صالة الشهباء”. تتسع لنحو 3500 متفرج، لكن العدد لا يكفي دائماً لجمهور يصل قبل ساعات من المباريات لتأمين مكان، فيما يبقى آخرون خارجها أو يجلسون على المدرّج المزدحم.
أقيمت في الصالة مئات المباريات والفعاليات، ومع السنوات أصبحت جزءاً من ذاكرة الرياضة والمدينة معاً. يقول طه إن “أجيالاً من المشجعين تعاقبت على مدرجاتها، وتكررت فيها الطقوس، وأُلفت الهتافات والأغنيات، حتى صار الجمهور يحفظ وجوه بعضه بعضاً من كثرة اللقاءات”.
“هي بيتنا”، يقول طه. بعض المشجعين دخلوا الصالة أطفالاً رفقة آبائهم، ثم عادوا إليها شباباً، واليوم يصطحبون أبناءهم إلى المكان نفسه. وحتى أماكن الجلوس، بحسبه، تنتقل أحياناً بين أفراد العائلة، فيجلس الابن حيث اعتاد والده أو أخوه الأكبر الجلوس.
في الشهباء، كان كل شيء قريباً: اللاعب من الجمهور، والمشجعون من بعضهم، والصوت من مصدره. يستطيع المتفرج سماع ارتطام الكرة بالأرض، وأصوات اللاعبين وحديثهم وانفعالهم وفرحهم. وتنتقل الهتافات بسرعة بين المدرجات حتى تتوحد الأصوات. ولم تكن العلاقة دائماً هادئة، فالفرح قد يتحول أحياناً إلى شجار، وفي مرة أخرى قد يتقاسم شخصان الطعام من دون معرفة سابقة.

في صالة الشهباء، كان كل شيء قريباً: اللاعب من الجمهور، والمشجعون من بعضهم، والصوت من مصدره. يستطيع المشجع سماع ارتطام الكرة بالأرض، وأصوات اللاعبين وحديثهم وانفعالهم وفرحهم، فيما تنتقل الهتافات سريعاً بين المدرجات حتى تتوحد الأصوات والنغمات. ولم تكن الأجواء هادئة دائماً؛ فالفرح كان يتحول أحياناً إلى شجار، وفي أحيان أخرى إلى تقاسم الطعام بين شخصين لا معرفة سابقة بينهما.
لهذا كله يصف طه، وغيره ممن تحدثنا إليهم، صالة الشهباء بالبيت، مكان يشعرون فيه بالراحة، لأنهم عرفوا زواياه، وحفظوا أصواته، وصنعوا داخله عاداتهم.
صالة الحمدانية بيت أوسع
في كانون الأول من عام 2021، وفي الطرف الجنوبي الغربي من مدينة حلب، افتتحت صالة الحمدانية بعد أكثر من عقد ونصف على إطلاق مشروعها، لتكون أكبر صالة رياضية مغلقة في المدينة، بسعة بلغت 7964 مقعداً.
المباراة الأولى التي أُقيمت في الشهر ذاته، بين ناديي “الاتحاد”، الذي عاد اسمه إلى أهلي حلب عام 2022، و”الجيش”، حملت للمرة الأولى جمهور كرة السلة الحلبي بأعداده ولافتاته وطقوسه إلى الصالة الجديدة، فامتلأت المدرجات والأرض والمساحات المطلة عليها.
في صالة الحمدانية أرضية باركيه جديدة، ومدرجات ترتفع في طبقات متتالية، وسقف عال يترك للصوت مساحة ليتردد صداه بين الجدران، إضافة إلى شاشات إلكترونية وتجهيزات تقنية حديثة. رغم ذلك، بدت الصالة الجديدة الواسعة أصغر من جمهورها.
علاقة جديدة بدأت تتشكل بين الجمهور وصالة الحمدانية. صار طه يعرف المكان الذي سيشغله فيها، ووجد محمد أصدقاءه، وحضر ياسين يحمل طبله قبل المباراة بوقت طويل. أحدهم يثبت لافتة بين المقاعد، ومشجع آخر يعلّق علماً، فيما ينظف آخرون المدرج ويجهزونه قبل وصول بقية الجمهور، بحسب محمد كلزية، أحد المشجعين.
تتباعد المسافات أحياناً بين الجماهير، وتغص الصالة في أحيان أخرى، فيتحول المدرج إلى كتلة حمراء تحيط بأرضية الملعب. يتذكر طه وجود أكثر من 13 ألف متفرج في مباراة جمعت الأهلي بفريق الحكمة اللبناني، ولا يعرف كيف اتسع المكان لكل هذا العدد، لكن “بيت الضيق يسع ألف صديق”، على حد قوله.
صالة الحمدانية ملجأ للأهالي
في السادس من شباط 2023، فتحت صالة الحمدانية أبوابها للهاربين من الزلزال الذي ضرب المدينة، وضمّت نحو 1200 عائلة. لم يدخلوا هذه المرّة بالقمصان الحمراء للتشجيع، بل بما استطاعوا حمله من بطانيات، بحثاً عن مكان آمن. بالنسبة إلى طه، كان المشهد ثقيلاً، إذ تحوّلت الصالة إلى ملجأ للباحثين عن الأمان، وتحول الجمهور إلى متطوعين لتلبية احتياجات العائلات.
عادت الصالة لاحقاً إلى نشاطها، قبل أن تخرج عن الخدمة في الثاني من كانون الأول بعد تعرّضها لقصف خلّف أضراراً كبيرة. سقط السقف المعدني وانفتحت المدرجات على السماء، وتحطمت مقاعد وأجزاء من المنشأة، وتضررت أرضية الملعب والشاشة الرئيسية.
يصف طه ما آلت إليه صالة الحمدانية بعد قصفها، وكيف أصبحت عاجزة عن استقبال جمهورها، ويقول: “لم يعد هناك سقف يجمع الهتاف ويردده من طرف الصالة الآخر، ولا شاشة ينظرون إليها عقب كل هجمة، ولا أرضية يطؤها اللاعبون”.
وفقاً لأحمد الإمام، مدير مديرية الرياضة والشباب في حلب، بدأت أعمال إعادة تأهيل الصالة بإزالة الأنقاض، ثم انتقلت إلى المرافق الصحية والكهرباء والأعمال الخشبية والسقف المعدني، إضافة إلى أنظمة السلامة ومكافحة الحرائق والمراقبة والصوت والشاشات والإنارة والطاقة والتكييف.
وبحسب بلال عندان، مدير المنشآت الرياضية في حلب، “حددت مديرية الرياضة والشباب شهر آذار من عام 2027 موعداً متوقعاً لإنجاز التأهيل كاملاً، ومن المتوقع الانتهاء من تركيب السقف منتصف كانون الأول القادم”.
إلى الشهباء مرّة أخرى
إلى أن تستعيد صالة الحمدانية سقفها ومدرجاتها، عادت كرة السلة الحلبية وجماهيرها إلى صالة الشهباء، التي أعيد افتتاحها في آذار الماضي بعد أعمال صيانة وتأهيل شملت أرضية الملعب والمرافق الداخلية وأنظمة الإضاءة.
غصّت الصالة مرة أخرى بمشجعيها عند كل مباراة للأهلي، وعاد الجمهور إلى عادته في الوصول مبكراً، خصوصاً أن أعمال الصيانة لم تشمل المقاعد المهترئة، التي ما يزال قسم منها بلا مسند للظهر أو بفرش ممزق. كما تزيد درجات الحرارة المرتفعة، في ظل غياب التكييف والازدحام، من صعوبة متابعة المباراة.
داخل الصالة، استخدم المشجعون قطعاً من الكرتون للتخفيف من الحر، وبدّل آخرون أماكنهم بحثاً عن مكان أقل حرارة. لكن ما إن تبدأ المباراة حتى تُنسى هذه التفاصيل ويبدأ الهتاف.
سبقني إلى الصالة، التي وصلت إليها قبل ساعات من مباراة ناديي الأهلي والوحدة، ياسين عاصي، أحد أعضاء رابطة المشجعين، ورفاقه. كانوا يجلسون على الأرض ويخططون لما سيفعلونه.
شغّل أحدهم القدود الحلبية من هاتفه، ورسم آخر صورة لاعب، فيما كتب ثالث لافتة تحمل اسم الأهلي. دارت بينهم أكواب الشاي وفطائر الزعتر، ودارت معها التوقعات بشأن النتيجة واللاعبين.
لكل شخص منهم مهمة يعرفها: الرسم، والخياطة، وإعداد اللافتات، وتنسيق الزمامير والهتافات. كانوا خليطاً من الطلاب وأصحاب المهن، ومن صغار وكبار في السن. تختلف أعمارهم وحياتهم خارج الصالة، لكن هذه الفوارق تتراجع داخلها.
محمد كلزية، 20 عاماً، أحد المشجعين الذين بدأت علاقتهم بالصالة في الطفولة، حين اصطحبه والده إليها. يقول: “أول مرة شفت الأهلي، أخدت ألوانه عقلي”. كبر محمد وبقيت الصالة حاضرة في حياته. يأتي قبل المباراة بساعات، يرسم صور اللاعبين ويخيطها ويعلق اللافتات، ثم ينظف المكان ويساعد رفاقه. ويتذكر مباراة لم تكن الصالة فيها جاهزة، وكان احتمال تأجيلها قائماً، لكنه ورفاقه “نزلوا إلى الصالة ونظفوها ورتبوها وأقيمت المباراة في موعدها”.
لا يرى محمد وأصدقاؤه فيما يقومون به عملاً إضافياً، فـ”الصالة ليست مكاناً ندخل إليه خلال المباراة، ساعتين ونذهب، هي جزء من حياتنا”. يقول ذلك وهو يحدثني عن غرفها وخزائنها وحماماتها وزواياها ومقاعدها، ويخبرني أنه سيصطحب ابنه إليها مستقبلاً كما فعل والده معه.
غير بعيد عن محمد، ينشغل عبد الحمصي، 36 عاماً، باللافتات. يخبرني أنه يشجع الأهلي ويجهّز لمبارياته منذ عام 2007، وأنه تعلّم مع السنوات إعداد اللافتات واختيار أماكن تعليقها.
أمسك عبد اللافتة التي كتبها بيده، وتسلق الحديد ليثبتها في أعلى المدرجات. أشار إلى أن هذا هو المكان الأفضل كي يراها الجمهور، فيما ساعده آخرون في الإمساك بها وتعليقها ومراقبة موضعها.
ويؤكد ياسين عاصي، 25 عاماً، أن “الصالة بيتهم”. يقول إن تفاصيل صغيرة تجمعهم: الطعام، وكؤوس الشاي، واليد التي تمتد للمساعدة من دون طلب، وحتى الخلافات التي تنتهي بعد دقائق، كأنهم عائلة واحدة.
ولـ”بوكا”، 35 عاماً، قصة أخرى. يحمل الأهلي معه أينما ذهب، داخل المدرجات وخارجها؛ تزين أعلام النادي سيارته، ويرتدي في معصمه سواراً يحمل اسم النادي. يقول إن “الأهلي حياة يعيشها كل يوم”.
أما سائق التكسي الذي أوصلني إلى الصالة، فكان هو الآخر من جمهور الأهلي “المتعصبين له”، على حد قوله. أخبرني أن الأهلي حاضر في حياته منذ كان في الخامسة، وأنه ما يزال إلى اليوم يترك عمله حين يحين موعد المباراة ويتجه إلى الصالة، حتى إنه اختار لابنته اسم “اتحاد”، وهو الاسم الذي حمله النادي منذ سبعينات القرن الماضي.
بدأت المباراة
الأشياء التي أعدت في الصباح ظهرت بصورتها النهائية، ارتفعت اللافتات الممدة على الأرض، وصور اللاعبين، وانتقلت الزمامير بين أيدي المشجعين، مع بداية المباراة.

وقف طه يراقب حركة الجمهور، وأمسك ياسين بالطبل، فيما هتف كلزية وردّد الجمهور وراءه: “هي يالله وهي يالله.. منصورين بعون الله”. عند نهاية المباراة، جمع طه ورفاقه كل ما صنعوه واحتفظوا به لمباراة قادمة. وحين التفتُّ إلى يد طه، كان وشمه “كلنا فداك يا الأهلي” حاضراً، مثل سوار بوكا الذي يحمل اسم النادي.
تتغير الصالات، وتسقط الأسقف، وتهترئ المقاعد والمدرجات أو تتكسر. يغادر الجمهور أماكنه ويعود إليها، أما مشجعو الأهلي فيحملون بيتهم معهم، وكلما انتقلوا إلى مكان آخر أعادوا بناءه بالأصوات والطقوس والذاكرة.
أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة
