يقف أحمد الحمصي، 36 عاماً، في مقدمة طابور طويل أمام باب صالة الشهباء، ممسكاً ببطاقته التي دفع ثمنها 25 ليرة سورية جديدة، منتظراً دوره للدخول، إذ يصل المشجعون قبل ساعات من موعد المباراة بداية لضمان مكان لهم داخل المدرجات، بينما يبقى آخرون في الخارج بعد أن تمتلئ الصالة.
خلف باب الصالة يقف العشرات من مشجعي ناديي الأهلي والوحدة، بعضهم يرتدي قميص الأهلي، وآخرون يحملون أعلاماً ورايات، يتبادلون الحديث عن المباراة، وعيونهم تراقب حركة الصف لمعرفة كم بقي أمامهم من أشخاص للدخول.
كان أحمد أوفر حظاً من الآخرين، إذ دخل مبكراً وجلس في مقعد من الجهة اليمنى للمدرجات، قريباً من أرضية الملعب، يقول “لم يكن اختياري عشوائياً، الوصول قبل المباراة بثلاث ساعات منحني فرصة الاختيار، قبل أن تمتلئ المقاعد ويصبح البحث عن مكان داخل الصالة أصعب”.
الساعة حوالي الثامنة مساءً، أي قبل ساعة ونصف الساعة من الموعد المحدد لانطلاق مباراة الوحدة والأهلي، المدرجات تعيش أجواء المباراة قبل انطلاق الصافرة، الأعلام تتحرك فوق الرؤوس، واللون الأحمر يملأ المقاعد، الطبول تضرب بإيقاع متواصل، فيما تتداخل معها أصوات المزامير والتصفيق والهتافات التي لا تهدأ.

تقع صالة الشهباء في حي الجميلية وسط حلب، حملت سابقاً اسم صالة “الأسد الرياضية” مثل معظم المنشآت العامة والرياضية في عهد الأسدين، أنشئت في ستينيات القرن الماضي، وهي ثاني أكبر صالة رياضية داخلية في حلب، تتسع لـ 3500 متفرجاً، وافتتحت رسمياً عام 1978، لتصبح على مدى عقود أحد أبرز الأماكن التي تستضيف منافسات كرة السلة في المدينة، قبل أن تنتقل الأضواء لاحقاً إلى صالة الحمدانية الأكبر. رغم ذلك، بقيت الشهباء جزءاً من ذاكرة الرياضة الحلبية، واستضافت لسنين بطولات ومباريات محلية وعربية.
عاد الجمهور إلى صالة الشهباء مجدداً، بخروج صالة الحمدانية الرياضية عن الخدمة خلال سنوات الحرب، وتعرضها لأضرار كبيرة من بينها تدمير سقفها بالقصف. وفي أواخر عام 2025، بدأت أعمال الصيانة وإعادة التأهيل، يوضح أحمد الإمام، مدير مديرية الرياضة والشباب في حلب، أن أعمال تأهيل صالة الحمدانية بدأت في تشرين الأول العام الماضي وأنهت مرحلة إزالة الأنقاض.
يقول الإمام لفوكس حلب إن الأعمال الحالية تتركز على ترميم المرافق الصحية والكهرباء والأعمال الخشبية، إلى جانب تجهيز السقف المعدني وتركيبه متوقعاً أن تنتهي أعمال التأهيل في آذار 2027، مشيراً إلى أن المشروع تم بإشراف شركة الراقي للإنشاءات.
بالنسبة لأعمال تركيب السقف المعدني لصالة الحمدانية يقول بلال عندان، مدير المنشآت الرياضية في حلب، إنها ستبدأ خلال الأيام المقبلة، موضحاً أنها من أصعب مراحل المشروع، وأضاف أن الورش حالياً تعمل على أنظمة السلامة ومكافحة الحرائق، وأنظمة المراقبة والصوت والشاشات، إلى جانب أعمال الإنارة والكهرباء والطاقة والتكييف، ومن المتوقع الانتهاء من تركيبه بحلول 15 كانون الأول 2026.
إلى حين الانتهاء من تجهيز صالة الحمدانية التي تعد أكبر صالة رياضية مغلقة في سوريا بسعة 7964 مقعداً، تبقى صالة الشهباء الوجهة الوحيدة لمحبي كرة السلة في حلب، حيث أجريت لها أعمال تأهيل وصيانة في آذار من العام الجاري، شملت أرضية الملعب والمرافق الداخلية وأنظمة الإضاءة.

بعد تأهيل الصالة استأنفت دورها سريعاً في استضافة الأنشطة والمنافسات الرياضية، فاحتضنت هذا العام بطولة حلب للشطرنج للرجال في نيسان، و استضافت اختبارات الأحزمة الملونة في رياضة التايكواندو، إضافة إلى منافسات كرة السلة، من بينها مباريات نهائي الدوري السوري لكرة السلة لموسم 2025–2026 بين الوحدة وأهلي حلب، وسط حضور جماهيري كبير.
في المباراة التي قامت بين ناديي الوحدة والأهلي في الخامس من آب الجاري، ومع امتلاء المدرجات بالمشجعين، وارتفاع درجات الحرارة داخل المكان، أصبح الجلوس لساعات طويلة أكثر صعوبة مع انعدام وجود أجهزة تبريد أو مراوح لتخفيف حرارة الطقس، سامر النجار، 42 عاماً، لم يكن المشجع الوحيد الذي يمسك بيده قطعة كرتونية بيده يلوح فيها كمحاولة لتبريد الجو، ويمسح باليد الأخرى جبينه المتصبب عرقاً بين الحين والآخر، يقول إنه غير وضعية جلوسه أكثر من مرة بحثاً عن مكان أقل حرارة، فيما وقف آخرون للحظات كي يلتقطوا أنفاسهم، قبل أن يعاودوا الجلوس في مقاعدهم.
يتكرر هذا المشهد في معظم المدرجات ثم يختفي للحظات عندما يرتفع الهتاف أو تمرّ لقطة مفاجئة داخل الملعب، قبل أن يحركوا قطع الكرتون من جديد مع اشتداد الحر. بينما يستخدم آخرون الأعلام التي يلوحون بها لتشجيع فريقهم المفضل بالطريقة نفسها.
خارج صالة الشهباء، يصر من بقي من المشجعين على متابعة المباراة بعدما امتلأت المدرجات، لكنهم يعرفون ما يحدث في الداخل من أصوات الجمهور، يقفون في الخارج ويتابعون المباراة بطريقة غير معتادة، لا شاشة أمامهم، ولا مقعد ينتظرهم، ولا رؤية مباشرة للملعب، فقط أصوات تسمع من خلف الجدران وتخبرهم بنتيجة كل هجمة.
يرتفع الهتاف فجأة، ويعلو صوت التصفيق وتقرع الطبول، يعرف من في الخارج أن فريق الأهلي سجل نقطة، فتتجه الأنظار نحو باب الصالة بحثاً عن تأكيد لما حدث، أما عندما يأتي هتاف أقصر أو زمور متقطع، فيعرفون أن الوحدة سجلت هدفاً.
الازدحام وقلة عدد المقاعد ليس التحدي الوحيد الذي واجه الحضور، فأثاث المقاعد القديم المهترئ لا يوفر الراحة للجالسين، يقول الخمسيني عبدو أبو علي، أنه جلس على مقعد مغطى بقطعة قماش زرقاء باهتة، لم يكن له ما يسند ظهره عليه، حاول أبو علي أن يغيّر طريقة جلوسه أكثر من مرة، ثم وقف للحظات ومدّد ظهره قبل أن يعود إلى مكانه، بعدما بدأ الألم يظهر من الجلوس على المقعد الصلب.
وفي مقاعد أخرى تمزقت أقمشتها ظهرت أجزاء من الإسفنج وانبعثت منها رائحة تشبه العفن، تخرج من الإسفنج القديم وتبقى عالقة في المكان، تزداد مع ارتفاع الحرارة و امتلاء الصالة بالجمهور. لم يخفِ أبوعلي وبقية الحضور انزعاجهم منها، فابتعد عن المقعد وحاول تغطية أنفه للحظات قبل أن يعود لمتابعة المباراة، لم تكن هذه حالة مقعد واحد، فقد بدت المقاعد متشابهة في قدمها وتهالك فرشها.
في أعلى مدرجات الصالة، وجدت سيدات مكاناً للحضور، إذ تمكنت مريم وصديقاتها، من الجلوس في الصف الأخير تقريباً، للابتعاد عن الازدحام، ومتابعة مباريات فريق الأهلي الذي تشجعه، بدت المدرجات أشبه بكتلة واحدة من جمهور معظمه من الشباب والرجال، تقول إن عدد الفتيات اللواتي يحضرن المباريات في الشهباء يبقى قليلاً مقارنة بعدد الرجال.

ترجع مريم ذلك إلى افتقار الصالة إلى مرافق صحية بحالة جيدة تجعل تجربة حضور المباراة للسيدات أكثر صعوبة، توضح أن الحمامات بعضها متهالك ولا يبدو صالحاً للاستخدام بالشكل المطلوب، ومنها ماتحول إلى مكان لوضع الكراكيب والأغراض، التي تحتل مرافق يجب أن تكون متاحة للجمهور خلال المباريات.
بالنسبة إلى مريم، لا تبدو هذه التفاصيل بسيطة، بل تصبح أكثر تعقيداً عندما تقضي الفتاة ساعات داخل صالة مزدحمة، تبحث عن مقعد مناسب، ومساحة للحركة، ومرفق يمكن استخدامه بسهولة.
ليست النساء من تشعر أن الصالة غير مجهزة لاستقبالهن فحسب، إذ لا توفر الصالة أماكن مخصصة لشريحة ذوي الإعاقة من الجمهور الراغب بحضور المباراة، فعلى أرضية الملعب، وخلف المكان المخصص لفريق الهلال الأحمر، جلس عدد من الأشخاص على كراسيهم المتحركة يتابعون المباراة من هناك.
يقول من قابلناهم إن الممرات الضيقة تجعل الوصول إلى المقاعد بالكرسي المتحرك أمراً شاقاً، وتصبح حركة الكرسي المتحرك في المكان المزدحم أكثر صعوبة، اختيار موقع مناسب لمتابعة المباراة أمر مرتبط بالمساحة المتاحة في لحظة الوصول.
عودة صالة الشهباء إلى العمل لم تعنِ أن كل شيء فيها أصبح مناسباً لاستقبال أعداد كبيرة من الجماهير، فبينما استعادت أرضية الملعب نشاطها وامتلأت المدرجات بالمشجعين، بقيت مشكلة المساحة والمقاعد والتهوية والمرافق حاضرة داخل التجربة اليومية للجمهور، ويظهر الخلل بوضوح من أعداد القادمين إليها قبل ساعات من المباراة بحثاً عن مكان.
