فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

Aleppo

شوارع لا تنصفهم.. ذوو الإعاقة محرومون من حقهم في تنقل آمن

رهف ضعيف

أرصفةٌ مرتفعة، ووسائل نقل غير مهيأة، وحفر منتشرة في الطرقات، ومؤسسات ومرافق عامة تفتقر لممرات آمنة، عوائق تحد من قدرة مئات آلاف السوريين من ذوي الإعاقة على الوصول إلى العمل والمدرسة والجامعة والخدمات العامة أو حتى إلى عيادة الأطباء

يرفع محمد حمّو يده عالياً كلما أراد عبور الطريق ليلفت انتباه السائقين إلى كرسيه الكهربائي المنخفض، يتحرّك بحذر على يمين الطريق ليسير بمحاذاة السيارات من منزله في دارة عزة بريف حلب إلى وجهته باحثاً عن طريق أقل خطورة، حتى لو اضطر لقطع مسافة أطول.

يتلفّت، ليتأكد إن كان السائق قد رآه فعلاً، ويتوقف بالقرب من الرصيف المخصص للمشاة، ينظر إليه للحظة ثم يكمل سيره، إذ لا يوجد منحدر له يسمح لمحمد بالصعود أو النزول دون مساعدة المارة.

يستعيد محمد، البالغ من العمر 42 عاماً، موقفاً ما يزال عالقاً في ذاكرته منذ أسابيع، أثناء سيره بكرسيه الكهربائي على يمين الطريق، حين بدأت سيارة مسرعة بتجاوز سيارة أخرى أمامه، ولم ينتبه السائق لوجوده إلا في اللحظة الأخيرة.  يقول “صوت المكابح واحتكاك الإطارات بالإسفلت ما يزال عالقاً في ذهني”. تنهد قليلاً ثم ابتلع غصته، وأكمل “كان قريباً مني وكاد أن يصدمني لولا لطف الله”.

التنقل على الطرقات العامة واستقلال المواصلات، حق غير متاح لذوي الإعاقة في معظم المدن السورية وشوارعها. الحافلات والأرصفة غير مهيأة لتسهيل حركتهم، ولا ممرات آمنة يمشون عليها ما يجعلهم مضطرين للسير بين السيارات، رغم المخاطر.

يشكو محمد من شلل رباعي أقعده عن الحركة، منذ ما يزيد عن عشرين عاماً، وحصر خياراته بين التنقل باستخدام كرسي كهربائي للمسافات القصيرة أو سيارته الخاصة التي يقودها شقيقه وجهّزها لتناسب حالته الصحية للمسافات البعيدة.

يخبرنا محمد أن ما يملكه من خيارات للتنقل، لا يستطيع دفع تكاليفها كثر من ذوي الإعاقة، إذ تتراوح أسعار الكراسي الكهربائية بين 375 إلى 4 آلاف دولار، حسب جودتها وميزاتها، أما السيارات فتزيد عن هذه التكلفة بضعفين أو أكثر.

امتلاك كرسي كهربائي لا يعني سهولة استخدامه، فصعود الرصيف أو النزول منه دون مساعدة أحد المرافقين أمر مرهق وخطير، خاصة أن وزن بعض الكراسي قد يصل إلى نحو مئة كيلوغرام. يقول محمد “أحياناً أحتاج مساعدة لرفع الكرسي، وكثيراً ما أتجنب المحاولة بالكامل وأفضل السير تحت الرصيف”.

لا بديل عن السير في الشارع لكثير من أصحاب الكراسي المتحركة، ولكن في كل مرة هناك خطرٌ محتمل من السيارات المسرعة والدراجات النارية. يقول من تحدثنا إليهم من ذوي الإعاقة، إن “الطرقات ليست من حقهم، ولا توجد أي وسيلة آمنة مخصصة لهم في الطرقات والأرصفة والأسواق”.

مطلع شهر آذار الماضي، أعادت حادثة وفاة عزالدين السيد عيسى، من أهالي مدينة إدلب، أثناء تنقله على كرسيه المتحرك في إحدى طرقات المدينة، ملف غياب البنية التحتية المهيأة لضمان حق ذوي الإعاقة في الوصول الآمن إلى الطرقات والأرصفة والمرافق العامة، إذ خسر عز الدين حياته في حادث سير، كان يمكن تجنبه لو توفرت الوسائل الآمنة التي تكفل لهم حق الحركة والتنقل بأمان في الطرقات.

ويعد التنقل الآمن حقاً أساسياً مكفولاً في المواثيق الدولية، منها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تؤكد في مادتها التاسعة على ضرورة ضمان إمكانية الوصول إلى البيئة المادية والطرق والمرافق العامة ووسائل النقل والمعلومات، بما يتيح لذوي الإعاقة العيش باستقلالية والمشاركة الكاملة في المجتمع.

ومن بين التدابير التي نصت عليها المادة التاسعة أن تراعي المرافق والخدمات المتاحة إمكانية وصول ذوي الإعاقة إليها، وتوفير لافتات بطريقة برايل وبأشكال يسهل قراءتها وفهمها في المباني العامة والمرافق الأخرى المتاحة لعامة الجمهور، إضافة إلى توفير المساعدة البشرية والوسطاء، مثل المرشدين والقراء ومفسري لغة الإشارة، لتيسير إمكانية الوصول إلى المباني والمرافق الأخرى ونشر هذه المعايير والمبادئ ورصد تنفيذها.

تدابير وإجراءات يصفها ذوي الإعاقة  بـ “الغائبة” عن معظم المؤسسات والمرافق الخدمية العامة والخاصة في سوريا، وتساهم إلى حدٍ كبير في إقصائهم عن المشاركة في الحياة العملية والمجتمعية وتدفع معظمهم للبقاء حبيسي منازلهم.

لا تتوقف الصعوبة عند حدود الشارع، بل تمتد إلى الدوائر الحكومية والمرافق العامة والمؤسسات مثل المخفر والنفوس والمشافي والمدارس والجامعات غيرها من الأماكن التي غالباً ما تكون المدرجات فيها هي المدخل الوحيد للمواطنين، دون تخصيص ممرات خاصة وآمنة لذوي الإعاقة منهم.

يروي محمد أنه احتاج في مبنى النفوس إلى أن يُحمل وهو على كرسيه المتحرك لاستخراج أوراق ثبوتية تستدعي وجوده شخصياً، مؤكداً أن هذا الأمر يتكرر في مواقف مشابهة ما يفاقم شعوره بالعجز والقهر. يقول “أحتاج المساعدة عند الحصول على أي معاملة بسيطة وكثيراً ما أحتاج وجود شخصين قويين لحملي”.

محمدٌ واحدٌ من نحو 2.6 مليون شخص من ذوي الإعاقة في سوريا، بحسب تقرير الاحتياجات الإنسانية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا  عام 2023. في حين ذكر تقرير سابق لمنظمة الصحة العالمية بشأن الإعاقة بتعرض كثيرٌ من ذوي الإعاقة للخطر بسبب عجزهم عن الوصول للخدمات الأساسية والتنقل الآمن.

ومن بين هؤلاء، الطالب عبد الرحيم الحلبي، والذي يسلك في كل يوم طريقاً متعباً من قريته “السلوم” في ريف حلب الغربي إلى مكان دراسته في كلية الصيدلة بجامعة حلب، أو إلى عمله في صيدلية في دارة عزة بريف حلب.

على كرسيه المتحرك، يقطع عبد الرحيم الطريق غير المهيأ  يومياً بمساعدة أصدقائه أو أحد المارّة. المواصلات العامة تحدّ آخر يعيشه عبد الرحيم، فـ “قطع مسافة سبعمئة متر من المنزل إلى الشارع العام مشقةٌ يوميةٌ محرجة، إضافة لتعرضه إلى مواقف مزعجة من قبل أصحاب المركبات العامة الذين يطلبون منه الإسراع في الصعود والنزول من الحافلة، ناهيك عن نظرات الشفقة والعبارات التي تشعره بالضيق”، على حدّ قوله.

أمّا عبور الطرق السريعة (الأوتوسترادات)، فيصفه عبد الرحيم  باللحظات الأكثر خطورة في يومه، إذ يضع يده على قلبه في كل مرّة يجتازها حتى يصل إلى الطرف الآخر من الطريق، وهو يدعو الله أن “يراه السائقون للتخفيف من سرعتهم”.

تسبّبت مشكلات الطرق الوعرة والحفر والحجارة الصغيرة بسقوط عبد الرحيم مرّات عديدة عن كرسيه المتحرك، تاركة آثارها على جسده من رضوض وكسور، لكنّها لم تثنيه عن إكمال دراسته، حيث يبدأ فصل جديد من مشكلات ذوي الإعاقة.

في جامعة حلب، القاعات والمدرجات غير مهيأة لاستقبال الطلاب من ذوي الإعاقة، والمصعد متوقف عن العمل، ما يفرض على عبد الرحيم وبقية الأشخاص من ذوي الإعاقة طلب مساعدة أصدقائهم للوصول إلى المكان.  يتكئ عبد الرحيم على أكتاف اثنين من أصدقائه، يحملانه درجة درجة للوصول إلى الطابق الذي يضم قاعة المحاضرات، ومن ثم يحتاج لصديقين آخرين لإنزاله بعد انتهاء المحاضرة.

في العام الماضي، حصل عبد الرحيم على المركز الأول في دفعته، لكن “شعوراً ثقيلاً بالعجز ينمو في داخله”، يقول “نحن لا نطلب المستحيل، وجود منحدرات تخدمنا في الجامعات والمستشفيات والطرقات والدوائر الحكومية والمؤسسات الخدمية، تسهل حركتنا وتزيد مشاركتنا في المجتمع سواء في الدراسة أو العمل”.

يصف أحمد زيدان، عضو في التحالف المدني للأشخاص ذوي الإعاقة بمحافظة إدلب، ما يواجهه ذوو الإعاقة في سوريا بـ “شكل من أشكال الإقصاء المجتمعي”، موضحاً أن “حق الوصول للتعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة الاجتماعية، لا يرتبط بالإعاقة بحد ذاته بقدر ما يرتبط بالبيئة المحيطة ومدى جاهزيتها”.

وتعزل “الطرقات غير المهيأة، ووسائل النقل غير المناسبة والمباني التي لا تحتوي منحدرات أو مصاعد، ذوي الإعاقة  عن جزء كبير من الحياة العامة وتحرمهم من فرص متكافئة مع الآخرين”، بحسب زيدان.

ويحدد زيدان معايير أساسية لضمان بيئة مناسبة لذوي الإعاقة، من وجود أرصفة ومنحدرات آمنة وسهلة الاستخدام، ووسائل نقل عامة مجهزة، وإشارات ولوحات واضحة تراعي المكفوفين وضعاف السمع، إلى جانب مبانٍ ومؤسسات يمكن الوصول إليها بسهولة. فضلاً عن تخصيص دورات مياه ومرافق صحية عامة مهيأة بحيث تكون المدن مناسبة للجميع، دون تهميش أو تمييز فئة عن أخرى.

ولكن على أرض الواقع، ما تزال هذه المعايير في جميع المدن السورية غير مطبقة، بل  زادت آثار الحرب من تدمير البنية التحتية، إلى جانب ضعف الإمكانيات الحالية وغياب التخطيط الدامج لهذه الفئة، إضافة إلى ضعف الوعي بحقوق ذوي الإعاقة.

ويرى زيدان أن الحلول يمكن أن تبدأ تدريجياً من خلال تهيئة المراكز الحكومية والمستشفيات والمدارس، وإنشاء منحدرات في الأرصفة والأماكن العامة، وتخصيص وسائل نقل أو تجهيز بعض الحافلات لتناسب مستخدمي الكراسي المتحركة، إضافة إلى تدريب العاملين في المؤسسات على التعامل الصحيح مع مختلف الإعاقات، إضافة إلى إدخال معايير الوصول ضمن أي مشروع إعادة إعمار أو تأهيل جديد مع أهمية إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في التخطيط واتخاذ القرار.

تزيد البنية غير المهيأة من عزلة وإقصاء ذوي الإعاقة، ففي الوقت الذي ما تزال فيه الخدمات العامة امتيازاً لمن يستطيع السير لا حقاً متاحاً للجميع، ما يزال محمد يرفع يده خوفاً من كل حافلة لا تراه، ويتعثر عبد الرحيم عند كل رحلة يحتاج فيها لمن يساعده على تحقيق حلمه في الدراسة والعمل.