بعد سقوط نظام الأسد، وجد ناشطون من الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم أمام فرصة للمطالبة بحقوقهم التي أهملت لسنوات طويلة، فأسسوا “الحراك السوري لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة”، ليجمع أشخاصًا من ذوي الإعاقة وأهالي أطفال ذوي إعاقة وناشطين من داخل سوريا وخارجها، جميعهم يعملون معًا لضمان تمثيل فعال لصوتهم في صياغة السياسات وصنع القرار.
حاول “الحراك السوري” التواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لتشكيل مجلس وطني يمثلهم، لكن الرسائل لم تلقَ ردًّا، والوعود لم تتحول إلى خطوات عملية.
لمواجهة هذا التجاهل، أطلق “الحراك السوري” حملة إلكترونية باستخدام فيديوهات ومنشورات لتوضيح مطالبه أمام الرأي العام، مطالبًا أن يبقى صوت الأشخاص ذوي الإعاقة حاضرًا وفاعلًا في الحوارات وصناعة القرارات الوطنية.
ومع اقتراب تشكيل مجلس الشعب الجديد، يتزايد النقاش حول ملف مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة السياسية السورية. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الجهات الرسمية عن خطوات لتحسين التمثيل، يرى ناشطون أن الاستجابة محدودة ولا تلبي متطلبات المشاركة الفعلية.
حملات للمطالبة بالحقوق
أطلق “الحراك السوري” حملة إلكترونية، بعد محاولات للتواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل دون نتيجة.
يقول الناشط في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ومنسق الحراك، مصطفى دنو: “لم يصلنا أي رد من قبل الوزارة بعد عدة محاولات للتواصل، وتقديم وعود للعمل على تشكيل مجلس وطني لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة”.
بعد تعثر محاولات التواصل المباشر مع الوزارة، لجأ ناشطو الحراك إلى الوسائط الرقمية. وهذا ما شرحه “دنو” بقوله: “أطلقنا حملة إلكترونية عبر تسجيل فيديو باسم الحراك السوري، عرضنا فيه مطالبنا، وأوضحنا غياب أي رد من الوزارة رغم محاولات التواصل المتكررة”.
بعد ذلك “أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، الدكتورة هند قبوات، عن البدء بتشكيل مجلس وطني لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وهو ما اعتُبر مخرجًا للحملة”، بحسب دنو الذي أكد أن المطالب تتجاوز ذلك إلى ضمان مشاركة سياسية حقيقية.
مطالب الحراك تمثيل حقيقي لا شكلي
يوضح عبادة العاسمي، البالغ من العمر 30 عامًا وأحد الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية وعضو مؤسس في الحراك، أن جوهر القضية يتجاوز الوعود الرسمية إلى مطلب المشاركة الحقيقية.
ويضيف العاسمي، وهو مستشار في مجال الدمج وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، أن أبرز المطالب تتمثل في تخصيص “كوتا” تضمن تمثيلًا فعالًا لهذه الشريحة، مع مراعاة التنوع في نوع الإعاقة، والجندر، والفئات العمرية، إضافة إلى التنوع الطائفي والإثني، بما يشمل مراكز المدن والأرياف ومخيمات النزوح.
ويؤكد: “نحتاج إلى تمثيل قائم على الخبرة والكفاءة، وليس مجرد وجود شكلي، خصوصًا فيما يتعلق بملف حقوق هذه الفئة، لضمان تمثيل مؤثر وحقيقي”.
احتجاجات تبحث عن صدى
في مدينة حلب، قرر يوسف ربيع، شاب كفيف وناشط من الاشخاص ذوي الإعاقة البصرية، أن يحوّل إحباطه من تجاهل الجهات الرسمية إلى فعل جماعي.
بعد صعوبة التواصل مع الوزارة ونشر الدعوات عبر وسائل الإعلام، دعا عبر حسابه على منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك إلى وقفة تضامنية للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.
تجمع الفريق في ساحة سعد الله الجابري، مطالبين بحقوق أساسية تشمل التعليم والرعاية الصحية والمشاركة المجتمعية، عبر مادة دستورية صريحة تكفل حقوقهم.
يقول ربيع إن الفريق تشكل منذ شهر فقط، لكنه نجح في لفت الانتباه حين تزامنت الوقفة مع مرور وفد وزاري قرب مبنى المحافظة. ويضيف: “نستعد لتنظيم وقفة أخرى الشهر القادم، لكن أكبر تحدٍّ نواجهه هو ضعف التغطية الإعلامية، وكأن قضيتنا لا تحظى بالاهتمام”.
من جانبه، يشير عبادة العاسمي إلى أن التهميش لم يبدأ اليوم، إذ “لم نشهد مطلقًا مشاركة حقيقية للأشخاص ذوي الإعاقة وأهالي الأطفال ذوي الإعاقة، وغالبية مطالبنا لا تُؤخذ على محمل الجد”.
يضيف العاسمي أن الحراك قدم العديد من المطالب والتوصيات إلى رئاسة الجمهورية ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ولم يتلقّ استجابة إلا بشأن تشكيل مجلس وطني لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وهو خطوة أولى نحو إنشاء جهة تنسيق وطنية قادرة على متابعة تطبيق الاتفاقية الدولية التي صادقت عليها سوريا عام 2009، وممارسة دور رقابي واستشاري وتوجيهي لضمان حقوق هذه الفئة على أرض الواقع.
ثغرات دستورية وتشريعية
صادقت سوريا على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2009، ويشير مختصون ومنهم العاسمي، إلا أن بعض النصوص الدستورية ما تزال عامة ولا تذكر حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل محدد.
كما أن المرسوم التشريعي رقم 19 لعام 2024، الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تضمّن إشارات إلى المشاركة السياسية، لكنه أغفل تفاصيل أساسية مثل ضمان سرية الانتخاب أو تسهيل الوصول إلى مراكز الاقتراع، ما يترك بعض الحقوق الأساسية لهذه الفئة غير محمية بشكل كامل.
المواد الدستورية رقم 10 و12 و14 نصّت على حماية حقوق المواطنين بشكل عام، لكنها لم تتضمن بنودًا صريحةً تحمي حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بما فيها الحق في المشاركة في الحياة السياسية، ما يجعلها ضعيفة مقارنة بالتزامات الدولة الدولية.
في المقابل، تنص المادة 29 من الاتفاقية الدولية على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة في الحياة السياسية والعامة، مع تحديد متطلبات واضحة لممارسة هذا الحق، بما في ذلك سرية التصويت، وتوفير المعلومات بأشكال ميسرة وسهلة الفهم، وإمكانية الاستعانة بمرافق شخصي عند الحاجة.
ويقتصر المرسوم التشريعي السوري، بحسب العاسمي، على الإشارة إلى المشاركة السياسية والعامة في المواد 21 و22، لكنه لم يغطِّ جوانب أساسية مثل الحق في الانخراط في الأحزاب السياسية وإدارة شؤونها، أو إنشاء منظمات تمثلهم على الصعيد الوطني والإقليمي والمحلي، ما يخلق فجوة بين النصوص الوطنية والتزامات الاتفاقية الدولية.
ويشير العاسمي، إلى أن مواءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقية الدولية، وهي التزام رسمي يقع على عاتق الدولة وفق المادة 4 منها، لن تتحقق بالكامل إلا من خلال تمثيل حقيقي للأشخاص ذوي الإعاقة داخل مجلس الشعب، يضمن نقل مطالبهم إلى صلب العملية التشريعية وصنع القرار.
ذات صلة
رسائل كثيرة من ذوي الإعاقة.. لكنها لا تصل
إهمال أم تقصير.. توفير خدمات لذوي الاحتياجات الخاصة في جامعة إدلب
ذوو الاحتياجات الخاصة.. البحث عن الحياة مرتين
نسب التمثيل لاتكفي
عند الإعلان عن النظام الانتخابي الجديد، تم تحديد نسبة التمثيل الكوتا للأشخاص ذوي الإعاقة عند 2% فقط، مع اقتصار الترشح على الأشخاص ذوي الإعاقة الجسدية.
هذا التحديد اعتبره ناشطو الحراك السوري لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تمييزًا واضحًا ضد فئات الإعاقة الأخرى، ويخالف المبادئ العامة للاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
مصطفى دنو، منسق الحراك، يوضح أنهم أصدروا بيانًا موقعًا من عدة منظمات مجتمع مدني، يطالب بزيادة نسبة التمثيل في مجلس الشعب. يقول دنو: “تم التواصل معنا وعقد لقاء مع ممثلين عن اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، ورفعت توصياتنا مباشرة إلى السيد الرئيس. وبالفعل، ارتفعت نسبة التمثيل من 2% إلى 3%، وأصبحت المشاركة متاحة لجميع الأشخاص ذوي الإعاقة. رغم ذلك، ما زلنا نطمح للمزيد، ونعتبر ذلك خطوة أولى إيجابية”.
لكن الحواجز والعوائق لم تتوقف عند هذا الحد. فقد أظهرت الجلسات التحضيرية في المحافظات أن الأماكن غير مهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة، ما أعاق مشاركتهم الفعلية في الحوارات الوطنية، وهو ما يشكل تمييزًا غير مباشر.
ويشير عبادة أيضًا إلى أن النساء والفتيات ذوات الإعاقة يواجهن تمييزًا متعدد الأسس، فيما يظل وصول الأشخاص في مخيمات النزوح محدودًا أو يكاد معدومًا، في ظل استمرار النظرة المجتمعية السائدة التي تعتمد على النماذج الرعائية والطبية للأشخاص ذوي الإعاقة والحواجز البيئية.
وبحسب دنو: “نتطلع للقاء الوزارة ونستمر في العمل لضمان أن تمثل هيكلية المجلس الوطني الأشخاص ذوي الإعاقة وأهالي الأطفال من ذوي الإعاقة، ليكون صوتهم حاضراً في صناعة القرار”.
ويرى دنو أن تجاوب الحكومة مع مطالب الحراك “أمر محط تقدير” ويسعى الحراك السوري “لتعزيز التعاون المستمر وأن يكون الأشخاص ذوي الإعاقة وأهالي الأطفال ذوي الإعاقة شركاء فعليين مع مؤسسات الدولة في هذه المرحلة المهمة”.
تجربة إقليمية.. الأردن نموذجًا
في ظل التحديات التي تواجه إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة السياسية، تبرز التجارب الإقليمية كنماذج يمكن الاستفادة منها. وتظهر تجربة الأردن في التشريعات الخاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من النماذج الرائدة، إذ طوّرت الدولة آليات ملموسة لضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في البرلمان، بما يتوافق مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ويعزز من عدالة العملية الانتخابية.
يقول عبادة العاسمي إن هذه التجربة هي مثال عملي يعزز المشاركة السياسية لهذه الفئة. خاض أشخاص ذوو إعاقة عدة محاولات للترشح عبر ثلاث دورات انتخابية متتالية، وأطلقوا حملات انتخابية لتسليط الضوء على مشاركتهم السياسية، لكنها لم تُثمر بالفوز بمقاعد نيابية.
في المقابل، اختار الملك عبد الله الثاني في أكثر من دورة أشخاصًا ذوي إعاقة من أصحاب الخبرة للانضمام إلى مجلس الأعيان، ليكونوا ممثلين لهذه الشريحة في البرلمان الأردني.
وعلى المستوى التنظيمي والإجرائي، اتخذت السلطات خطوات لتسهيل مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في الانتخابات، عبر تجهيز مراكز الاقتراع لتكون سهلة الوصول، وتوفير ترتيبات تيسيرية معقولة، وتدريب الكوادر على تقديم الدعم عند الحاجة، وضمان ممارسة الانتخاب بحرية وسرية تامة.
تظهر تجربة الأردن ثرية من ناحية تعزيز المشاركة السياسية للأشخاص ذوي الإعاقة، سواء من خلال التمثيل في المجلس أو تطبيق المعايير الدولية، بما يضمن عدالة ومساواة في العملية الانتخابية.
تتباين التوقعات بين الجهات الرسمية والناشطين حول مدى انعكاس التشريعات على مشاركة فعلية للأشخاص ذوي الإعاقة في مجلس الشعب القادم.
وبينما استجابت الحكومة لمطلب رفع نسبة الكوتا كخطوة إيجابية، يطالب الحراك بمراجعة شاملة للتشريعات لتتماشى مع الالتزامات الدولية، بما يضمن انتقال تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة من الشكل الرمزي إلى المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية.
